اي قلب تحمل?¿?بقلم صدى القارئ فصل 1

القلب الطيب

7 دقائق قراءة · 1,297 كلمة

لم يكن سليم يعرف أن طيبة القلب يمكن أن تكون نعمة في يوم، ودرسًا قاسيًا في يوم آخر. كان يعيش ببساطة، يمد يده لمن يحتاجها، ويجد صعوبة في أن يقول «لا» لشخص طلب منه معروفًا، حتى عندما يكون الأمر على حساب وقته أو راحته. لم يكن يفكر كثيرًا فيما سيحصل عليه مقابل ما يقدمه، وكان يعتقد أن الإنسان لا يخسر حين يفعل الخير، حتى لو لم يجد من يشكره عليه.

في الحي الذي عاش فيه، عرفه الناس بهذه الصفة. إذا تعطلت سيارة أحدهم، كان أول من يُتصل به. وإذا احتاج جار إلى مساعدة في حمل شيء ثقيل، وجد سليم نفسه أمام بابه قبل أن يطلب منه ذلك. وإذا ضاقت الدنيا بأحدهم، جلس معه واستمع إليه حتى ينتهي من الكلام، دون أن ينظر إلى ساعته أو يبحث عن عذر لينصرف. كان بعض الناس يحبون وجوده، وبعضهم اعتادوا عليه أكثر مما ينبغي، حتى أصبح خيره عندهم شيئًا مضمونًا لا يحتاج إلى تقدير.

كان سليم يعمل في متجر صغير للأدوات المنزلية في طرف المدينة. لم يكن العمل الذي يحلم به، لكنه كان راضيًا عنه؛ فالراتب يكفيه، والعمل مستقر، وصاحب المتجر يثق به. وكان سليم من النوع الذي ينهي عمله ثم يعود إلى منزله بهدوء، يقضي بعض الوقت مع والدته، ويتناول عشاءه، ثم يجلس قليلًا قبل أن ينام.

في أحد الأيام، وقبل انتهاء ساعات العمل بقليل، دخل إليه صديقه سامر. كان سامر يعرف جيدًا أن سليم لا يرفض طلبًا بسهولة، ولذلك لم يأتِ إليه هذه المرة ليجلس معه أو يسأل عن أحواله.

قال سامر وهو يقف أمامه: «سليم، أريد منك معروفًا، ولن أنساه لك.»

رفع سليم رأسه عن الأوراق التي كان يرتبها، وقال بابتسامة هادئة: «قل ما عندك.»

أخبره سامر أنه يمر بضائقة مالية مؤقتة، وأن عليه دفع مبلغ خلال أيام قليلة، وأنه لا يستطيع تدبيره في الوقت الحالي. طلب منه أن يقرضه المال، ووعده بأنه سيعيده بعد شهر، وربما قبل ذلك.

لم يسأله سليم كثيرًا عن التفاصيل. كان يعرف سامر منذ سنوات، ولم يخطر في باله أن يشك في كلامه. فتح هاتفه، نظر إلى حسابه، ثم قال: «أستطيع مساعدتك بجزء من المبلغ.»

صمت سامر لحظة، ثم قال: «كنت أعرف أنك لن تتركني.»

كانت الجملة كافية ليشعر سليم بالراحة. أرسل له المال، ووضع هاتفه في جيبه، ثم عاد إلى عمله وكأن شيئًا لم يحدث.

مر الشهر، ثم الشهر الذي بعده، ولم يعد المال.

في البداية لم يطلبه سليم. قال لنفسه إن سامر ربما يمر بظرف أصعب مما أخبره به، وإن الصداقة لا تُقاس بالمال. وبعد أسابيع أخرى، أرسل إليه رسالة بسيطة يسأله فيها عن أحواله.

قرأ سامر الرسالة ولم يرد.

انتظر سليم يومًا، ثم يومين، ثم اتصل به. لم يجب.

لم يغضب في البداية، لكنه شعر بشيء ثقيل يستقر في صدره. لم يكن المبلغ وحده هو ما أزعجه، بل الطريقة التي تغير بها كل شيء بعد أن حصل سامر على ما يريد. ومع ذلك، وجد له الأعذار مرة أخرى.

قال في نفسه: «ربما لديه مشكلة، وربما لا يستطيع مواجهتي.»

مرت أيام أخرى، ثم التقى سليم به صدفة أمام أحد المحال. كان سامر برفقة مجموعة من أصدقائه، يضحكون ويتحدثون. وما إن رأى سليم حتى تغيرت ملامحه للحظة، ثم اقترب منه وكأنه لم يحدث شيء.

قال سليم بهدوء: «كيف حالك؟ حاولت الاتصال بك.»

رد سامر: «كنت مشغولًا، والله.»

ثم أضاف بعد صمت قصير: «وبالنسبة للمال، لا تقلق. سأدبره قريبًا.»

ابتسم سليم وقال: «خذ وقتك، المهم أن تكون بخير.»

مضى سامر في طريقه، وبقي سليم واقفًا مكانه للحظات. لم يفهم لماذا شعر بالضيق رغم أنه لم يطلب شيئًا في تلك اللحظة. كان داخله صوت صغير يقول له إن هناك شيئًا ليس على ما يرام، لكنه اختار أن يسكت ذلك الصوت.

في مساء اليوم نفسه، اتصلت به أخته وأخبرته أن زوجها يحتاج إلى مبلغ من المال لإصلاح سيارته التي يعتمد عليها في عمله. لم يكن سليم يملك المبلغ كاملًا، لكنه وعدها أن يساعد بما يستطيع.

بعد أن أغلق الهاتف، فتح حسابه من جديد، وحسب ما تبقى معه. لم يكن المبلغ كبيرًا، وكان يعرف أنه يحتاج إلى بعض المال خلال الأيام المقبلة، لكنه قال لنفسه: «سأدبر أمري.»

لم يكن يعرف أن هذه الجملة أصبحت عادة في حياته.

كان دائمًا يدبر أمره بعد أن يدبر أمور الآخرين.

مر الوقت، وبدأت طلبات الناس تزداد. أحدهم يريد منه أن يتوسط له في عمل، وآخر يطلب منه أن يسد عنه دينًا صغيرًا، وثالث يريد منه أن يوصله إلى مكان بعيد لأنه لا يملك سيارة. كان سليم يساعد الجميع تقريبًا، حتى أولئك الذين لم يكونوا يسألون عن حاله إلا عندما يحتاجون إليه.

وذات مساء، عاد إلى المنزل متعبًا أكثر من المعتاد. جلست والدته أمامه، ونظرت إلى وجهه طويلًا قبل أن تقول: «أنت متعب يا سليم.»

ابتسم وقال: «قليلًا فقط.»

قالت: «أنت لا تعرف كيف ترفض.»

ضحك سليم محاولًا تغيير الموضوع: «وماذا أفعل؟ أترك الناس عندما يحتاجونني؟»

نظرت إليه والدته بحنان وقالت: «مساعدة الناس شيء جميل، يا بني، لكن لا تجعل طيبة قلبك بابًا يدخل منه كل من يريد أن يؤذيك.»

لم يجبها.

بقيت كلماتها في ذهنه تلك الليلة أكثر مما توقع.

بعد أيام قليلة، حدث ما لم يكن ينتظره. احتاج سليم إلى مبلغ من المال بسبب أمر طارئ في المنزل. لم يكن معه ما يكفي، فبدأ يتصل بالأشخاص الذين وقف إلى جانبهم في أوقات سابقة.

اتصل بأحدهم، فقال له: «والله هذه الأيام أنا مضغوط.»

واتصل بآخر، فاعتذر منه.

أما سامر، فلم يجب على اتصالاته أصلًا.

جلس سليم في غرفته والهاتف في يده، وأخذ يتأمل قائمة الأسماء أمامه. أسماء كثيرة. أشخاص ساعدهم، وقف معهم، حمل عنهم بعض أعبائهم، وقدم لهم من وقته وماله دون حساب.

ومع ذلك، عندما احتاج هو إلى شيء بسيط، لم يجد إلا الأعذار.

لأول مرة لم يشعر بالحزن فقط، بل شعر بالغضب.

قال لنفسه: «لماذا أفعل هذا دائمًا؟ لماذا أضع نفسي في آخر القائمة؟ لماذا أعتقد أن الجميع مثلي؟»

ظل صامتًا طويلًا، ثم شعر برغبة في البكاء، لكنه قاومها.

لم يكن يريد أن يعترف لنفسه بأنه انكسر.

في اليوم التالي، ذهب إلى عمله كعادته. كان أحد الزبائن ينتظر خارج المتجر، وعندما دخل بدأ يطلب منه مساعدة في اختيار بعض الأدوات. ساعده سليم، ثم حمل عنه الأغراض حتى سيارته.

وعندما عاد إلى الداخل، وجد صاحب المتجر ينظر إليه.

قال له: «أنت دائمًا تفعل أكثر مما هو مطلوب منك.»

ابتسم سليم دون أن يجيب.

ثم قال الرجل: «لكن تذكر شيئًا مهمًا... الخير لا يعني أن تسمح للناس بأن يأخذوا منك كل شيء.»

كانت الجملة شبيهة بكلام والدته، وكأن الحياة كلها تحاول أن تقول له الشيء نفسه بطريقة مختلفة.

في ذلك المساء، جاء سامر إلى المتجر.

وقف أمام سليم، وأخبره أنه يريد منه خدمة أخرى.

نظر إليه سليم بهدوء، ثم سأله: «وماذا عن المبلغ الذي أخذته مني؟»

تغير وجه سامر وقال: «قلت لك سأعيده.»

قال سليم: «مضى وقت طويل.»

بدأ سامر يبرر، ثم حاول أن يحول الحديث إلى أن سليم أصبح يهتم بالمال أكثر من الصداقة. استمع إليه سليم حتى انتهى، لكنه هذه المرة لم يشعر بالذنب.

قال بهدوء: «أنا لم أتغير، لكنني فهمت شيئًا متأخرًا.»

سأله سامر: «ماذا فهمت؟»

قال سليم: «أن مساعدة الإنسان لا تعني أن ألغي نفسي من أجل راحته.»

ساد الصمت بينهما.

ولأول مرة، قال سليم كلمة كان يجدها أصعب من أي كلمة أخرى:

«لا.»

لم يرفع صوته، ولم يغضب، ولم يهينه. قالها فقط.

«لا، لن أستطيع مساعدتك هذه المرة.»

خرج سامر من المتجر غاضبًا، بينما بقي سليم واقفًا مكانه. شعر بشيء غريب؛ لم يكن انتصارًا، ولم يكن ندمًا. كان شعورًا بالراحة.

في طريق عودته إلى المنزل، أدرك أن قلبه لم يصبح قاسيًا كما كان يخشى. ما زال يحب الخير، وما زال مستعدًا لمساعدة من يحتاج، لكنه تعلم أخيرًا أن القلب الطيب يحتاج إلى حدود تحميه.

فليس كل من يمد يده محتاجًا، وليس كل من يبتسم صديقًا، وليس كل من يطلب معروفًا يستحق أن تدفع ثمنه من راحتك.

جلس سليم في تلك الليلة إلى جانب والدته، ولم يخبرها بما حدث. نظرت إليه وابتسمت، وكأنها عرفت من وجهه أن شيئًا تغير.

قالت له: «ماذا تعلمت اليوم؟»

نظر إليها قليلًا، ثم قال:

«تعلمت أن أبقى طيبًا... لكن لا أكون ساذجًا.»

ابتسمت والدته وقالت: «وهذا هو الفرق.»

في تلك اللحظة فهم سليم أن القلب الطيب ليس القلب الذي يقول «نعم» للجميع، ولا القلب الذي يسمح للناس بالدخول إليه دون حدود. القلب الطيب هو الذي يستطيع أن يفعل الخير، دون أن يفقد كرامته، وأن يسامح، دون أن يكرر الخطأ نفسه، وأن يحب الناس، دون أن ينسى نفسه.

فالطيبة ليست ضعفًا.

لكن الطيبة بلا وعي قد تجعل صاحبها ضحية.

أما القلب الذي يعرف متى يعطي، ومتى يتراجع، ومتى يسامح، ومتى يقول «لا»... فهو قلب لم تفقده الحياة طيبته، بل علمته كيف يحافظ عليها.

وكان سليم قد تعلم الدرس أخيرًا، قبل أن تتحول طيبته إلى جرح دائم.

فليس المهم أن يكون قلبك طيبًا فقط... بل أن تعرف أي قلبٍ تحمل.