آخر رسالة من شط العرببقلم Sorr Yu فصل 1

الدرجة الثالثة

6 دقائق قراءة · 1,142 كلمة

البصرة، الاثنين 22 أيلول 1980

كانت الدرجة الثالثة في السلّم تصرّ كلما وطئها أحد.

عرف سالم ذلك منذ كان في السابعة، وعرفه ياسر قبل أن يتعلم المشي. لذلك كان الاثنان يقفزان فوقها في الصباح، حتى لا توقظا أمهما. أما هي فكانت مستيقظة دائمًا قبلهما، ولم تحتج يومًا إلى صرير الدرجة لتعرف من نزل ومن بقي في الفراش.

نزل سالم ذلك الصباح وهو يقفز فوقها، فرأى ياسر جالسًا على العتبة، حافي القدمين، يحدّق في الزقاق كأنه ينتظر أحدًا.

«منو تنتظر؟»

«أنتظرك.» لم يلتفت ياسر. «صرت أعرف إنك تتأخر. أحسب لك الدقائق.»

«وشكد طلعت؟»

«إحدى عشرة.»

ضحك سالم وربّت على رأسه بكفّه كلها، فأبعد ياسر يده بضيق مصطنع. كانت لعبتهما القديمة: سالم يتأخر دائمًا، وياسر ينتظر دائمًا، وسالم يقول في كل مرة الجملة نفسها وهو يلهث قادمًا من آخر الزقاق، حتى صارت الجملة جزءًا من البيت مثل الدرجة والباب:

«ما تأخرت. أنت تنتظرني.»

من داخل البيت جاءت رائحة الخبز الساخن، ثم صوت الراديو الصغير على رفّ المطبخ، يتحدث بصوت خافت عن أسعار التمور وأخبار المدينة. كانت أمه أمينة تحرّك الشاي على النار بيد وتمسك بالأخرى طرف الراديو، تدير مؤشره قليلًا ثم تتركه، كما تفعل كل صباح منذ سنوات، لأن الإشارة في الأزقة القريبة من الشط كانت تضعف وتقوى كأنها تتنفس.

«تعال افطر.»

«ألحق على الشغل يمّه.»

«تفطر وبعدين تلحق.»

جلس. وضعت أمامه كوب الشاي ورغيفًا وبيضتين، ثم وقفت تنظر إليه لحظة أطول من اللازم، ولم يفهم لماذا. قالت أخيرًا: «شفتك أمس ما نمت زين.»

«نمت.»

«سمعتك تتقلب.»

لم يكن لديه جواب. كان قد تقلب فعلًا، ولا يعرف السبب. هناك أحاديث في العشار منذ أسابيع عن الحدود، عن مدافع ومناوشات، عن رجل يقول إن أخاه الضابط لم يأخذ إجازته هذا الشهر. لكن هذا النوع من الكلام يدور في المدينة منذ أن عرف سالم الدنيا، ولم يكن أحد يصدق أنه سيصير شيئًا.

نزلت أخته زينب على السلّم، تقفز فوق الدرجة الثالثة هي الأخرى، وتحمل كتابين لن تفتحهما قبل المساء. أخذت قطعة خبز وخرجت تبحث عن صديقتها. وبقي ياسر على العتبة.

حين ذهب سالم، سار في الزقاق وهو يعدّ خطواته دون أن ينتبه، وسمع خلفه صوت أخيه الصغير:

«اثنتا عشرة!»

كان سالم في ورشة النجارة بالعشار منذ الصباح، وقد بدأ أبو حيدر عمله قبل أن تشتد الشمس. كانت الحرارة ثقيلة، رطبة، تلتصق بالجلد حتى بعد الظهر. يعمل سالم هناك منذ سنتين عند أبي حيدر، رجل ضخم يتحدث قليلًا ويعلّم كثيرًا، ويقول إن الخشب مثل البشر: إن أصغيت له أخبرك أين يكسر.

كان سالم يصقل لوحًا حين سمع الصوت.

لم يكن رعدًا. هذا ما فكّر فيه أولًا. ثم قال لنفسه إنه صوت سيارة ثقيلة على الجسر. ثم توقف المنشار في يد الصبي الذي يعمل بجانبه، وتوقف أبو حيدر في منتصف جملة، ورفعوا رؤوسهم الثلاثة نحو السقف.

كان طنينًا بعيدًا، عاليًا جدًا، يمرّ فوق المدينة ولا يقترب. ليس مثل أي شيء سمعه من قبل. تبعه صوت آخر، أخفض، يشبه رجّة بعيدة في عمق الأرض، ثم صمت.

«طيارات،» قال الصبي.

«الطيارات تمرّ كل يوم،» قال أبو حيدر.

لكنه لم يكمل عمله. خرج إلى الباب ووقف تحت الشمس يشدّ رأسه إلى السماء. وخرج سالم خلفه. كان الشارع على حاله: بائع الماء البارد، عربة الخضار، امرأتان تتجادلان على سعر البصل. ثم بدأ الناس يتوقفون واحدًا بعد آخر، كأن الحركة تنطفئ في الشارع من طرفه البعيد.

من مقهى قريب جاء صوت راديو مرتفع. قطع المذيع حديثه فجأة. ساد صوت خشخشة، ثم بدأت الموسيقى: مارشات عسكرية. سالم يعرف أن الموسيقى هذه لا تُذاع بلا سبب.

«شنو صاير؟» سأل أحدهم.

«ما أدري.»

«يگولون الطيارات طلعت لإيران.»

«منو گال؟»

«واحد سمع.»

«واحد سمع شنو؟»

لم يعرف أحد. كل واحد يحمل قطعة صغيرة ولا يعرف صورتها. قال أحدهم إن الجيش دخل الحدود، وقال آخر إن هذه تدريبات، وقالت امرأة من الباب إن ابنها في الخدمة وإن الله يستر. وكان سالم يصغي، وصوته الداخلي يكرر شيئًا واحدًا بإلحاح غريب: أريد أن أعود إلى البيت.

لم يكن يعرف لماذا. ما زال النهار طويلًا والعمل كثيرًا. لكنه حين مدّ يده يلتقط معطفه الخفيف المعلق، لاحظ أن أصابعه ترتجف قليلًا، فأخفاها في جيبه.

أطلق أبو حيدر ورشته قبل موعدها. «روحوا لأهلكم،» قال. ثم أضاف، وهو ينظر إلى سالم دون أن يقصد: «ولا تمشون بالشارع الرئيسي.»

عاد سالم من الزقاق الخلفي، ولم يعد خطواته هذه المرة.

وجد الباب مفتوحًا والجيران في الزقاق. الحاجة أم كاظم تقف عند بابها بالعباءة، وولداها الصغيران متعلقان بذيلها، وأبو علي صاحب البقالة جاء بكرسيه وجلس أمام بيته كأنه في عزاء. وكانت الأخبار تتغير مع كل بيت يمرّ به سالم: هنا قال الراديو إن الطيارات ضربت مطارات، وهناك قال الراديو إنه لم يقل شيئًا، وعند الزاوية حدّثه شاب أن الإيرانيين سيردّون قبل المساء.

دخل البيت فوجد الراديو في المطبخ مرتفعًا، وأمه واقفة أمامه كأنها تصلّي. لم تلتفت.

«يمّه.»

رفعت يدها، فسكت. كان المذيع يقرأ بيانًا بصوت صلب، كل كلمة فيه مثل مسمار. التقط سالم كلمات متفرقة، ثم ضاعت بقيتها في خشخشة الراديو. لم يفهم الجمل كاملة، لكنه فهم النبرة. هذه نبرة لا يُقرأ بها خبر عن التمور.

انتهى البيان، وعادت المارشات. أمسكت أمه المؤشر بأصابعها وأدارته، فجاءت إذاعة أخرى، وصوت آخر يقول الشيء نفسه بكلمات أخرى. أدارته مرة ثانية، وصل صوت مشوش بالفارسية. أبعدت يدها كمن لسعته نار.

«سالم.» قالت دون أن تلتفت. «ياسر وين؟»

ارتبك. «عند العتبة… ما شفته؟»

«ما شفته.»

صعد سالم السلّم في ثلاث قفزات، والدرجة الثالثة تصرّ تحت قدمه لأول مرة منذ سنوات، ولم يبالِ بها. كانت غرفة ياسر خالية. نزل. وجد زينب في الباب، تتنفس بسرعة، وقد عادت من بيت صديقتها بلا كتاب واحد في يدها.

«ياسر عند أبو علي،» قالت. «واقف عند البقالة مع الأولاد. يسمعون.»

ركض سالم.

كان ياسر واقفًا بين صبية الزقاق، رأسه مرفوع نحو الأفق الغربي حيث لم يكن هناك شيء، ولا دخان ولا نار. فقط سماء بيضاء ثقيلة، وفوق النخل خيط رفيع من الطنين يبتعد.

«شفت شي؟» سأل سالم.

«لا.» لم يلتفت ياسر. «بس سمعت. تعرف شنو سمعت؟»

«شنو؟»

«صار الجو يسكت. حتى العصافير.»

ثم نظر إلى أخيه، ورأى سالم في وجهه شيئًا لم يره من قبل. لم يكن خوفًا واضحًا. كان ياسر فقط لا يبعد عينيه عن السماء.

«ما تأخرت،» قال سالم، ولم يعرف لماذا قالها. «أنا هنا.»

هزّ ياسر رأسه ببطء، كأنه يعدّ الدقائق.

في المساء جاء العم من الناحية الأخرى من المدينة ومعه خبر وآخر وثالث. أحدهم يقول إن الحرب ستنتهي في أسبوع، وآخر يقول إن الإيرانيين سيردّون الليلة، وثالث يقول إن كل شيء مبالغ فيه. جلس الرجال في الفناء، وأخذت النساء الصحون إلى المطبخ، وبقي الراديو يتكلم بصوت منخفض لا يسمعه أحد.

كان الليل قد نزل حين اجتمعت الأسرة أخيرًا حول المائدة الصغيرة. أكل سالم قليلًا. أكلت زينب أقل. أما ياسر فقد أكل كل ما وُضع أمامه، بسرعة غريبة، كمن يريد أن ينهي المهمة.

لم تأكل أمينة شيئًا.

كانت تجلس على رأس المائدة، يداها في حجرها، وعيناها على ياسر. لم تكن تنظر إليه كما تنظر الأم إلى ولدها وهو يأكل. كانت تنظر إليه كمن يقيس مسافة: بين هذا الطفل وبين نافذة الغرفة، بين الغرفة والزقاق، بين الزقاق والشط، بين الشط وما وراءه.

ثم رفعت عينيها فالتقت بعيني سالم. لم تقل شيئًا. ولم يقل شيئًا.

في الخارج، بعيدًا، مرّت سيارة بسرعة. وانتبه سالم إلى أن أحدًا لم يمدّ يده إلى الراديو منذ ساعة.

في منتصف الليل نزل سالم إلى المطبخ ليشرب ماء، فوجد أمه جالسة في العتمة أمام الراديو المطفأ.

«يمّه؟ ما نمتي؟»

لم تجبه فورًا. ثم قالت، وعيناها على الراديو الأسود:

«ياسر نام؟»

«نام.»

«إذا استمر الوضع هالشكل…» توقفت، وسوّت طرف عباءتها فوق ركبتها. «ياسر يروح عند خاله.»

انتظر سالم أن تشرح، لكنها لم تشرح. وفهم أن الأمر ليس اقتراحًا يُناقش، وأنها قررته قبل أن ينزل بوقت طويل.

صعد إلى غرفته في العتمة، وقفز فوق الدرجة الثالثة، رغم أن أحدًا في البيت لم يكن نائمًا.