ثلاثة أيام تحت الأرضبقلم راوي الألم فصل 1

شظايا الذاكرة..

3 دقائق قراءة · 456 كلمة

كانت الساعة الرابعة فجراً، الوقت الذي يطلق عليه الجنود "ساعة الأشباح"، حيث يثقل الضباب فوق الخنادق ويصبح من الصعب التمييز بين حطام المباني وأجساد القتلى. في خندق ضيق تحت الأرض، تفوح منه رائحة الرطوبة الممزوجة بصدأ السلاح، كان ياسر يجلس مسنداً ظهره إلى جدار ترابي يوشك على الانهيار.

كان الضوء الوحيد في هذا القبر المفتوح ينبعث من بقايا شمعة صغيرة، ترتعش شعلتها مع كل انفجار بعيد، وكأنها هي الأخرى ترتجف من الخوف. كانت أصابع ياسر متصلبة من البرد، لكنه أصر على الإمساك بقلمه الخشبي المهترئ ليكتب على ورقة انتزعها من دفتر حسابات وجده في أحد البيوت المحطمة.

"أمي، أبي.. كتبت لكم بالأمس ولم يأتِ الرد، وأعلم أن البريد في زمن الحرب ليس إلا وهمًا، لكنني أكتب لأبقى حياً، لأقنع نفسي بأن هناك عالماً خلف هذا الجحيم ما زال يتحدث لغة البشر."

توقف ياسر للحظة، مسح وجهه الشاحب بيده التي غطتها حروق طفيفة وتراب لم يغسله منذ أسابيع. نظر حوله إلى رفاقه؛ "صالح" الذي فقد ذراعه ولا يزال يئن في نومه، و"مازن" الذي يتشبث ببندقيته كأنها طوق نجاة.

قبل عامين فقط، كان ياسر يجلس في ورشته الصغيرة لإصلاح الساعات في القرية، يداعب التروس الدقيقة بمفكه الصغير، يستمتع بصوت التكات المنتظمة التي توحي بأن العالم روتين جميل. أما الآن، فقد صار "الوقت" يُقاس بعدد القذائف التي تسقط في الدقيقة، وبالمسافة التي تفصل بينه وبين الرصاصة القادمة...

أكمل الكتابة بمرارة:

"هل لا تزال شجرة الخوخ تثمر بجانب نافذتي؟ هل ما زال الجيران يجتمعون في ساحة القرية؟ هنا، الشجر مات منذ زمن، وحل محله غبار الإسمنت المسحوق و دماء القتلى و رائحة الجثث المتفحّمة. لا تقلقوا، أنا بخير.. هكذا أخبر نفسي كل صباح لكي أستطيع الوقوف على قدميّ فقط من أجل أن أستطيع العودة سالما عقليا.."

كان ياسر في الثانية والعشرين من عمره، لكن المرآة المكسورة التي يحملها في حقيبته كانت تعكس وجه رجل في الخمسين؛ تجاعيد حول العينين سببتها ساعات المراقبة الطويلة، ونظرة تائهة تبحث عن "عدو" لم يره يوماً بوضوح، بل كان يراه فقط كظلال تطلق النار من الجهة الأخرى.

فجأة، دوى صوت بوق عسكري بعيد، معلناً نهاية "ساعة الأشباح" وبداية يوم جديد من الموت و الفقد و الدمار. طوى ياسر رسالته بعناية فائقة، ووضعها في جيبه الداخلي بجانب صورة قديمة لوالديه يبتسمان فيها أمام المنزل. قبل أن يغلق جيبه، لمس بإصبعه وجه والده، هامساً بكلمات لم يسمعها أحد غيره.

نهض ببطء، نفض الغبار عن زيه العسكري الذي صار واسعاً عليه بسبب نقص الطعام، وحمل بندقيته الثقيلة. لم يكن يشعر بالبطولة، بل كان يشعر بعبء ثقيل في صدره، كأن قلبه صار قطعة من الرصاص.

"التحرك الآن!" صرخ القائد في ممر الخندق.

أخذ ياسر نفساً عميقاً من الهواء الملوث بالدخان، وخطا خطوته الأولى نحو السلم الطيني، متجهاً إلى "منطقة الركام". لم يكن يعلم أن هذه الرسالة ستظل في جيبه، وأن القدر سيقوده بعد ساعات قليلة إلى قبو مظلم، حيث سيكتشف أن "العدو" يملك هو الآخر صوراً لعائلته في جيبه.