حين بدأت المسافة تكبر
دقيقتان قراءة · 390 كلمة
لم ألاحظ متى تغيّر كل شيء بالضبط…
ربما لم يتغيّر فجأة، بل كان يتسلّل بهدوء، كما يتسلّل الغروب إلى نهاية النهار دون أن نشعر.
في البداية، كانت أمي ما زالت هناك كما هي. صوتها في الصباح، دعاؤها عند الباب، ونظرتها التي تتبعني حتى أختفي عن عينيها.
لكن شيئًا في داخلي بدأ يتبدّل.
صرت أستيقظ على عجل، ألبس دون أن أنتبه ليديها وهي ترتّب لي ثيابي، وأجيبها بكلمات قصيرة: “تمام… حاضر… بعدين.”
لم أكن أقصد أن أكون قاسيًا. كنت فقط أظن أنني كبرت.
وفي المدرسة، صار العالم أكبر مما توقعت. زميلات جدد، أفكار جديدة، وضجيج لا ينتهي.
كنت أعود إلى البيت بجسد متعب، لكن بعقل مشغول بأشياء كثيرة… لا تشبه الطفولة التي كنت أعيشها سابقًا.
وفي أحد الأيام، حين دخلت البيت كعادتي، نادَتني أمي:
تعالين يا ابنتي هل تعبت اليوم.
توقفت لحظة عند الباب… ثم أجبت بسرعة: “لا، عادي.”
لكنني لم أكن “عاديًا” فعلًا.
كنت غريبًا عن نفسي أكثر مما كنت أتخيل.
جلست على الهاتف، أقلبه بلا هدف، بينما كانت هي في المطبخ، تحرّك الأواني بنفس الهدوء القديم، لكن شيئًا ما في حركتها كان أبطأ قليلاً… أثقل قليلاً.
لم أنتبه.
أو ربما لم أرد أن أنتبه.
في الليل، سمعتها تناديني من بعيد: “ لا تنامين متاخره يا ابنتي ”
أجبتها دون أن أرفع رأسي: “إن شاء الله.”
لكنني لم أقلها بصدق كامل.
مرّت الأيام… وصار هذا “الإن شاء الله” يتكرر كثيرًا، ويفقد شيئًا من معناه في كل مرة.
إلى أن جاء يومٌ مختلف.
عدت فيه إلى البيت متأخره أكثر من المعتاد. البيت كان هادئًا بشكل غير مألوف. ليس فيه صوت المطبخ، ولا خطواتها السريعة بين الغرف.
ناديت: “يمّه؟”
لم يجبني أحد.
شعرت بشيء غريب في صدري، شيء لم أكن أعرفه تمامًا.
دخلت غرفة الجلوس… كانت تجلس هناك، صامتة، تضع يدها على جبينها.
اقتربت ببطء: “يمّه، فيك شي؟”
رفعت رأسها نحوي، ابتسمت تلك الابتسامة التي أعرفها جيدًا… لكنها كانت أضعف من قبل.
“بس صداع بسيط… لا تشيلين هم.
جلست بجانبها دون كلام.
ولأول مرة… لم أكن مشغولًا بهاتفي، ولا بأفكاري، ولا بالعالم الخارجي.
كنت فقط أنظر إليها.
إلى يدها التي تعبت من كثرة ما حملت، وإلى عينيها التي لم تعد كما كانت في طفولتي… لكنها ما زالت تنظر إليّ بنفس الحب.
في تلك اللحظة فقط، فهمت شيئًا لم أفهمه من قبل:
أن أمي لم تكن مجرد بداية يومي… بل كانت السبب الذي جعل أيامي كلها ممكنة.
وأن المسافة التي ظننت أنها بيني وبينها… لم تكن في البيت.
بل كانت في داخلي أنا.