ظلال الحقيقةبقلم رؤيا المناعي فصل 2

غرباء في المدينة

3 دقائق قراءة · 473 كلمة

تسمرت نادية في مكانها، شعرت بأنفاس الشخص الغريب تلامس رقبتها في ذلك الظلام الذي لا يرحم. كان صوت إغلاق الباب الخارجي لا يزال يتردد في أذنيها كحكم بالإعدام. حاولت أن تضغط على زر كشاف هاتفها مراراً وتكراراً، لكن الشاشة ظلت سوداء تماماً، وكأن قوة خفية سحبت منها الحياة.

"من أنت؟" خرج صوتها مهزوزاً وضعيفاً، لكنها لم تتلقَّ رداً سوى صمت ثقيل أعقبه صوت خطوات تبتعد بهدوء نحو الممر المظلم. استجمعت شجاعتها وتحركت ببطء، تتحسس الجدران الباردة، حتى وصلت إلى النافذة الكبيرة. دفعت الستارة الثقيلة، فدخل ضوء القمر الباهت ليرسم ظلالاً غريبة على الأرضية الخشبية.

نظرت نادية إلى الخارج، ولمحت ظلاً طويلاً لشخص يرتدي معطفاً أسود يغادر حديقة البيت ويختفي بين الأشجار الكثيفة. لم تكن هناك سيارة، ولم يكن هناك صوت محرك، فقط هدوء مطبق. أدركت حينها أنها ليست وحدها في هذا المكان النائي، وأن هناك من يعرف بوجودها قبل أن تصل حتى.

بصعوبة، استطاعت فتح الباب الخارجي الذي لم يكن مغلقاً بالمفتاح، بل كان معلقاً بقطعة معدنية غريبة سقطت بمجرد دفعها للباب. خرجت نادية مسرعة نحو سيارتها، وقلبها يدق كطبول الحرب. قررت ألا تغادر المنطقة تماماً، بل ذهبت إلى "نزل" صغير متواضع في القرية المجاورة لتبيت ليلتها، فالطريق في هذا الوقت كان خطيراً.

في صباح اليوم التالي، توجهت نادية إلى سوق القرية الصغير لتسأل عن "بيت الساحل". كانت ملامحها المرهقة تجذب الأنظار. اقتربت من صاحب متجر عجوز، وبمجرد أن ذكرت اسم البيت، تغيرت ملامحه تماماً. "هذا البيت لا يجلب إلا المتاعب يا ابنتي"، قال العجوز وهو يتلفت حوله بقلق. "صاحبه اختفى منذ زمن، ومنذ ذلك الحين، نرى أضواءً تنبعث منه في ليالي الغياب، وغرباء يترددون عليه بوجوه لا نألفها".

بينما كانت نادية تتحدث مع العجوز، شعرت بنظرات حادة تخترقها. التفتت لتجد رجلاً في منتصف العمر، بملابس أنيقة لا تناسب هذا المكان، يجلس في مقهى مقابل ويراقبها بتركيز شديد. كان يحمل في يده "سيجاراً" لا تنطفئ ناره، وعيناه خلف نظارته السوداء لا تفارق حركاتها.

عادت نادية إلى النزل، لتكتشف المفاجأة الأكبر. باب غرفتها كان موارباً. دخلت بحذر، لتجد على سريرها "ظرفاً أخضر" آخر، لكن هذه المرة كان مفتوحاً. وبداخله صورة قديمة لوالدها وهو يصافح الرجل نفسه الذي رأته في المقهى منذ قليل! وخلف الصورة جملة مكتوبة بدم بارد: "ليس كل من يبتسم في وجهك صديقاً.. مراد يعرف الحقيقة التي تبحثين عنها، لكن الحقيقة لها ثمن لا تستطيعين دفعه".

خرجت نادية إلى الشرفة لتتنفس الصعداء، ورأت الرجل (مراد) واقفاً في الشارع أمام النزل مباشرة. رفع قبعته لها بحركة توحي بالاحترام المشوب بالتهديد، ثم أشار بيده نحو البحر.

في تلك اللحظة، رن هاتف نادية الذي كان معطلاً منذ قليل. كان الرقم "مجهولاً". ردت بأنفاس متقطعة، فجاءها صوت والدها بوضوح هذه المرة، صوته المتعب الذي تعرفه جيداً: "نادية.. اهربي الآن! مراد ليس إلا البداية، والصندوق الذي وجدته في القبو هو مفتاح هلاكهم جميعاً.. لا تثقي في أحد، حتى في ظلك!"

انقطع الاتصال فجأة، ونظرت نادية نحو الشارع، فلم تجد مراد، بل وجدت مكانه سيارة سوداء ضخمة تتجه بسرعة جنونية نحو مدخل النزل، وكأنها تنوي تحطيم كل شيء!