عهد ميرافالبقلم لُہجہيہن 🥀?🇱🇾? فصل 1

الغسق الذي لا ينتهي

5 دقائق قراءة · 846 كلمة

الفصل الأوّل

الغسق الذي لا ينتهي

لم يكن الهواء كما اعتاده.

كان أثقل… أبطأ… كأنّه يمرّ عبر طبقاتٍ خفيّة قبل أن يبلغ صدره.

فتح رائد عينيه على مهل، ونهض مستندًا إلى كفّيه، وقلبه يخفق بإيقاعٍ عسكريٍّ مألوف يحاول أن يُقنعه بأن ما يحدث مجرّد صدمةٍ عابرة.

غير أنّ الأرض التي تحت قدميه لم تكن أرض منزله.

كانت حجارةً داكنة، ملساء، تميل إلى الأرجوان كأنّها ارتوت ليلًا طويلًا ولم تجفّ بعد.

رفع بصره… فتجمّد.

أمامَه ارتفعت أسوار شاهقة، منحوتة من صخرٍ واحد، لا فواصل بين حجارته، ولا أثر ليدِ بنّاء.

بوابةٌ عظيمة تتوسّط السور، تعلوها دائرةٌ منقوشة.

خطّان يتقاطعان في قلبها، وفي نقطة التقاطع حجرٌ صغير يشعّ خفوتًا بنفسجيًّا يكاد لا يُرى.

ابتلع ريقه.

لم يكن هذا مكانًا يعرفه.

ولا مدينةً رآها في خريطة.

التفت حوله، باحثًا عن طريقٍ أو أثرٍ يدلّه على كيفيّة وصوله.

لكن خلفه لم يكن سوى صحراء رماديّة ساكنة، لا آثار أقدام فيها… ولا ظلّ لخطوةٍ سابقة.

عاد بنظره إلى السماء.

لم يرَ شمسًا.

ولم يجد قمرًا.

كانت السماء بلونٍ معلقٍ بين الغسق والليل، لا يتغيّر، لا يتحرّك، كأنّ الزمن توقّف عند لحظةٍ واحدة ورفض أن يتقدّم.

دفع البوابة بيده.

لم تصدر صريرًا.

بل انفرجت بصمتٍ ثقيل.

دخل.

وكان الصمت في الداخل أعمق.

طرقاتٌ حجرية متعرّجة، أبنية مرتفعة بنوافذ ضيّقة طويلة، مصابيح زيتٍ معلّقة على الجدران، تبعث نورًا ذهبيًّا خافتًا لا يقاوم الظلّ… بل يتعايش معه.

مرّ رجالٌ بثيابٍ طويلة داكنة، وأحزمةٍ جلدية عريضة.

نساءٌ بأثوابٍ متعددة الطبقات، أكمامهنّ واسعة تنسدل بهدوء.

لا ألوان فاقعة، ولا زخارف صارخة.

كل شيءٍ هنا قديم.

ليس قديمًا مهملًا…

بل قديمًا محفوظًا، كأنّه اختار أن يبقى كذلك.

توقّف أحد المارّة ونظر إليه نظرةً طويلة.

ثم انحنى انحناءةً خفيفة، وقال بصوتٍ هادئ موزون:

“حُفظ لك دربُك، أيّها القادم.”

تجمّد رائد.

لم يسأله الرجل من يكون.

لم يستغرب ملابسه المختلفة.

لم يبدُ عليه الذعر.

كأنّ مجيئه… متوقّع.

تقدّم رائد خطوةً، محاولًا أن يتمالك صوته:

“أين أنا؟”

تبادل المارّة نظراتٍ صامتة، ثم أجابه رجلٌ مسنّ:

“أنت في ميرافال.”

نطقوا الاسم كما يُنطق عهدٌ قديم، لا مدينة.

ميرافال.

تردّد الاسم في صدره.

وبينما كان يحاول استيعاب ما يسمع، شعر بحرارةٍ خفيفة في كفّه اليمنى.

نظر إليها بسرعة.

كان أثرٌ باهتٌ قد ارتسم على جلده… دائرة، يتقاطع في قلبها خطّان.

الرمز ذاته.

رفع رأسه ببطء.

وفي أعلى البرج الدائريّ البعيد،

اشتعل الحجر الصغير في مركز الرمز… بلونٍ أرجوانيٍّ أعمق.

كأنّ المدينة…

أدركت وصوله.

وتحت سماء الغسق الذي لا ينتهي،

شعر رائد للمرّة الأولى في حياته

أنّه ليس هو من دخل المدينة…

بل هي من أغلقت عليه

لم يطل وقوفه في الساحة.

فما إن خفَت وهجُ الرمز فوق البرج، حتى انشقّ الجمعُ بهدوء، وتقدّم رجلٌ مسنّ بخطواتٍ وئيدة، يستند إلى عصًا خشبية منقوشة بالرسم ذاته.

كان طويل القامة رغم انحناءة كتفيه،

ولحيته بيضاء كثيفة، وعيناه حادتان على نحوٍ لا ينسجم مع سنّه.

توقّف أمام رائد، وتأمّله مليًّا، ثم قال بصوتٍ خفيضٍ ثابت:

“قِف، يا بنيّ. الأرضُ لم تعتد بعدُ خطوك.”

لم يفهم رائد قصده، غير أنّ الرجل مدّ يده وأعانه على النهوض كأنّه كان يراه يسقط منذ البداية.

“من أنت؟” سأل رائد بحدّةٍ لم يستطع إخفاءها.

“وأين أنا تحديدًا؟ وكيف جئت إلى هنا؟”

ابتسم المسنّ ابتسامةً قصيرة لا تبلغ عينيه.

“الأسئلة تُؤجَّل إلى حينها. أمّا الليلة… فأنت ضيفٌ عليّ.”

“ضيف؟!”

التفت رائد حوله مجدّدًا.

“أنا لا أعرف هذا المكان. لا أعرفكم. أريد تفسيرًا واضحًا.”

قال الرجل بهدوءٍ غريب:

“وستنالُه. غدًا، في مجلس الشيوخ.”

ثم أشار بعصاه إلى أحد الأزقّة الضيّقة.

“اتبعني.”

تردّد رائد لحظةً، ثم سار خلفه.

لم يكن يملك خيارًا آخر.

كان الكوخ في أطراف المدينة، قريبًا من السور الداخلي.

بناءٌ حجريّ صغير، تعلوه نافذة وحيدة ينبعث منها ضوء زيتٍ خافت.

دخل رائد بعد الرجل، فتناهى إلى أنفه عبيرُ أعشابٍ جافةٍ معلّقة في السقف.

لا أثاث حديث، لا معدن لامع، لا شيء يُشبه زمنه.

جلس الرجل المسنّ قرب الموقد، وأشار إلى وسادةٍ مقابلة.

“اجلس، يا رائد.”

تجمّد.

“كيف عرفت اسمي؟”

رفع العجوز نظره إليه، وقال ببساطة:

“لم تأتِ ميرافال بأحدٍ لا تعرفه.”

ساد صمتٌ ثقيل.

اقترب رائد خطوة، وصوته يشتدّ:

“هل أنتم من أحضرني؟ هل الكتاب فخّ؟ ماذا تريدون مني؟ ولماذا يتوهّج ذلك الرمز كلما نظرتُ إليه؟”

كان يتكلّم بسرعةٍ، كأنّه يخشى أن يفقد السيطرة إن توقّف.

أجابه الرجل بهدوء:

“أنا مُرسَل، لا صاحب أمر.

مهمّتي أن أستقبلك، وأهيّئك لما سيُقال لك غدًا.”

“إذن من يملك الأجوبة؟”

“مجلس الشيوخ.”

قبض رائد كفّيه.

“وما مهمّتي هنا؟”

نظر المسنّ إلى النار المتّقدة أمامه، وقال ببطء:

“لم تأتِ إلى ميرافال سُدى.

لكلّ قادمٍ عهد… ولكلّ عهدٍ ثمن.”

اقترب رائد أكثر، وحدّق فيه:

“أيُّ عهد؟ أنا لم أُقسم بشيء.”

رفع الرجل عصاه قليلًا، فانكشف على خشبها نقش الرمز.

“ليس كلُّ قسمٍ يُؤخذ بالكلمات.”

ساد صمتٌ أطول هذه المرّة.

جلس رائد أخيرًا، لكنّ الأسئلة لم تهدأ في رأسه.

“لماذا أنا؟”

أجاب العجوز بعد لحظة:

“لأنّ المدينة اختارتك.”

“وكيف تختار مدينةٌ رجلًا؟”

التقت عيناهما.

“كما تختار النارُ ما تلتهمه.”

شعر رائد بقشعريرةٍ تسري في ظهره، رغم دفء الموقد.

“هل يمكنني العودة؟”

خرج السؤال أخفّ ممّا أراد.

لم يُجب الرجل مباشرةً.

بل قال:

“الطريقان لا يظلان مفتوحين طويلًا.”

ثم نهض ببطء، وأشار إلى فراشٍ بسيطٍ في زاوية الكوخ.

“استرح الليلة.

غدًا، سيُرفع أمرك إلى مجلس الشيوخ.

وهناك… ستعرف لماذا جئت،

ولماذا لا يُستدعى أحدٌ إلى ميرافال عبثًا.”

تمدّد رائد، لكنّ النوم لم يأتِ.

ومن خلف جدار الكوخ،

كان يرى وهجًا أرجوانيًّا خافتًا ينبعث من قلب المدينة…

كأنّها

تسهر عليه.