حِـصَّـةبقلم Wisal Mohamed فصل 2

أخر قبله 😞

دقيقتان قراءة · 351 كلمة

الفصل الثاني:

دخلت إلى البيت وأنا في صدمة كبيرة. لم أستوعب ما يحدث، وكأنني لم أصدق الكلمات التي سمعتها. كنت في السابعة من عمري، ولم أكن أعرف كيف أتعامل مع خبر كهذا، ولا كيف أستوعب أن أبي قد رحل.

كان أخي يبكي وهو يخبرني، وعندما رأيته بهذه الحالة شعرت بحجم المصيبة أكثر. بدأت أفهم أن الأمر لم يكن مرضًا أو شيئًا عابرًا، بل حقيقة لم أكن مستعدة لمواجهتها.

كان الوقت عصرًا، قريبًا من المغرب. بدأت الشمس تغيب، وأخذ الظلام ينزل شيئًا فشيئًا، بينما كان البيت ممتلئًا بالناس. كانت أمي وأخواتي والجيران يبكون، وكان الحزن يملأ المكان. أما أنا فجلست مصدومة، لا أعرف حتى كيف أبكي. كنت أنظر إلى ما يحدث حولي من دون أن أستوعب الحقيقة كاملة.

في صباح اليوم التالي، جاءت جاراتنا إلى بيتنا ليواسين أمي ويبقين إلى جانبها. أعددن البيض المسلوق، ولا يزال هذا التفصيل الصغير عالقًا في ذاكرتي حتى اليوم. كلما أكلت البيض المسلوق تذكّرت ذلك الصباح، وعادت إليّ صور من تلك الأيام. وأتذكر إحدى جاراتنا وهي تسرّح شعري أنا وأختيّ الأصغر مني.

بقينا ننتظر أن يُحضروا أبي إلى البيت. وبعد بضع ساعات، جاءت بعض الجارات ومعهن الورد والأرز، لينثروهما على أبي عند إحضاره في التابوت، وفقًا للتقاليد التي اعتدناها في مراسم الوداع.

لا أتذكر بدقة متى أُحضر أبي؛ أكان ذلك في الظهر أم في العصر؟ لا أستطيع الجزم، فقد كانت الأحداث تتداخل في ذاكرتي. لكنني أتذكر المشهد بوضوح.

كانت جدتي تقف عند رأس أبي، تقبّله وتبكي، وكان جدي أيضًا عند رأسه. كان أبي يرتدي قميص المستشفى، وهذا التفصيل لم أنسه أبدًا. كان هناك كثير من الناس الذين لا أعرفهم، وأمي تبكي، وقد احمرّ وجهها بشدة من كثرة البكاء.

بعد ذلك، أخرجونا من المكان وبدأوا يغسلون أبي. وقفت في الخارج أراقب ما يحدث، وكانت أمي تقف عند الباب. وبعد أن انتهوا من غسله وتكفينه، سمحوا لي بأن أقبّله.

اقتربت منه وقبّلت خده.

كانت تلك آخر قبلة أقبّلها لأبي.

أتذكّر رائحته حتى اليوم. لا أعرف إن كانت رائحة الموت أم رائحة العطر الذي كانوا يضعونه على الأموات، لكن رائحته بقيت عالقة في ذاكرتي. أتذكّر خده، وأتذكّر أنني اقتربت منه وقبّلته، من دون أن أعرف أن تلك اللحظة ستبقى معي طوال حياتي.

بعد ذلك، وضعوا أبي في التابوت وحملوه، ونثروا عليه الورد والأرز. ثم مضت مراسم الوداع والدفن، وعدنا إلى البيت.