مدينة بلا حياة
3 دقائق قراءة · 525 كلمة
---
لم تكن هناك شمس.
كان هناك ضوء رمادي باهت، يتسلل من بين سحب الدخان الكثيفة، كأنه يحاول أن يصل إلى الأرض لكنه يفشل. المدينة كانت جثة. مبانٍ منهارة، شوارع متشققة، سيارات محطمة تتكدس على الجوانب. الصمت كان مطبقاً... إلا من صوت الريح التي تمر بين الأنقاض، وكأنها تتنهد.
كان رافيل يمشي في المقدمة.
كان شاباً في الثانية والعشرين من عمره. شعره الأسود أشعث، غير مرتب، يتطاير مع الريح. ملابسه ممزقة، مغطاة بالغبار. كان يحمل حقيبة صغيرة على كتفه، وفي يده قطعة حديد... سلاحه الوحيد.
خلفه، كان توماس يسير.
كان توماس أنحف قليلاً. شعره الأسود قصير، وعيناه واسعتان، فيهما قلق دائم. كان يمسك حقيبته بكلتا يديه، كأنها الدرع الوحيد الذي يحميه.
لم يتحدثا منذ ساعة.
كان الصمت بينهما مريحاً... وغريباً. كأن الكلام لم يعد له معنى في هذا العالم.
ثم، توقف توماس.
نظر حوله. إلى المباني المنهارة. إلى الشوارع الخالية. إلى الدمار الذي لا ينتهي.
قال بصوت متعب:
"لا أستطيع أن أتخيل كم من الأشخاص عاشوا في هذا المكان من قبل."
توقف رافيل. لم يلتفت. قال بصوت هادئ:
"لا أحد يعيش هنا الآن. لا أحد."
صمت توماس. ثم قال:
"رافيل... هل تشعر بأن هناك شيئاً ما يراقبنا؟ منذ أن دخلنا هذا المكان... وأنا أشعر أن هناك شيئاً ما."
التفت رافيل. نظر إلى توماس. عيناه السوداوان كانتا جادتين، حذرتين.
"كن حذراً. لا تنسَ أن تحمل سلاحك دائماً."
أخرج توماس قطعة حديد صغيرة من حقيبته. كان يمسكها بارتجاف خفيف.
مشيا مرة أخرى.
بعد دقائق، وصلا إلى مبنى ضخم. كان منهاراً جزئياً، لكنه لا يزال يقف. بابه مفتوح، والظلام يملأه. كأن المبنى ينتظرهم.
توقف رافيل. نظر إلى الداخل. الظلام كان كثيفاً. لم يكن هناك صوت.
قال توماس:
"هل ندخل؟"
صمت رافيل لحظة. ثم قال:
"نعم. لكن... ابقَ خلفي."
دخلا.
---
في الداخل، كان الظلام أعمق. الضوء الرمادي بالكاد يصل. الجدران متشققة، والأرض مليئة بالحطام. سمعا صوت قطرات ماء تنزل من السقف. قطرة... قطرة... قطرة.
جلسا في زاوية. كانا متعبين. كانا يحتاجان إلى لحظة راحة.
أخرج رافيل قطعة خبز يابسة من حقيبته. قسمها نصفين. أعطى نصفاً لتوماس.
أكلا بصمت.
ثم، سُمع صوت.
كان صوتاً غريباً. شيئاً ما يزحف.
استقام رافيل واقفاً. توماس تجمد مكانه.
الصوت اقترب.
من بين الظلال، ظهرت حشرة... لكنها لم تكن حشرة عادية. كانت أكبر من أي حشرة رآها رافيل في حياته. جسمها كان مشوهاً، وكأنه كان بشراً ثم تحول إلى شيء آخر.
توماس صرخ:
"رافيل!"
أمسك رافيل قطعة الحديد. الحشرة هجمت. تحرك رافيل بسرعة. ضرب بكل قوته. مرة. مرتين. ثلاث.
الدماء تناثرت في كل مكان. الحشرة سقطت... لكن رافيل لم يشعر بالراحة.
فجأة، سُمع صوت آخر. صوت أعمق. أثقل.
اهتز المبنى.
ثم... ارتفع السقف.
شيء ما كان يقف هناك. شيء ضخم. شيء مرعب.
كان عملاقاً.
كان ضخماً، جسده مليء بالعضلات، جلده رمادي متشقق مثل الحجر. لكن ما جعل رافيل يتجمد في مكانه... كانت عيناه. كانتا حمراوين. تتوهجان.
توماس همس:
"رافيل... هذا... هذا صديق الحشرة."
زأر العملاق. صوت كان يهز الأرض.
هرب الاثنان. ركضا بأقصى سرعة. لكن العملاق كان أسرع.
تعثر توماس. سقط على الأرض.
توقف رافيل. التفت. حاول أن يساعده. لكن العملاق كان هناك. أمسك توماس.
صرخ توماس:
"اهرب يا رافيل! لا تدعه يمسكك أنت أيضاً!"
تجمد رافيل. عيناه اتسعتا.
ثم... فصل العملاق رأس توماس عن جسده.
الدماء تناثرت. الجسد سقط.
ورافيل... كان يشاهد.
لحظة صمت. لحظة أبدية.
ثم... هرب رافيل. دموعه تملأ عينيه. لكنه لم يلتفت. لم يستطع.
---
بعد مدة من المطاردة، نجح رافيل في الهروب. اختفى أثر العملاق.
جلس وحيداً. على الأرض. في مكان ما. لا يعرف أين.
كان يحاول أن يستوعب ما حدث. لكنه لم يستطع. كلما أغلق عينيه، رأى توماس. رأى الدماء. رأى العينين الحمراوين.
ثم... غضب. غضب قوي. غضب لم يشعر به من قبل.
قبض يديه. نظر إلى السماء.
قال بصوت مرتجف:
"أقسم... أنني سأنتقم. مهما كلف الثمن."