خلف الأبواب المغلقة
3 دقائق قراءة · 466 كلمة
ميلانو — الساعة 4:20 فجرًا
في مكانٍ لا يظهر على أي خريطة، وتحديدًا خلف أبواب مبنى قديم تحرسه وجوه لا تعرف الابتسام، كان الصمت أثقل من أن يُكسر.
جلس رجال حول طاولة سوداء طويلة، تتوسطها ملفات مغلقة وأكواب قهوة لم يلمسها أحد. لم يكن اجتماعًا عاديًا، ولم يكن أحد منهم يجرؤ على السؤال عن سبب استدعائه في هذا الوقت.
ففي هذا العالم، الاستدعاء المفاجئ لا يعني خبرًا جيدًا أبدًا.
انفتح الباب.
دخل رجل طويل يرتدي بدلة سوداء، وخطواته هادئة على نحوٍ جعل العيون تتبعه دون أن يطلب ذلك. لم يلقِ التحية، ولم يعتذر عن تأخيره. اكتفى بسحب الكرسي في نهاية الطاولة والجلوس.
تبادل الرجال نظرات سريعة.
ثم قال أحدهم، وكان أكبرهم سنًا:
— الصحفي مات، لكن الموضوع مش انتهى.
رفع الرجل الجالس في نهاية الطاولة عينيه إليه.
— مين قال إنه انتهى؟
ساد الصمت.
أخرج رجل آخر ملفًا ووضعه أمامه.
— الشرطة استلمت القضية. وفيه قاضية جديدة مسؤولة عن التحقيق. واضح إنها مش هتقفل الملف بسهولة.
فتح الرجل الملف، وتوقف عند صورة صوفيا.
تأملها لثوانٍ، ثم قلب الصفحة دون أن يعلّق.
— هل تعرفونها؟
— لأ. لكن سمعتها كويسة، ويقولوا إنها دقيقة ومش بتسيب تفصيلة تعدّي.
أغلق الملف.
— كل الناس عندها نقطة ضعف.
قال الرجل الأكبر سنًا بحذر:
— ولو كانت نقطتها إنها مش بتخاف؟
رفع الجالس نظره إليه، وكانت نبرته هادئة على نحوٍ غير مريح.
— الخوف مش شرط يكون نقطة ضعف. أحيانًا بيكون آخر حاجة بتخلي الإنسان عاقل.
لم يجرؤ أحد على الرد.
بعد دقائق، انصرف معظم الرجال، وبقي اثنان فقط داخل الغرفة.
وقف أحدهما بجوار النافذة، بينما اقترب الآخر من الرجل الجالس.
— فيه مشكلة تانية.
لم يرفع رأسه.
— اتكلم.
— حد سرّب معلومات عن الصفقة اللي كانت مرتبطة بلوكا. مش كل التفاصيل، لكن كفاية إن الصحفي كان يعرف إن فيه حاجة بتحصل.
هذه المرة، وضع الرجل الملف جانبًا.
— مين؟
— لسه مش عارفين.
ساد الصمت لثوانٍ طويلة.
ثم نهض الرجل، وأغلق أزرار سترته.
— يبقى عندنا مشكلتين. واحدة ماتت، والتانية لسه بتتنفس.
نظر إليه مساعده بتردد.
— تقصد مين؟
توقف الرجل عند الباب.
— اللي سرّب المعلومات.
ثم خرج، تاركًا خلفه رجلين يعرفان أن البحث عن الخائن سيكون أصعب من العثور عليه.
في الطابق السفلي، بعيدًا عن قاعة الاجتماعات، كانت هناك غرفة صغيرة لا يدخلها أحد دون إذن.
فتح الرجل بابها بنفسه.
على الجدار المقابل، امتدت لوحة كبيرة مليئة بالصور والأسماء والخطوط الحمراء. كانت بعض الوجوه مشطوبة، وبعض الأسماء محاطة بدوائر سوداء.
وفي منتصف اللوحة، وُضعت صورة الصحفي لوكا .
أسفلها، صورة أخرى لرجل لم تظهر ملامحه بوضوح.
تأمل الرجل الصورة الأخيرة، ثم أخرج قلمًا أسود ورسم خطًا فوق أحد الأسماء.
لم يكن في الغرفة أحد ليسأله عمّا يفعل.
ولم يكن بحاجة إلى شاهد على قراراته.
وقبل أن يغادر، رن هاتفه برسالة من رقم مجهول:
«هي بدأت تسأل عن الرمز.»
قرأها مرة واحدة.
ثم حذفها.
للحظة قصيرة، استقرت عيناه على انعكاسه في الزجاج الأسود.
لم يكن قلقًا.
لكنه أدرك أن القضية التي ظن أنها ستنتهي في ليلة واحدة قد تتحول إلى شيء آخر تمامًا.
شيء لم يكن مستعدًا لمنحه اسمًا بعد.
أطفأ الضوء، وأغلق الباب خلفه.
وفي الظلام، بقيت صورة الرمز وحدها مضاءة على شاشة صغيرة.
لم يكن أخطر ما في هذا العالم هو عدد الرجال المستعدين لتنفيذ الأوامر... بل أن أحدًا لم يكن يعرف مَن الذي يصدرها حقًا.