اول خيط
4 دقائق قراءة · 625 كلمة
كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا، حين توقفت سيارة سوداء أمام أحد الشوارع القديمة في ميلانو.
ترجّلت منها امرأة ترتدي معطفًا أسود طويلًا، رفعت عينيها نحو المبنى المحاط بسيارات الشرطة، ثم أخرجت بطاقتها الرسمية.
— القاضية صوفيا روسّي.
فتح لها الضابط الطريق، وقال بجدية:
— كنا في انتظارك، سيدتي.
لم تجبه. اكتفت بالنظر إلى الشريط الأصفر المحيط بمسرح الجريمة، ثم تقدمت بخطوات ثابتة.
لم تكن صوفيا تخشى رؤية الموت، لكنها كانت تكره القضايا التي تبدو واضحة أكثر مما ينبغي. ففي خبرتها، كانت التفاصيل التي يتجاهلها الجميع هي التي تقود إلى الحقيقة.
وفي تلك الليلة، كان هناك الكثير مما يستحق الشك.
اقتربت من جسد الصحفي لوكا ، الذي عُثر عليه قبل ساعات. كان المطر قد بلّل ملابسه، بينما انشغل فريق الأدلة الجنائية بفحص المكان بحثًا عن أي أثر قد يقود إلى القاتل.
سألت صوفيا رئيس فريق التحقيق:
— إيه اللي وصلتم له؟
فتح الرجل ملفًا بين يديه.
— الضحية صحفي استقصائي. كان بيحقق في قضايا فساد مرتبطة برجال أعمال معروفين. مفيش شهود، وكاميرات المراقبة في الشارع توقفت قبل الجريمة بوقت قصير.
نظرت إليه باستغراب.
— توقفت إزاي؟
— لسه بنفحص النظام، لكن التوقف مش طبيعي.
صمتت للحظة، ثم نظرت إلى المباني المحيطة. نوافذ مغلقة، شارع شبه خالٍ، ولا شيء يوحي بأن جريمة وقعت هنا قبل ساعات.
ومع ذلك، كان هناك شخص يعرف بالضبط ما حدث.
وربما كان لا يزال قريبًا.
— فيه حاجة تانية؟ سألت.
تردد المحقق قبل أن يجيب:
— لقينا دي جنب الجثة.
أشار إلى قطعة سوداء صغيرة محفوظة داخل كيس الأدلة.
اقتربت صوفيا لتفحصها.
كان محفورًا عليها رمز غريب؛ مثلث مفتوح من الأسفل، يتوسطه خط مائل، وفوقه نقطة صغيرة.
لم يكن الرمز مألوفًا لها، لكن طريقة تركه أثارت شكوكها. لم يبدُ شيئًا سقط من جيب الضحية، بل بدا كأنه وُضع هناك عمدًا.
— حد لمسها قبل ما توصلوا؟
— لا، يا فندم. فريق الأدلة استلم المكان من البداية.
ظلت تنظر إلى الرمز لثوانٍ، ثم سألت:
— لوكا كان بيشتغل على إيه تحديدًا قبل موته؟
أخرج المحقق ورقة أخرى من الملف.
— كان بيدوّر على معلومات عن مجموعة من رجال الأعمال، وفيه أسماء مش قادرين نحدد علاقتها ببعض. لكن آخر ملف كان شغال عليه اختفى من شقته.
رفعت صوفيا عينيها إليه.
— يعني حد دخل شقته، أخد الملف، وسببه يموت هنا؟
— ده احتمال.
— لأ. ده معناه إن حد كان عارف هو بيدوّر على إيه.
أغلقت الملف وأعادته إليه.
— عايزة نسخة من كل تحقيقاته، وأسماء كل شخص اتواصل معاه في آخر شهر. ومحدش يتعامل مع الرمز ده كأنه تفصيلة عادية.
أومأ المحقق، ثم ابتعد لتنفيذ أوامرها.
بقيت صوفيا وحدها للحظات، تتأمل المكان من جديد. كانت هناك فجوة في القصة، شيء لا تستطيع تحديده، لكنه يمنعها من تصديق أن ما حدث مجرد جريمة قتل عادية.
وقبل أن تغادر، اقترب منها أحد أفراد فريق الأدلة الجنائية حاملًا كيسًا شفافًا.
— لقينا ورقة في جيب المعطف بتاع الضحية، يا فندم. كانت مطوية بطريقة غريبة.
أخذت صوفيا الكيس، وقرأت الكلمات القليلة المكتوبة على الورقة.
«لو وصلت للرمز، يبقى هو عرف إنك بتدور عليه.»
توقفت عيناها عند الجملة الأخيرة.
لم يكن هناك اسم، ولا توقيع، ولا أي إشارة إلى هوية صاحب الرسالة.
رفعت رأسها ونظرت إلى الشارع الخالي.
لأول مرة منذ وصولها، شعرت أن القضية لم تبدأ بمقتل لوكا.
بل بدأت قبل ذلك بكثير.
في مكان آخر من ميلانو، كانت سيارة سوداء تشق طريقها عبر الشوارع المبتلة.
جلس رجل في المقعد الخلفي، يرتدي قفازات سوداء، بينما انعكست أضواء المدينة على زجاج النافذة المعتم.
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، ثم أجاب دون أن يتكلم.
جاءه صوت رجولي من الطرف الآخر:
— الشرطة وصلت للمكان.
— عارف.
— وفيه قاضية استلمت القضية.
ساد صمت قصير.
رفع الرجل عينيه نحو النافذة، ثم سأل:
— اسمها؟
— صوفيا روسّي.
لم يُظهر أي رد فعل. أعاد الهاتف إلى جيبه، وأسند ظهره إلى المقعد.
— راقبوها. من بعيد.
تردد الرجل على الطرف الآخر.
— ولو قربت من الحقيقة؟
التفت صاحب الصوت البارد نحو النافذة مرة أخرى.
— محدش بيوصل للحقيقة كاملة.
انتهت المكالمة.
وفي اللحظة نفسها، أخرج الرجل قطعة معدنية صغيرة من جيبه، قلبها بين أصابعه، ثم أغلق يده عليها.
كان الرمز نفسه محفورًا فوق سطحها.
لم يكن قلقًا من الشرطة، ولم يكن مهتمًا بما ستكتشفه صوفيا.
لكنه لم يكن يعلم أن هذه المرة، لن تسير الأمور كما خطط لها.
فبعض الخيوط، مهما حاول أصحابها قطعها، تظل ممتدة إلى أن تصل إلى اليد التي أخفتها.