ثلاثة أيام تحت الأرضبقلم راوي الألم فصل 2

أبٌ في زي جندي..

3 دقائق قراءة · 460 كلمة

على بُعد بضعة كيلومترات فقط من خندق ياسر ، ولكن في معسكرٍ يرفع عَلماً مختلفاً تماماً، كان زياد يقف خلف ساتر ترابي، يراقب الأفق عبر منظاره العسكري. لم يكن زياد مراهقاً متحمساً للحرب مثل بعض المجندين الجدد؛ كان رجلاً في منتصف الثلاثينيات، بجسدٍ صلب وقسمات وجهٍ حفرت فيها الغربة والمسؤولية ملامح قاسية، لكن عينيه كانتا تحكيان قصة أخرى من الوجع و البعد..

في جيبه العلوي، تماماً فوق قلبه، كان يحتفظ بكنزه الوحيد: صورة صغيرة ملوّنة لابنه "سامر" ذو الخمس سنوات، وهو يضحك مرتدياً قبعة والده العسكرية الكبيرة. بجانب الصبي، كانت تقف زوجته "سناء" بابتسامتها الهادئة التي لم تفارق خياله ليلة واحدة منذ ساقه النداء العسكري إلى هذه الأرض المحروقة المنكوبة.

أخرج زياد الصورة، مسح عنها ذرات الغبار بطرف كمه. تذكر صباح رحيله؛ كيف تمسك "سامر" بساقه باكياً، وكيف حاولت سناء أن تكون قوية وهي تهمس له:

 "عُد إلينا حياً.. لا نريد بطلاً، نريد أباً".

تلك الكلمات كانت هي "البوصلة" التي تحركه. لم يكن زياد يقاتل من أجل قضايا حدود جغرافية، بل كان يقاتل من أجل "العودة". كان يرى في كل جندي يواجهه عائقاً يقف بينه وبين باب منزله....لم يكن يعلم، أنه هو الآخر كان عائقا لجنود من أن يعودوا إلى أهلهم.. كان الخوف يحرقه من الداخل أكثر مما تحرق حرارة القذائف جسده ، ليس من الموت بحد ذاته، بل من فكرة أن يكبر "سامر" يتيماً، وأن تذبل "سناء" وحيدة.

"سيدي، الأوامر تقضي بالتقدم نحو الحي الصناعي لتطهيره من القناصة" صرخ أحد الجنود، قاطعاً حبل أفكاره و مخاوفه.

أعاد زياد الصورة إلى جيبه بسرعة، وكأنها سرٌّ لا يجب أن يراه أحد. شدّ حزام خوذته، وتفقد جرحاً قديماً في كتفه كان لا يزال يوخزه مع تغير الطقس. كان يشعر بضيق في صدره، حدسٌ داخلي يخبره أن هذه المعركة ستكون مختلفة.

كانت مدينته التي يحلم بالعودة إليها تبعد مئات الأميال، لكنه في تلك اللحظة شعر أنها تبتعد أكثر. نظر إلى رفاقه وهم يتأهبون؛ شبابٌ يصرخون بحماسٍ زائف ليغطوا على رعبهم. أما هو، فكان صامتاً. الصمت كان وسيلته الوحيدة ليظل متماسكاً.

تحركت الفرقة وسط ركام المباني. كانت الشوارع عبارة عن هياكل عظمية لبيوت كانت يوماً ما عامرة بالضحكات. وفي تلك اللحظة التي قرر فيها زياد أن يسبق مجموعته ليتفقد زاوية مبنىً منهار، انفصل عن فصيله بسبب غبارٍ كثيف ناتج عن سقوط قذيفة مفاجئة.

وجد نفسه وحيداً في زقاق ضيق، يحيط به الموت من كل جانب. سحب مسدسه، وأحس بضربات قلبه تتسارع لدرجة أنه ظن أن العدو قد يسمعها. وفجأة، لمح ظلاً يتحرك خلف ركام مدرسة قديمة.

رفع سلاحه بآلية جندي محترف، وصوب نحو الهدف.. وفي الجهة المقابلة، برز جندي بزيٍّ مختلف، يرفع هو الآخر بندقيته نحوه.

كان ذلك هو ياسر.

تسمر زياد في مكانه. في تلك اللحظة، لم يرَ في ياسر "عدواً"، بل رأى إنساناً آخر يرتجف مثله. لكنه لم يملك الوقت ليفكر، فقد بدأت القذائف تنهمر من السماء بغزارة، وصوت القاذفات اهتزت له الأرض تحت أقدامهما، لتبدأ اللحظة التي ستغير مصيريهما إلى الأبد.