قسم الانتقام
3 دقائق قراءة · 511 كلمة
---
لم ينم رافيل تلك الليلة.
جلس على الأرض، ظهره إلى جدار متشقق، وعيناه مفتوحتان. كان ينظر إلى الظلام، لكنه لم يكن يرى شيئاً. كان يرى توماس. كان يرى اللحظة التي انفصل فيها رأسه عن جسده. كان يرى الدماء. كان يرى العينين الحمراوين.
كان يحاول أن يبكي، لكن الدموع لم تنزل. كان يحس بثقل في صدره، كأن شيئاً ما جلس عليه. كان يحس ببرودة في يديه. كان يحس... بفراغ.
في الصباح، لم يكن هناك صباح.
كان هناك فقط ضوء رمادي باهت، يتسلل من بين الشقوق. رافيل قام. تحرك. بلا هدف. بلا اتجاه. كان يمشي، لكنه لا يعرف إلى أين.
كان يفكر.
كان يفكر في طريقة للانتقام.
كان يبحث في ذهنه عن أي شيء. أي سلاح. أي فكرة. أي شيء.
لكن كل شيء كان باهتاً. كل شيء كان بعيداً. كل شيء كان... مستحيلاً.
جلس مرة أخرى. في مكان آخر. لا يعرف أين. لم يعد يهتم.
ثم... جاءت الذكرى.
---
رأى بيته.
كان بيتاً صغيراً. في مدينة صغيرة. كان فيه حديقة صغيرة، كانت أمه تعتني بها. كانت تحب الزهور. كانت تقول إن الزهور هي الأمل الوحيد الذي لا يموت.
رأى نفسه واقفاً في الصالة. كان عمره 15 سنة. كان يسمع صراخاً في الخارج. كان يسمع صوت انفجارات. كان يسمع صوت أمه وهي تناديه.
خرج.
رأى أمه.
كانت واقفة في الحديقة. كانت تنظر إلى شيء ما. كان شيئاً يلمع. كان شيئاً... سائلاً. كان ذهبياً.
كانت مادة التحول.
كانت تتسرب من أنقاض منزل مجاور. كانت تتدفق مثل نهر صغير. كانت تلمس قدمي أمه.
صرخ.
"أمي! ابتعدي!"
لكنها لم تسمعه.
نظرت إليه. ابتسمت. كانت تريد أن تقول شيئاً. لكن... جسدها بدأ يذوب.
كانت تختفي. ببطء. كانت تتحول إلى شيء آخر. إلى شيء غريب. إلى شيء مرعب.
صرخ مرة أخرى. ركض نحوها. لكنه لم يستطع أن يمسكها. كانت تذوب بين يديه.
ثم... اختفت.
لم يبقَ منها شيء. فقط قطرة من مادة التحول، تلمع على الأرض.
ثم... عاد إلى وعيه.
---
كان يبكي.
كانت الدموع تنزل على وجهه، ساخنة. كان يحس بها. كان يحس بقلبه. كان يحس... بالألم.
مسح دموعه بيده. كان يده ترتجف.
نظر إلى السماء. كانت رمادية. كانت بلا حياة.
ثم... أدرك.
المادة.
المادة هي الحل.
المادة هي التي قتلت أمه. المادة هي التي حولت البشر إلى مخلوقات. المادة هي التي جعلت العملاق... عملاقاً.
لكن المادة... هي أيضاً القوة.
إذا شربها... سيصبح قوياً. سيصبح قادراً. سيصبح... منتقماً.
قام.
حمل محفظته. كانت محفظة قديمة. جلدية. كانت فيها صورة صغيرة. صورة له ولأمه. كانت الصورة الوحيدة التي نجت.
وضع المحفظة في جيبه. ثم... اتجه باحثاً عن المادة.
---
كان يتجول لساعات. لساعات طويلة.
كان يبحث في كل مكان. في المباني المنهارة. في السيارات المحطمة. في الأنقاض. لكنه لم يجد شيئاً.
ثم... سمع صوت خطوات.
كانت خطوات سريعة. كانت تركض.
استقام. أمسك قطعة الحديد. كان مستعداً.
فجأة... تعلق شيء بقدميه.
كان طفلاً.
كان صغيراً. عمره لم يكن يزيد عن السابعة أو الثامنة. كان شعره أسود، أشعث. كان وجهه مغطى بالغبار. وكان يبكي.
بكى الطفل:
"أين أمي؟ أين أبي؟"
نظر رافيل إليه.
رأى نفسه. رأى الخوف. رأى الوحدة. رأى طفلاً... فقد كل شيء.
كان الطفل قد ركض نحوه لأنه أخيراً رأى بشراً مثله.
جلس رافيل. نظر إلى الطفل. ثم قال بصوت هادئ:
"ما اسمك يا صغير؟"
نظر الطفل إليه. بعينين واسعتين. مليئتين بالدموع. ثم قال ببراءة:
"لا أعرف."
صمت رافيل.
تذكر توماس. تذكر صديقه. تذكر كل شيء.
ثم... قال:
"من اليوم... اسمك توماس."
نظر الطفل إليه. لم يفهم. لكنه... ابتسم.
كانت أول ابتسامة يراها رافيل منذ زمن.
---
قام رافيل. أخذ الطفل بيده. ثم... مشيا معاً.
لم يكن يعرف إلى أين. لكنه كان يعرف شيئاً واحداً.
لم يكن وحيداً بعد الآن.
وفي مكان ما... كانت قطرة صغيرة تلمع. كانت تنتظر.
كانت تنتظر... رافيل.