إحنا أهل
7 دقائق قراءة · 1,225 كلمة
منذ تلك الليلة، لم يعد السؤال الثقيل يفارق رأس حسون تمامًا: «معقول أنا كنت فاهم الناس غلط؟». كان يحاول جاهدًا أن يتجاهله، وكلما خرج مع أصحابه أو جلس في دواوين أقاربه، عاد يتصرف كعادته القديمة؛ يضحك، ويمزح، ويتحدث بصخب وكأن شيئًا في داخله لم يتغير. لكنه، وربما دون أن يشعر، أصبح أكثر انتباهًا لأشياء عابرة لم يكن يلقي لها بالًا من قبل. صار يلاحظ من يسأل عنه لمجرد الاطمئنان، ومن لا يتذكره ولا يظهر في حياته إلا عندما يحتاج إليه، ومن يكثر من الكلام عن المحبة والشهامة والوقوف مع الآخرين، ثم يختفي فجأة عندما يصبح وجوده مطلوبًا.
ومع ذلك، لم يكن حسون قد فقد ثقته بالناس بعد. كان يبرر لنفسه دائمًا بأن ما حدث في المرات السابقة ربما كان مجرد ظروف، وأنه لو جاء يوم ثقيل احتاج فيه إلى أهله وعزوته فعلًا، فلن يتركه أحد وحيدًا. كان هذا الاعتقاد جزءًا أساسيًا من الصورة التي نشأ عليها؛ فبالنسبة له، الأقارب ليسوا مجرد أسماء تجمعها صلة الدم، بل هم ملاذات آمنة يلجأ إليها الإنسان عندما تضيق به الدنيا. وكان أكثر ما يردده عندما يجلس بينهم: «إحنا أهل». لم يكن يقولها مجاملة عابرة، بل كان يؤمن بها من قلبه.
مرت أسابيع، وبقيت الحياة تسير بإيقاعها المعتاد، حتى جاء يوم شعر فيه حسون للمرة الأولى أن المسؤولية يمكن أن تطرق بابه هو أيضًا.
احتاج أبوه في ذلك اليوم إلى إنجاز أمر رسمي وضروري خارج البيت، لكن الإرهاق الذي أصابه جعله يفضّل أن يبقى في المنزل. ولأن حسون كان موجودًا في الصالة، نظر إليه الأب وقال: «بدي إياك تروح بدالي وتتابع الموضوع للآخر.»
نظر حسون إليه باستغراب وقال: «أنا؟»
أجابه أبوه بنبرة حازمة، لكنها تحمل شيئًا من المحبة: «آه، أنت. لازم تتعلم تتحمل مسؤولية يا ابني.»
لم يعجبه الأمر كثيرًا، وشعر أنه انتزع منه يومًا كان يريد أن يقضيه بطريقته، لكنه وافق في النهاية.
خرج حسون من البيت وهو يظن أن المهمة بسيطة، وأنه سيعود خلال ساعة أو ساعتين على الأكثر. لكنه ما إن وصل إلى المكان حتى اكتشف أن الأمر أعقد بكثير مما تخيل. احتاج إلى أوراق لم تكن معه، واتصالات لم يعرف بمن يجريها، ومراجعات بين أكثر من مكتب، ثم ظهرت أمامه عقبة أخرى لم تكن في حسبانه.
حاول أن يحل المشكلة بنفسه، لكنه وجد نفسه غارقًا في تفاصيل لا يعرف عنها شيئًا.
اتصل بأبيه وشرح له ما حدث.
قال الأب: «اسأل فلان، يمكن يساعدك. هو بفهم بهالأمور.»
كان فلان قريبًا يعرفه حسون منذ طفولته، ومن أكثر الأشخاص الذين اعتاد أن يسمع منهم في الجلسات: «إحنا أهل، ومالنا غير بعض.»
اتصل به حسون وشرح له الموقف.
سكت الرجل قليلًا، ثم قال: «والله يا حسون، أنا مشغول كثير هالفترة وعندي التزامات. حاول تشوف حدا غيري.»
ابتلع حسون خيبته وقال: «طيب، ما في مشكلة.»
وأغلق الهاتف.
هذه المرة لم يغضب كما كان يفعل سابقًا، لكنه شعر بخيبة باردة تسري في صدره. لم يكن يطلب مالًا لنفسه، ولا خدمة شخصية، بل كان يحاول إنجاز أمر مهم لوالده، ومع ذلك لم يجد من قريبه تلك الفزعة التي توقعها.
اتصل بشخص آخر من العائلة، ثم بآخر.
كان لكل واحد منهم عذره، وبعض الأسباب بدت مقنعة ومنطقية فعلًا، لكن النتيجة بقيت واحدة: حسون كان يقف وحده أمام المشكلة.
جلس قليلًا على رصيف الطريق، وأخذ نفسًا عميقًا. وفي تلك اللحظة تحديدًا، تذكر كلام أبيه من ليلتهما القديمة:
«الإنسان ما بتعرفه من كلمة قالها، بتعرفه من موقف صار.»
رفع حسون هاتفه وتأمل الأسماء أمامه، لكنه هذه المرة لم يتصل بأحد.
مسح وجهه بيده وقال لنفسه: «طيب... إذا ما حدا ساعدني، أنا لازم أتصرف لحالي.»
ولأول مرة في حياته، لم يقف منتظرًا أن يأتي شخص لينقذه. عاد إلى المكاتب، وبدأ يسأل بنفسه، ويتنقل من موظف إلى آخر، ويتصل بمن يستطيع أن يدله على الطريق الصحيح، ويحاول حل المشكلة خطوة خطوة.
أخذ منه الأمر وقتًا أطول بكثير مما توقع، وواجه أكثر من عقبة كادت تغلق الأبواب في وجهه، لكنه في نهاية اليوم استطاع أن ينهي كل ما طلبه منه أبوه.
عاد إلى البيت مع غياب الشمس، وكان التعب واضحًا على وجهه.
نظر إليه أبوه وسأله: «خلصت؟»
أجاب حسون بنبرة هادئة فيها شيء من الفخر: «خلصت.»
ابتسم الأب وقال: «شفت؟»
لم يفهم حسون سبب ابتسامته.
فقال الأب: «مش كل مرة لازم تلاقي حدا يشيل عنك الحمل يا حسون. أحيانًا الحياة بتجبرك تدور على الحل بنفسك عشان تكبر.»
جلس حسون أمامه، ثم قال: «بس الواحد بفكر إنه إذا أهله موجودين حواليه، لازم يوقفوا معه.»
نظر إليه أبوه طويلًا، ثم قال: «أهلك ممكن يقفوا معك، وأنا أول واحد بوقف معك، بس مش معنى هذا إن كل مشكلة بتواجهك بالدنيا لازم يحلها غيرك.»
سكت حسون.
ثم أكمل أبوه: «وبعدين يا ابني، لا تخلط بين اللي ما قدر يساعدك لأن الظروف كانت أقوى منه، وبين اللي ما بده يساعدك من الأساس. في فرق كبير بين العجز والخذلان.»
بقيت الجملة في رأس حسون.
فكر في الأشخاص الذين اتصل بهم. بعضهم ربما حاصرته الظروف فعلًا ولم يستطع مساعدته، وبعضهم ربما لم يرغب في ذلك، وهو في النهاية لا يملك أن يعرف ما في قلوبهم.
ولأول مرة، شعر أن الحكم على الناس ليس سهلًا كما كان يتخيل.
في اليوم التالي، وبينما كان حسون يجلس في ديوان العائلة مع بعض أقاربه، دار الحديث عما حدث. التفت إليه أحدهم وقال بنبرة فيها شيء من العتاب: «يا زلمة، ليش ما حكيتلي؟ أنا كنت ساعدتك وخلصتلك الموضوع.»
نظر حسون إليه للحظة.
كان قد اتصل به بالأمس، لكنه لم يرد.
لم يجبه حسون، واكتفى بهز رأسه.
لم يكن غاضبًا، لكنه بدأ يفهم أن الكلام يصبح سهلًا جدًا عندما ينتهي الموقف وتزول الشدة.
وبعد دقائق، دخل قريب آخر كان قد سمع بما حدث. لم يتحدث عن شهامته، ولم يبرر لماذا لم يتدخل من البداية، بل اقترب من حسون وقال بهدوء: «إذا احتجت أي شيء تكملة للموضوع، أنا موجود وبقدر أساعدك بأي وقت.»
نظر إليه حسون باستغراب خفيف وقال: «تسلم، خلص الموضوع.»
أجابه الرجل: «بعرف إنه خلص، بس للمرة الجاية لا تستحي تطلبني.»
كانت جملة بسيطة، لكنها بقيت في رأس حسون طويلًا.
في تلك اللحظة، بدأ يفهم شيئًا جديدًا: ليس كل من يقول «أنا معك» سيكون معك عندما تحتاجه، وليس كل من يصمت ولا يتحدث عن شهامته بعيدًا عنك. بعض الناس يكثرون من الكلام، وبعضهم يكتفون بالفعل.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت كلمة «إحنا أهل» تأخذ معنى جديدًا في حسابات حسون.
لم يعد يراها وعدًا بأن كل شخص قريب منه سيأتي ليحل مشاكله، ولم يعد يظن أن صلة الدم وحدها تكفي لصناعة السند. بدأ يفهم أن بعض الأشياء الجميلة التي نقولها تحتاج إلى مواقف حتى تصبح حقيقة.
ومع ذلك، لم يكن حسون قد وصل إلى النضج الذي يجعله يفهم الناس والحياة تمامًا. كان لا يزال شابًا، ولا يزال يحب السهر والضحك والخروج مع أصحابه، ولا يزال يظن أن أمامه وقتًا طويلًا ليتعلم كل شيء على مهل.
لكنه بدأ، ولو ببطء، يدرك أن الاعتماد على الناس شيء، وأن يجعل الإنسان حياته كلها معلقة عليهم شيء آخر.
وفي طريق عودته إلى غرفته تلك الليلة، مر بجانب أمه وهي ترتب بعض الحاجيات في الصالة. نظر إليها، فتوقف.
قال: «يمّا...»
التفتت إليه وقالت: «نعم يا حبيبي؟»
تردد قليلًا، ثم قال: «ولا إشي... بس سلامتك.»
ابتسمت ودعت له كعادتها: «الله يصلح حالك ويهديك يا حسون.»
ابتسم هو أيضًا، لكنه هذه المرة لم يهرب مباشرة إلى غرفته. جلس معها قليلًا، يتحدث عن يومه، ويستمع إلى كلامها الذي كان في السابق يمر من أمامه دون أن يتوقف عنده.
لم يكن يعرف تمامًا لماذا جلس.
ربما لأنه بدأ يستوعب أن بعض الأشخاص الذين اعتاد أن يعتبر وجودهم في حياته أمرًا مضمونًا، هم أكثر من يستحق أن ينتبه إليهم قبل أن ينشغل بمن سيقف معه ومن سيخذله.
وفي تلك الليلة، عندما استلقى حسون على سريره، تذكر كيف كان في السابق يقول «إحنا أهل» وكأنها ضمانة للحياة كلها.
أما الآن، فقد بدأ يفهم أن الإنسان لا يحتاج فقط إلى أن يعرف من هم أهله بالدم، بل يحتاج أيضًا أن يعرف من يقف معه بصدق، ومن يكتفي بالكلام.
لكن هذا الفهم لم يكن سوى بداية.
فحسون لم يكن قد واجه بعد الأشخاص الذين لا يختفون فقط عندما تحتاجهم، بل الذين يقتربون منك عندما تكون قادرًا على إعطائهم شيئًا، ويجعلونك تظن أنهم إلى جانبك، حتى يأتي اليوم الذي تحتاج فيه أنت إليهم.
وكان ذلك اليوم يقترب، دون أن يشعر حسون.