الأمس أفضل من الغدبقلم صدى القارئ فصل 1

كان يظن أن العمر طويل

7 دقائق قراءة · 1,232 كلمة

كان حسون يضحك كلما حاول أحد أن يخوّفه من المستقبل، فلم يكن يرى فيه شيئًا يستحق الخوف. كان المستقبل بالنسبة له مجرد كلمة كبيرة، يقولها الكبار عندما يريدون أن يفسدوا على الشباب فرحتهم باللحظة. وحين كان يسمع عبارات مثل: «دير بالك على حالك يا حسون، الدنيا مش دايمًا هيك»، كان يبتسم ببساطة، يرفع كتفيه، ويجيب بلا مبالاة: «لسه العمر قدامنا»، ثم يخرج من البيت وكأن الدنيا كلها تنتظره في الخارج.

كان في ذلك العمر الذي يظن فيه الإنسان أن أهله لن يتعبوا أبدًا، وأن أباه لن يكبر، وأن أمه ستبقى تنتظره عند الباب مهما تأخر، وأن البيت سيظل مفتوحًا أمامه مهما أخطأ، وأن الأصدقاء الذين يضحكون معه في منتصف الليل سيبقون إلى جانبه عندما تنطفئ كل الأشياء من حوله.

كان حسون يحب أهله، وهذه كانت الحقيقة التي لم يكن أحد يستطيع إنكارها، لكنه لم يكن يعرف كيف يُظهر ذلك الحب أو يقدّر وجودهم كما يجب. كان يحب أمه، لكنه كان يضجر من نصائحها، ويحب أباه، لكنه كان يرى أن كلامه قديم ولا يناسب هذا الزمن، ويحب إخوته، لكنه كان يتعامل معهم أحيانًا وكأن وجودهم في حياته أمر مضمون لا يحتاج إلى اهتمام. لم يكن حسون سيئًا، كان فقط طائشًا، والطيش أحيانًا أخطر من السوء؛ لأن صاحبه لا يشعر بأنه يفعل شيئًا يستحق الندم.

كان يعود إلى البيت متأخرًا، يفتح الباب بهدوء حتى لا يسمعه أحد، ثم يجد أمه مستيقظة في انتظاره. كانت تنظر إليه من بعيد دون أن تسأله أين كان، وكان يعرف أنها غاضبة، لكنه كان يعرف أيضًا أنها لن تغلق الباب في وجهه. فيقول: «ليش لسه صاحيّة؟»، فتجيبه بهدوء: «كنت بستناك». وكان يرد سريعًا، وكأنه يريد أن ينهي الحديث قبل أن يبدأ: «ما كان لازم تستنيني»، ثم يدخل غرفته.

كلمة واحدة كانت تكفي أحيانًا لتوجع قلبها، لكنه لم يكن ينتبه. كان يظن أن الأمهات لا ينكسرن، وأن الآباء لا يتعبون، وأن البيت شيء ثابت لا يتغير، مثل جدار يقف في مكانه مهما مرت عليه السنوات.

أما هو، فكان يعيش يومه كما يأتي؛ أصحابه أولًا، والسهر ثانيًا، والضحك ثالثًا، أما الغد فكان يؤمن أن له وقته، وسيأتي عندما يأتي. وكان أكثر ما يحبه في تلك الأيام أن يجلس مع أصحابه في آخر الليل، يتحدثون عن الناس، وعن المال، وعن السيارات، وعن الذين أصبحوا أغنياء، وعن الذين سافروا، وعن الذين كانوا يعتقدون أنهم فهموا الحياة.

كان حسون يسمعهم ويضحك. وأحيانًا كان أحدهم يقول: «يا رجل، لازم الواحد يعرف من وين تؤكل الكتف»، فيضحك حسون ويجيبه: «إحنا لسه صغار». فيضحكون جميعًا، ثم ينتقلون إلى حديث آخر، دون أن يدركوا أن بعض الجمل التي تُقال في لحظة ضحك قد تتحول بعد سنوات إلى أشياء ثقيلة يتمنى الإنسان لو لم يسمعها أصلًا.

لم يكن حسون يعرف أن الإنسان في شبابه يختار أصدقاءه لأنه يستمتع بصحبتهم، بينما عندما تكبر الحياة وتصبح أثقل، يبدأ الإنسان في معرفة من يستطيع الوقوف إلى جانبه عندما لا يكون هناك شيء ممتع في الوقوف.

كان حسون يرى بعض الناس حوله يعيشون بالطريقة نفسها؛ يشترون ما يريدون، ويسهرون متى يشاؤون، ويتحدثون بثقة، ويضحكون بصوت عالٍ. وكان يعتقد أنهم يعرفون الحياة أكثر منه، وأنهم سبقوه إليها بخطوات. لم يكن يعرف أنهم، مثله، كانوا لا يزالون يتعلمون، وأن بعض الناس يجيدون إخفاء خوفهم أكثر من غيرهم.

وفي إحدى الليالي، عاد حسون إلى البيت بعد منتصف الليل. كانت الأضواء مطفأة، والبيت هادئًا بشكل جعله يشعر أن الجميع نائمون. دخل غرفته، وقبل أن يغلق الباب سمع صوت أبيه يناديه: «حسون».

توقف مكانه.

قال: «نعم؟»

أجابه أبوه: «تعال شوي.»

تنهد حسون، ثم ذهب إليه. وجد أباه جالسًا وحده في الغرفة. نظر إليه طويلًا، ثم قال بهدوء: «إلى متى؟»

لم يفهم حسون قصده.

قال: «إلى متى شو؟»

أجابه أبوه: «إلى متى رح تظل عايش كأن الدنيا ما إلها بكرة؟»

لم يعجب السؤال حسون، فقال: «شو يعني؟ أنا شو عامل؟»

سكت أبوه قليلًا، ثم قال: «ولا إشي… وهذا اللي بخوف. يا ابني، الواحد مش بخاف من غلطة يعملها وهو صغير، بخاف من الأيام اللي تمر وهو مفكر إنه لسه عنده وقت.»

بقي حسون واقفًا أمامه. سمع الكلام، لكنه لم يكن مستعدًا لفهمه. فقال هاربًا من الحديث: «إن شاء الله بعدين.»

هز أبوه رأسه، ولم يقل شيئًا آخر.

خرج حسون من الغرفة وهو يشعر أن الحديث انتهى، لكنه لم يكن يعرف أن بعض الأحاديث لا تنتهي عندما يغادر الإنسان المكان. تبقى معه، تختبئ في زاوية من ذاكرته، ثم تعود إليه في يوم آخر، عندما يصبح مستعدًا لفهمها.

في تلك الفترة، كان حسون يظن أن الناس عائلة واحدة، وليس أهله فقط، بل حتى أقاربه. كان إذا جلس بينهم يشعر بالأمان، وإذا احتاج أحدهم شيئًا مد يده دون تردد، وإذا احتاج هو شيئًا، كان يتوقع أن يجد الأيدي نفسها ممدودة إليه. كان يقول دائمًا بثقة: «إحنا أهل»، وكان يؤمن بهذه الكلمة من قلبه.

ولهذا، ربما كانت الأيام تستعد لتعليمه أن كلمة واحدة قد تحمل معاني مختلفة عند الناس.

مرت الأيام، وكبر حسون قليلًا، لكن نظرته إلى الحياة بقيت كما هي. كان لا يزال يظن أن الوقت واسع، وأن الأمور ستُحل بطريقة أو بأخرى. ثم جاء أول موقف جعله يتوقف قليلًا.

احتاج حسون إلى مساعدة، ولم يكن يطلب شيئًا كبيرًا أو مستحيلًا. كان يحتاج فقط إلى شخص يقف بجانبه. اتصل بأحد أقاربه، بشخص كان يظنه قريبًا منه بما يكفي ليقول له ما يحتاجه دون تردد.

رن الهاتف مرة، ثم مرتين، ثم ثلاثًا، حتى جاءه الرد.

شرح حسون حاجته، وانتظر الإجابة.

سكت الرجل قليلًا، ثم قال: «والله يا حسون، لو بإيدي ما بقصر.»

انتهت المكالمة.

جلس حسون وهو ينظر إلى شاشة هاتفه. لم يغضب، ولم يشتم، ولم يقل شيئًا. فقط شعر بشيء غريب في داخله، شيء يشبه الخيبة، لكنه لم يكن يعرف اسمه بعد.

قال لنفسه: «يمكن فعلًا ما قدر.»

وأعطاه عذرًا.

وبعد فترة، احتاج إلى شخص آخر، فوجد عذرًا جديدًا. ثم حدث موقف ثالث، فوجد عذرًا ثالثًا.

لم يكن يريد أن يصدق أن الصورة التي رسمها للناس في رأسه ربما لم تكن صحيحة.

في البداية قال إنها صدفة.

ثم قال إنها ظروف.

ثم قال إن لكل إنسان مشاكله التي لا يعرفها.

لكن مع مرور الوقت، بدأ يلاحظ شيئًا لم يكن يريد أن يلاحظه؛ فبعض الذين كانوا يقولون له دائمًا: «إحنا معك»، كانوا موجودين عندما تكون الأمور سهلة، لكن عندما احتاج إليهم فعلًا، أصبح لكل واحد منهم عذر.

لم يكن يعرف ماذا يفعل بهذه الحقيقة الجديدة.

سأل نفسه لأول مرة: «معقول أنا كنت فاهم الناس غلط؟»

ولأول مرة، لم يجد جوابًا يريحه.

كان حسون قد عاش سنوات وهو يعتقد أن القريب أقرب من الغريب، وأن الدم وحده يكفي ليجعل الناس يقفون إلى جانب بعضهم. لكن الحياة لم تكن بهذه البساطة التي تخيلها.

ومع ذلك، لم يكن حسون مستعدًا بعد ليحكم على أحد.

كان لا يزال يضحك، ولا يزال يسهر، ولا يزال يخرج مع أصحابه، ولا يزال عندما يسأله أحد: «كيف الدنيا معك؟» يجيب ببساطة: «تمام».

لكن شيئًا صغيرًا بدأ يتغير داخله.

لم يكن تغييرًا واضحًا، ولا تحولًا كبيرًا يمكن للآخرين ملاحظته، بل كان مجرد سؤال بدأ يكبر في رأسه كلما مرّ بموقف جديد.

وفي ليلة هادئة، جلس حسون وحده، وأشعل سيجارة، ثم نظر إلى الشارع الفارغ أمامه. تذكر كلام أبيه: «الواحد بخاف من الأيام اللي تمر وهو مفكر إنه لسه عنده وقت.»

ابتسم وقال لنفسه: «لسه بدري.»

ثم رفع عينيه نحو السماء، ولم يكن يعرف أن الحياة بدأت بالفعل تعدّ له أيامها، وأن بعض الدروس لا تأتي على شكل نصيحة، بل تأتي على شكل موقف، ثم موقف آخر، حتى يجد الإنسان نفسه أمام حقيقة لم يكن يريد رؤيتها.

كان حسون يظن أن لديه وقتًا طويلًا.

وكان يظن أن الناس سيبقون كما عرفهم.

وكان يظن أن البيت سيبقى كما هو.

لكنه لم يكن يعرف أن بعض الأشياء لا تتغير فجأة؛ تتغير بصمت، بينما نحن منشغلون عنها.

وفي تلك الليلة، قبل أن ينام، قال حسون الجملة التي اعتاد أن يرددها:

«مبارح أحسن من اليوم… واليوم أحسن من بكرة.»

ثم أطفأ الضوء وأغمض عينيه.

ولم يكن يعرف أن الأيام القادمة ستجعله ينظر إلى تلك الجملة بطريقة مختلفة تمامًا.

وأن الشاب الذي كان يظن أن العمر طويل، سيأتي عليه يوم يتمنى فيه لو يستطيع العودة إلى ليلة واحدة من تلك الليالي، إلى أمه وهي تنتظره، وإلى أبيه وهو يحذّره، وإلى نفسه قبل أن يعرف أن الحياة لا تعطي كل ما نحب فرصة ثانية.

وكانت تلك… مجرد البداية.