آخر رسالة من شط العرببقلم Sorr Yu فصل 2

ورقة بيضاءالبصرة

4 دقائق قراءة · 672 كلمة

البصرة، أواخر أيلول 1980

لصقت أمينة شرائط الورق على زجاج النوافذ، على شكل علامة ×، بدقيق ممزوج بالماء. رأت جارتها تفعل ذلك فقلّدتها، ولم يقل لها أحد إن هذا ينفع. لكن الجميع في تلك الأيام كانوا يفعلون الأشياء نفسها دون أن يسأل أحد لماذا: يملؤون الجرار بالماء، يرفعون الأرز إلى أعلى الرف، ويُغلقون الأبواب قبل المغرب.

مرّ يوم. لم يتغير في البصرة شيء يمكن الإشارة إليه بالإصبع. الشط في مكانه، والنخل في مكانه، وأبو علي يفتح بقالته كل صباح. لكن الراديو لم يعد يُطفأ، وكان الناس إذا التقوا في الزقاق لم يقولوا «صباح الخير» أولًا، بل قالوا: «سمعت شي؟»

وفي ظهر الثلاثاء، جاء رجل على دراجة هوائية.

لم يكن يلبس زيًّا عسكريًا. قميص أبيض متعرق، ودفتر مغلّف بالنايلون تحت إبطه، وقلم وراء أذنه. وقف أمام الباب ونادى: «هذا بيت سالم؟»

كان سالم في الداخل يصلح مفصل النافذة. سمع أمه تقول «نعم» بصوت غريب، ثم سمع صمتًا، ثم خطوات.

لم يكن في الورقة سوى بضعة أسطر مطبوعة وفراغ مكتوب بالقلم فيه اسمه. قرأها مرتين. كان عليه أن يلتحق صباح الخميس.

«أنت تعرف شنو هذا؟» سأله الرجل بنبرة معتذرة، كأنه ليس مسؤولًا عن الورقة. «توقّع.»

وقّع سالم. ورحل الرجل على دراجته إلى البيت التالي، وبقيت الورقة في يده بيضاء ثقيلة، كأنها أثقل من حجمها.

لم يكن يعرف ماذا يقول لأمه. لكنها لم تنتظره ليقول شيئًا. أخذت الورقة من يده، نظرت إليها دون أن تقرأ، ثم طوتها بعناية وأعادتها إليه.

«الخميس،» قالت. «يعني بعد يومين.»

«إي.»

«وياسر يروح الخميس بعد.»

نظر إليها. «الخميس؟ نفس اليوم؟»

«خالك يجي الفجر. ما أريد أنتظر.»

كانت قد حسمت الأمر قبل الورقة، وأرادت الآن أن يسبق ياسر سالم في الرحيل بساعات، حتى لا يبقى في البيت من يرى ابنًا يخرج بينما الثاني ما زال في الفراش. فهم سالم ذلك من نظرتها، ولم يعلّق.

في ليلة الأربعاء لم ينم أحد.

كانت الكهرباء قد انقطعت قبل العشاء، ولم تعد. أشعلت زينب فانوسًا صغيرًا ووضعته في المطبخ، وجلست أمينة تخيط شيئًا في ضوئه: حقيبة قماش لياسر، وكيسًا لسالم، ملأته بخبز ناشف وتمر وقطعة صابون وقميص إضافي. لم تقل ماذا في الكيس. قال سالم: «يمّه، يعطوننا هناك أكل.»

«ياخذ الواحد معه شي من البيت.»

خرج إلى العتبة وجلس. بعد قليل جاء ياسر وجلس بجانبه، على الدرجة الأولى من السلّم الخارجي، يضم ركبتيه إلى صدره. كان الزقاق مظلمًا إلا من ضوء خافت يتسرب من نافذة بعيدة. وفي الأفق، فوق النخل، لمعة صغيرة لا تثبت في مكان، يختلط فيها الضوء بشيء آخر لم يجرؤ سالم على تسميته.

«تروح بكرة؟» سأل ياسر.

«إي.»

«وأنا أروح عند خالي.»

«إي.»

ساد صمت طويل. كان ياسر يخدش بطرف إصبعه حافة الحجر.

«إذا رجعت وأنا مو هنا؟»

لم يفهم سالم السؤال فورًا. ثم فهم، وأدرك أن الطفل يفكر منذ أيام في هذا السؤال وحده، وأن الأمور الأكبر منه لا يعرف كيف يسأل عنها.

«وين أروح؟» قال سالم.

«البيت. انتظرني هناك.»

«وأنت؟»

«أرجع.»

لم يكن في صوت ياسر شيء من الشعر. كان صوت ولد يطلب ضمانًا بسيطًا، كالذي يطلبه من يعطي شيئًا ثمينًا لأحد ويريد أن يعرف أين سيجده.

«أنت هم ارجع،» قال سالم.

«أرجع.»

مدّ سالم يده وضمّ كتف أخيه، فتصلّب ياسر لحظة ثم أسند رأسه على ذراعه. لم يقولا شيئًا آخر. بعد قليل سمعا أمهما تنادي من الداخل، وسمعا زينب تقول لها: «خليهم.»

جاء الخال قبل الفجر بنصف ساعة. كان رجلًا نحيلًا اسمه أبو منذر. يتكلم بسرعة ويدخّن كثيرًا. جاء بسيارة مستعارة، وكان التعب واضحًا في وجهه. قال لأمينة إنه سيعتني بالولد كأنه ولده، فقالت له: «لا. اعتنِ فيه كأنه ولدي.»

لم تبكِ. كانت تصبّ الشاي في الأقداح، ويدها ثابتة، وحين امتلأ قدح أبو منذر وفاض لم تنتبه. رأى سالم الشاي يسيل على الصينية وعلى كمّ أخيه، فتناول الإبريق من يدها بهدوء.

حمل ياسر حقيبته إلى السيارة. لم يلتفت. ثم، وقد صار في المقعد الخلفي، أنزل الزجاج قليلًا وقال شيئًا لم يسمعه أحد، ثم رفع الزجاج. انطلقت السيارة في الظلمة الرمادية، وبقيت أمينة واقفة عند الباب إلى أن اختفى الضوء الأحمر الصغير في آخر الزقاق.

ثم قالت دون أن تلتفت: «سالم. كل شي بوقته. افطر.»

فطر. جلس إلى المائدة وأكل وهو لا يشعر بالطعام. في الثامنة، حمل الكيس. قبّل رأس أمه فرفعت يدها ولمست وجهه بأطراف أصابعها، كأنها تتأكد من شيء. وعانقته زينب بسرعة وهربت إلى الداخل.

عند الباب توقف. نظر إلى السلّم من بعيد. الدرجة الثالثة كما هي، رمادية، مكسورة الحافة قليلًا، لا تُظهر أنها ستُذكر يومًا.

«لا تقفل الباب،» قال لأمه.

«ليش؟»

لم يعرف. «يمكن أحد يجي.»

نظرت إليه طويلًا ثم هزّت رأسها. «ما راح أقفله.»

ومشى سالم في الزقاق، ولم يعدّ خطواته.