المراة
4 دقائق قراءة · 777 كلمة
لم يكن سليم يؤمن بالأشباح، ولا بالسحر، ولا بأي شيء لا يستطيع تفسيره علميًّا.
كان يؤمن بثلاثة أشياء فقط: الطعام، والنوم، وأن آدم جبان بصورة لا تليق بشخص يمتلك ساقين.
قال آدم وهو يقف أمام بوابة الأكاديمية السوداء:
«أقترح أن نعود إلى المنزل».
التفتت إليه ليان.
«لقد قطعنا ثلاث ساعات للوصول إلى هنا!»
«أعلم، ولهذا أقترح العودة قبل أن تصبح الرحلة أربع ساعات! أنا أفكر في مصلحتنا جميعًا».
كانت الأكاديمية ترتفع أمامهم كقلعة خرجت من كابوس غريب. أبراجها ملتوية، ونوافذها طويلة كعيون تراقب الغرباء، أما البوابة الحديدية فقد كانت تصدر صريرًا مخيفًا رغم أن الريح ساكنة تمامًا.
اقتربت ميرا من البوابة، ومررت أصابعها على النقوش المحفورة فيها.
«هناك كتابة».
انحنى سليم لقراءتها.
«أهلًا بكم في أكاديمية الأشياء المستحيلة. يُمنع استخدام السحر في الممرات، ويُمنع إطعام الأشباح بعد منتصف الليل، ويُمنع إيقاظ ما ينام تحت المبنى».
صمت قليلًا، ثم أضاف:
«أخيرًا، مؤسسة تعليمية تهتم بالتغذية السليمة».
لم تضحك ليان، فقد كان بصرها مثبتًا على السطر الأخير، الذي بدا محفورًا حديثًا:
إذا سمعت صوتك يناديك من غرفة فارغة، فلا تجب.
شعرت ميرا ببرودة تسري في أصابعها.
«هل كان هذا مكتوبًا من قبل؟»
أجاب سليم وهو يدفع البوابة:
«بالطبع. إنها أكاديمية، لا بد أن تكون لديها قوانين».
انفتحت البوابة وحدها.
تراجع آدم ثلاث خطوات.
«أعتذر، لكنني لم أوافق على التسجيل في مدرسة تفتح أبوابها بنفسها. أفضّل المؤسسات التي تستخدم مقابض الأبواب».
دخلت ليان أولًا، ولحق بها سليم وميرا.
أما آدم فبقي في الخارج.
نادت ليان:
«آدم!»
«أنا أراقب المدخل».
«من الخارج؟»
«إنها استراتيجية أمنية».
نظرت ليان إلى العمود الذي كان يختبئ خلفه.
«أنت تختبئ خلف عمود!»
«عمود أمني».
كانت قاعة الاستقبال أوسع مما ينبغي.
امتدت أرضيتها الرخامية إلى مسافة بعيدة، وتدلت من السقف ثريات ضخمة تنير المكان بضوء أزرق خافت. وعلى الجدران عُلّقت صور لمديرين سابقين، لكن وجوههم كانت تتغير كلما صرف المرء نظره عنها.
اقترب سليم من إحدى الصور.
كان الرجل المرسوم فيها يبتسم ابتسامة عريضة ويرتدي قبعة سوداء غريبة.
رمش سليم.
اختفت القبعة.
رمش مرة أخرى.
اختفى الرجل كله، وبقي إطار الصورة فارغًا.
تراجع سليم ببطء.
«حسنًا. إما أنني مرهق، وإما أن هذه المدرسة تحتاج إلى ميزانية أفضل لصيانة اللوحات».
سألته ميرا:
«هل رأيت شيئًا؟»
«لا».
«إذًا لماذا وجهك شاحب؟»
«لأن الطلاء هنا سيئ».
في تلك اللحظة، سمعوا صوتًا خلفهم:
«أهلًا بالطلاب الجدد».
استدار الأربعة دفعة واحدة.
كان يقف أمامهم هيكل عظمي يرتدي بدلة رسمية ويحمل دفترًا جلديًّا تحت ذراعه. انحنى بأدب، فصدر عن رقبته صوت طقطقة مزعج.
تراجع آدم حتى اصطدم بليان.
«إنه هيكل عظمي!»
رفع الهيكل حاجبه، أو حاول ذلك على الأقل.
«ملاحظة ذكية. هل ترغب في تسجيلها ضمن إنجازاتك الأكاديمية؟»
غطّت ليان فمها لتخفي ابتسامتها.
أما آدم فسأله بجدية:
«هل تستطيع المشي؟»
نظر الهيكل إلى قدميه.
«أحيانًا».
«كيف أحيانًا؟»
«حين أتذكر أين وضعت قدميّ».
ساد الصمت.
ثم قال سليم:
«أعتقد أنني سأحب هذه المدرسة».
عرّفهم الهيكل بنفسه. كان اسمه السيد عظمون، ويعمل مساعدًا لمدير الأكاديمية منذ مئة وثلاثة وأربعين عامًا.
سألته ميرا:
«ولماذا تعمل هنا كل هذه المدة؟»
أجاب عظمون:
«المعاش التقاعدي».
ثم فتح دفتره.
«أسماؤكم؟»
ذكر كل واحد اسمه. دوّن عظمون الأسماء الأربعة، ثم توقف عند اسم ميرا.
حدّق في الصفحة طويلًا.
«غريب».
اقتربت ليان.
«ما الغريب؟»
أغلق الدفتر بسرعة.
«لا شيء. مجرد خطأ في الحسابات».
لم يقتنع أحد بإجابته، لكن عظمون سار نحو الدرج، طالبًا منهم اتباعه.
وقبل أن يتحركوا، التفت إلى آدم.
«أنت، يا صاحب الوجه المذعور».
«وجهي طبيعي».
«بالطبع. وأنا شاب رياضي».
ثم واصل سيره.
في الطابق الثاني، وزّع عليهم عظمون مفاتيح غرفهم.
كانت غرف الأصدقاء متجاورة، باستثناء غرفة ميرا التي تقع في نهاية الممر، مقابل باب أسود لا يحمل رقمًا.
حذّرهم عظمون من الاقتراب منه.
«مهما سمعتم خلف هذا الباب، لا تفتحوه».
سأل سليم:
«حتى لو سمعنا صوت المدير يطلب المساعدة؟»
«خصوصًا إذا كان صوت المدير».
«وماذا لو سمعنا صوت طعام؟»
توقف عظمون والتفت إليه.
«أي نوع من الطعام؟»
«لا أعرف. بيتزا مثلًا».
فكر الهيكل لحظة.
«أخبروني أولًا، ثم قرروا».
وغادر.
وقف الأصدقاء الأربعة في الممر يتبادلون النظرات.
قالت ليان:
«لدينا ثلاث قواعد حتى الآن: لا نوقظ ما تحت المبنى، ولا نجيب أصواتنا، ولا نفتح الباب الأسود».
قال آدم:
«ممتاز. يمكننا قضاء العام الدراسي كله دون فعل أي شيء».
لكن ميرا لم تكن تستمع إليهم.
كانت تحدق في الباب الأسود.
لقد سمعت شيئًا.
صوتًا خافتًا يأتي من خلف الخشب.
صوت فتاة تضحك.
ثم صوت آخر، أكثر وضوحًا:
«ميرا...»
تجمدت في مكانها.
كان الصوت يشبه صوتها تمامًا.
استدارت نحو أصدقائها.
«هل سمعتم ذلك؟»
هز سليم رأسه.
«سمعت ضحكة. ربما توجد فتاة خلف الباب».
تذكرت ميرا التحذير عند المدخل.
إذا سمعت صوتك يناديك من غرفة فارغة، فلا تجب.
لكن هذا لم يكن صوتها وهي تنادي نفسها.
لقد نطق اسمها.
ومن خلف الباب، جاء الصوت مجددًا:
«ميرا... لماذا تأخرتِ؟»
تراجعت خطوة.
أمسكت ليان بذراعها.
«لنذهب. الآن».
لم يعترض أحد هذه المرة، حتى آدم.
لكن قبل أن يبتعدوا، انفتح الباب الأسود بمقدار شبر واحد.
لم يظهر خلفه شيء سوى الظلام.
ثم انطلقت منه يد شاحبة، وألقت شيئًا صغيرًا على الأرض.
أُغلق الباب.
لم يتحرك الأصدقاء.
انحنى سليم بحذر والتقط الشيء.
كانت صورة قديمة.
أربعة أطفال يقفون أمام مرآة ضخمة.
فتاة تشبه ميرا.
فتى يشبه آدم.
وآخر يشبه سليم.
والرابعة تشبه ليان.
حدّقوا في الصورة، ثم تبادلوا النظرات.
قال آدم بصوت مرتجف:
«حسنًا... لدي سؤال بسيط».
ابتلع ريقه.
«لماذا توجد صورة لنا ونحن أطفال، مع أننا لم نلتقِ قبل اليوم؟»
قلبت ليان الصورة.
على ظهرها، كُتبت جملة بحبر أحمر باهت:
«المرة الأولى لم تنتهِ كما تذكرونها».
وفجأة، انطفأت جميع المصابيح.
في الظلام، سمع الأصدقاء صوت خطوات تقترب منهم.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم صوت ميرا يأتي من نهاية الممر:
«لا تخافوا. أنا هنا».
لكن ميرا كانت تقف بينهم.
ولم تكن هي التي تكلمت.
شهقت ليان، بينما أمسك سليم بكتف آدم.
همس آدم:
«إذا نجونا من هذا، فسأصبح شخصًا جديدًا».
سألته ليان:
«شخصًا شجاعًا؟»
«لا. شخصًا يقرأ اسم المدرسة قبل التسجيل فيها».
ثم جاء صوت ثالث من الظلام، هذه المرة من داخل الصورة التي يحملها سليم:
«أخيرًا... لقد عدتم».
وساد الصمت.