داخلَ الزنزانة
دقيقة واحدة قراءة · 165 كلمة
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بكثير، لكن في غرفتي، لم يكن للوقت معنى. الصمت هنا ليس هدوءاً، بل هو ضجيجٌ خفيّ ينبعث من مراوح الأجهزة التي لا تهدأ، وكأنها أنفاس وحشٍ إلكتروني يبتلع عمري دقيقة وراء أخرى. جلستُ في مكاني المعتاد، وظهري منحني أمام الشاشات التي كانت تبث أضواءً زرقاء باردة، تنعكس على ملامح وجهي الشاحب كأنها قضبان سجنٍ غير مرئي. كنتُ أظنني "أقضي" وقتي، ولم أكن أدرك في غمرة اندماجي أن الوقت هو الذي كان "يقضي" عليّ؛ يفتل من دقائق الغفلة وثواني الضياع حبلاً متيناً يلتف حول عنق روحي ببطءٍ مرعب، يُحكم الخناق على أنفاسي دون أن أشعر بألم الاختناق إلا حين يفوت الأوان. التفتُّ حولي في تلك المساحة الضيقة، فرأيتُ معدات ألعابي، وسماعاتي الضخمة التي كانت تعزلني عن نداءات الواقع، وهاتفي الذي لا يهدأ نبضه بالإشعارات التافهة.. لم تعد هذه الأشياء في نظري مجرد أدوات للتسلية، بل غدت "أغلالاً" صهرتها بيديّ على مدار سنوات من التأجيل. كنتُ أنا السجين، وأنا السجان، وأنا من أصدر حكم الإعدام بحق قلبه في لحظة طيشٍ مدمرة.