اي قلب تحمل?¿?بقلم صدى القارئ فصل 2

القلب الحاقد

6 دقائق قراءة · 1,090 كلمة

لم يكن مازن ينسى شيئًا بسهولة، خصوصًا الأشياء التي آلمته. كان يستطيع أن يتذكر كلمة قيلت له قبل سنوات، وموقفًا حدث في مكان لم يعد يزوره، ووجه شخص ظن يومًا أنه يعرفه جيدًا ثم اكتشف أنه كان مخطئًا. لم يكن يرى في ذاكرته مجرد ماضٍ مضى، بل كان يحملها معه أينما ذهب، وكأن بعض الجراح لا تحتاج إلى دماء حتى تبقى مفتوحة.

بدأت قصته قبل سبع سنوات، عندما كان يعمل في شركة صغيرة إلى جانب صديقه القديم حسام. كان مازن يثق بحسام ثقة كبيرة، وكان يعتبره أقرب الناس إليه. كانا يتشاركان تفاصيل العمل، ويتحدثان عن أحلامهما، ويقف أحدهما إلى جانب الآخر عندما تضيق الظروف. لذلك لم يتوقع مازن أن يأتي يوم يشعر فيه أن الشخص الذي وثق به كان أول من طعنه.

في ذلك الوقت، كان مازن قد ادخر مبلغًا من المال ليفتح متجرًا صغيرًا. كان المشروع بسيطًا، لكنه كان بالنسبة إليه بداية حياة جديدة. تحدث مع حسام عن الفكرة كثيرًا، وكان حسام يعرف كل تفاصيلها، من المبلغ الذي جمعه إلى المكان الذي أراد استئجاره.

وفي أحد الأيام، وجد مازن المحل الذي يناسبه تمامًا. ذهب ليتفق مع صاحبه، لكنه احتاج إلى بضعة أيام حتى يكمل المبلغ المطلوب. أخبر حسام بكل شيء، ثم عاد إلى عمله وهو يشعر أن حلمه أصبح قريبًا.

بعد يومين فقط، ذهب مازن إلى صاحب المحل لإتمام الاتفاق، لكنه فوجئ بأن المكان أصبح مؤجرًا لشخص آخر.

سأل باستغراب: «لمن؟»

ذكر صاحب المحل اسمًا يعرفه جيدًا.

كان حسام.

وقف مازن للحظات دون أن يعرف ماذا يقول. عاد إلى الشركة، وانتظر حتى نهاية الدوام، ثم واجه حسام.

قال له: «لماذا فعلت هذا؟»

لم ينكر حسام أنه استأجر المحل، لكنه حاول أن يبرر الأمر بأنه لم يكن يعلم أن مازن حسم قراره، وأنه وجد فرصة مناسبة فاستغلها.

لم يقتنع مازن.

بالنسبة إليه، لم يكن الأمر مجرد محل. كان حلمًا أخبر به أقرب شخص إليه، ثم وجده في يد الشخص نفسه.

قال له يومها: «كنت تستطيع أن تخبرني.»

أجابه حسام: «لو أخبرتك، ربما كنت ستمنعني، وأنا كنت بحاجة إلى الفرصة.»

كانت تلك الجملة هي التي بقيت في ذاكرة مازن أكثر من أي شيء آخر.

لم يتشاجرا، ولم يرفع أحدهما صوته، لكن صداقتهما انتهت في ذلك اليوم.

بعد أشهر، بدأ حسام عمله في المحل، ونجح مشروعه. أما مازن، فاحتاج وقتًا طويلًا حتى يجد مكانًا آخر، لكنه لم يعد ينظر إلى الأمر على أنه خسارة مشروع فقط. كان يشعر أن شيئًا في داخله انكسر، وأن الثقة التي منحها لشخص آخر أصبحت سببًا في ألمه.

مرت السنوات، وتغيرت حياة الاثنين.

تزوج حسام، وكبر مشروعه، وأصبح لديه أكثر من محل. أما مازن فبقي يعمل في وظيفة جيدة، لكنه لم يعد يسمح لأحد بالاقتراب منه بسهولة. كلما تعرف إلى شخص جديد، وضع بينه وبينه مسافة. وكلما حدث خلاف بسيط، كان عقله يعود إلى الماضي ويقول له: «لا تثق بأحد.»

كان يعتقد أنه يحمي نفسه.

لكنه لم ينتبه إلى أنه كان يعاقب أشخاصًا لم يؤذوه بسبب خطأ شخص واحد.

في إحدى الأمسيات، جلس مازن مع أخته مريم في منزل العائلة. كانت تعرف قصة حسام، لكنها لم تكن تتحدث عنها كثيرًا.

قالت له: «إلى متى ستبقى غاضبًا منه؟»

رفع عينيه وقال: «أنا لست غاضبًا.»

ابتسمت مريم وقالت: «لو لم تكن غاضبًا، لما عرفتِ كم سنة مرت على الموضوع.»

صمت مازن.

كانت محقة.

لقد مضت سبع سنوات، ومع ذلك كان يستطيع أن يروي تفاصيل ذلك اليوم وكأنه حدث بالأمس.

قالت مريم: «أنت لا تحتاج أن تنسى ما فعله، لكنك تحتاج أن تتوقف عن العيش داخله.»

رد مازن بحدة: «هو لم يخسر شيئًا، أنا الذي خسرت.»

قالت بهدوء: «ربما، لكنك منذ سبع سنوات تدفع ثمن شيء فعله هو.»

لم يجد مازن جوابًا.

في تلك الليلة، عاد إلى منزله وهو يفكر في كلام أخته. حاول أن يشغل نفسه، فتح التلفاز، ثم أغلقه. أمسك هاتفه، تصفح الأخبار، ثم وضعه جانبًا. لكنه لم يستطع التخلص من سؤال واحد:

كم شيئًا خسرته بسبب شخص واحد؟

في الأيام التالية بدأ يلاحظ أشياء لم يكن ينتبه إليها من قبل. كان يرفض فرصًا جيدة لأنه يخشى أن يعتمد على أحد. وكان يفسر بعض تصرفات الناس بطريقة سلبية قبل أن يتأكد من نواياهم. حتى علاقته بأخته أصبحت تتأثر أحيانًا، لأنها كانت تقول له إنه أصبح سريع الغضب وصعب المراس.

لم يكن مازن يريد أن يصبح هكذا.

لكنه لم يعرف كيف يعود إلى نفسه القديمة.

بعد أسابيع، تلقى اتصالًا من شخص لم يتوقع أن يسمع منه مرة أخرى.

كان حسام.

نظر مازن إلى الهاتف طويلًا قبل أن يجيب.

قال حسام: «أريد أن أراك.»

تردد مازن، ثم وافق.

التقيا في مقهى هادئ بعيدًا عن أماكنهما المعتادة. جلس حسام أمامه، وبدا عليه التردد.

قال: «أعرف أن ما حدث بيننا قديم، لكنني فكرت فيه كثيرًا.»

لم يرد مازن.

تابع حسام: «كنت مخطئًا. لم أكن أملك الحق في أن أفعل ما فعلته بالطريقة التي فعلت بها. كنت أفكر في مصلحتي فقط، ولم أفكر في أنك كنت تعتبرني صديقًا.»

ظل مازن صامتًا.

كان ينتظر أن يشعر بالراحة بعد سماع الاعتذار، لكنه اكتشف أن داخله لم يتغير.

قال حسام: «أنا لا أطلب منك أن تنسى، ولا أتوقع أن تعود علاقتنا كما كانت. فقط أردت أن أقول لك إنني آسف.»

رفع مازن عينيه إليه وقال: «هل تعرف ماذا فعلت بي؟»

قال حسام: «أعرف أنني آذيتك.»

هز مازن رأسه وقال: «لا. أنت آذيتني وقتها، لكنني أنا من واصل إيذاء نفسي بعدها.»

تفاجأ حسام من كلامه.

أكمل مازن: «سبع سنوات وأنا أحمل هذا الشيء معي. كلما وثقت بأحد تذكرتك. كلما اقترب مني شخص ابتعدت. كنت أقول إنني أحمي نفسي، لكنني في الحقيقة كنت أعاقب الناس على شيء لم يفعلوه.»

ساد الصمت بينهما.

لم يكن مازن قد خطط لقول ذلك، لكنه عندما نطق الكلمات شعر لأول مرة أن شيئًا ثقيلًا بدأ يتحرك من داخله.

قال حسام: «ماذا تريد مني؟»

نظر إليه مازن للحظات، ثم قال: «لا أريد منك شيئًا.»

ثم سكت قليلًا وأضاف: «أريد فقط أن أخرج من هذا المكان الذي بقيت فيه سبع سنوات.»

لم يفهم حسام ما يقصده، لكن مازن فهم.

لم يكن يريد استعادة الصداقة.

ولم يكن يريد الانتقام.

كان يريد أن يعيش دون أن يكون أسيرًا لما حدث.

عندما عاد إلى منزله، جلس وحده في غرفة هادئة. فتح هاتفه، ثم نظر إلى صور قديمة كانت تجمعه بأصدقاء وأفراد من عائلته. اكتشف أن بعض أجمل السنوات مرت عليه وهو منشغل بالغضب من موقف واحد.

في تلك اللحظة أدرك شيئًا لم يكن يريد الاعتراف به:

الحقد لا يحفظ حق الإنسان.

الحقد يسرق منه الحاضر.

لم يستطع مازن أن يغير الماضي، ولم يستطع أن يجعل حسام يتصرف بطريقة مختلفة في ذلك اليوم، لكنه استطاع أن يقرر ماذا سيفعل بكل السنوات القادمة.

لم يصبح مازن شخصًا آخر في ليلة واحدة، ولم يختفِ الألم بمجرد الاعتذار. لكنه بدأ يتعلم أن المسامحة ليست دائمًا عودة العلاقة كما كانت، وليست موافقة على الخطأ، وليست تنازلًا عن الكرامة.

أحيانًا تكون المسامحة قرارًا بأن تقول لنفسك:

لقد حدث ما حدث، ولن أسمح له بأن يسرق مني بقية حياتي.

ومنذ ذلك اليوم، كلما عاد الموقف إلى ذاكرته، لم يعد يطعم غضبه كما كان يفعل. كان يتذكر، نعم، لكنه لم يعد يعيش داخل الذكرى.

فقد فهم أخيرًا أن الإنسان يستطيع أن يحمل جرحه طوال حياته، أو يستطيع أن يتعلم كيف يضعه خلفه ويمضي.

وكان مازن قد أمضى سبع سنوات يحمل الجرح.

أما الآن، فقد قرر أن يحمل حياته.

فالحقد لا يعاقب من آذاك بقدر ما يعاقبك أنت، وكل يوم تقضيه أسيرًا لغضبك هو يوم تمنحه لمن جرحك دون أن يدفع ثمنًا واحدًا.