بين يدي أمي"بقلم الكاتبه صــمــتـ تحت الظلال فصل 1

دفء البدايات

3 دقائق قراءة · 410 كلمة

لم تكن طفولتي مميزة كما يظن البعض،

لم يكن هناك شيء خارق يحدث كل يوم،

ولا مغامرات كبيرة تُروى…

لكن كان هناك شيء واحد فقط،

شيء بسيط…

لكنه كان يكفي ليجعل العالم مكانًا آمنًا:

أمي.

أستيقظ كل صباح على صوتها،

ليس منبهًا مزعجًا، ولا ضجيجًا عابرًا،

بل صوتًا يحمل في داخله طمأنينة غريبة،

كأن اليوم لا يمكن أن يبدأ بدونها.

“ اصحي يا ابنتي "

كانت تقولها بهدوء،

وكأنها تخاف أن تزعج أحلامي.

أفتح عيني ببطء،

وأراها أول شيء…

وجهها الذي لم أفهم يومًا لماذا كان كافيًا ليجعلني أبتسم دون سبب.

كانت تمسح على رأسي،

تعدل غطائي،

وتسألني إن كنت نمت جيدًا،

وكأن نومي كان أهم شيء في هذا العالم.

لم أكن أفكر في الأمر كثيرًا حينها،

كنت أعتبره شيئًا طبيعيًا…

كالشمس التي تشرق كل يوم دون أن نسأل لماذا.

في المطبخ،

كانت رائحة الإفطار تملأ المكان،

وأصوات الأواني تختلط بدعائها الخافت،

ذلك الدعاء الذي لم أكن أفهمه،

لكنني كنت أشعر به.

كنت أجلس على الطاولة،

وأراقبها وهي تتحرك بين الأشياء،

بسرعة،

لكن بهدوء غريب،

كأنها تعرف تمامًا ماذا تفعل…

وكأن كل شيء في هذا البيت يدور حولها دون أن نشعر.

“ كلينا زين... "

تقولها وهي تضع الطعام أمامي،

وتراقبني بنظرة لا تخطئ أي تفصيلة.

لم تكن تسمح لي بالخروج قبل أن تتأكد أنني أكلت جيدًا،

ولا قبل أن تعدل ملابسي،

ولا قبل أن تبتسم لي تلك الابتسامة التي كانت ترافقني طوال اليوم.

كنت أخرج من البيت دون أن ألتفت كثيرًا،

دون أن أفكر إن كانت تقف خلف الباب تراقبني،

أو إن كانت تدعو لي بصوت منخفض…

لم أكن أعرف…

أنها كانت تفعل ذلك كل يوم.

في المدرسة،

كنت أضحك، ألعب، أركض،

وأظن أن العالم واسع وكبير،

وأنني بدأت أفهمه.

لكنني، في كل مرة أشعر فيها بالخوف،

أو أتعثر،

أو أواجه شيئًا لا أعرف كيف أتعامل معه…

كان أول اسم يخطر في بالي:

“أمي.”

وعندما أعود إلى البيت،

كنت أركض نحوها دون وعي،

كأن قدمي تعرف الطريق وحدها.

“يمّه!”

كنت أقولها بصوت عالٍ،

فتلتفت فورًا،

وكأنها كانت تنتظرني طوال الوقت.

تفتح ذراعيها،

وأرتمي فيها دون تردد،

دون أن أفكر لماذا أفعل ذلك…

لكنني كنت أشعر بشيء واحد فقط:

أن كل شيء سيصبح بخير.

لم أكن أعرف معنى الأمان،

ولا كيف يُكتب،

ولا كيف يُوصف…

لكني كنت أعيشه كل يوم،

في أبسط اللحظات،

في تفاصيل صغيرة لم ألاحظها حينها.

كنت أعيش الحياة كما هي،

دون أن أدرك…

أن أجمل ما فيها،

لم يكن المدرسة،

ولا الزميلات ،

ولا الألعاب…

بل كان ذلك المكان الصغير،

الذي أعود إليه كل يوم،

وأجد فيه نفس الشعور،

نفس الدفء،

نفس الطمأنينة…

بين يدي أمي.