ظلال الحقيقةبقلم رؤيا المناعي فصل 1

الظرف الاخضر

3 دقائق قراءة · 465 كلمة

كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل في مكتب "نادية". الصمت في المبنى الإداري العالي كان مخيفاً، لا يقطعه سوى طنين أجهزة الكمبيوتر الخافت. نادية، المهندسة التي قضت سنوات عمرها تبني الجدران والبيوت، لم تكن تعلم أن جداراً من الأسرار على وشك أن ينهار فوق رأسها.

طرقة خفيفة على الباب جعلتها تجفل. دخل حارس المبنى العجوز، ملامحه كانت باهتة تحت ضوء الممرات الشاحب. وضع ظرفاً أخضر داكناً على مكتبها وقال بصوت مبحوح: "وجدته عند البوابة الرئيسية، مكتوب عليه اسمكِ فقط". نظرت نادية إلى الظرف؛ كان لونه غريباً، ملمسه يشبه الجلد القديم، ولم يكن عليه أي طابع بريدي أو اسم للمرسل.

بمجرد أن رأت الخط المكتوب به اسمها، شعرت ببرودة تسري في عظامها. "هذا خط والدي!" همست لنفسها برعب. والدها الذي اختفى في ظروف غامضة منذ أكثر من عشرين عاماً، تاركاً وراءه مئات الأسئلة بلا إجابة. فتحت الظرف بيد ترتجف، سقط منه مفتاح معدني ثقيل، ذو أسنان معقدة وغير مألوفة، ومعه ورقة صغيرة مطوية بعناية.

لم تجد رسالة طويلة، بل مجرد جملة واحدة محفورة بعمق في الورق: "الحقيقة مخبأة في المكان الذي بدأ منه كل شيء.. اذهبي إلى بيت الساحل القديم، المفتاح معكِ، والوقت ليس في صالحكِ."

لم تتردد نادية. في الصباح الباكر، كانت قد غادرت صخب حياتها المعتادة متجهة إلى ذلك البيت المهجور الذي يقع في منطقة معزولة بعيداً عن ضجيج البشر. كانت الذكريات تطاردها طوال الطريق؛ صور والدها وهو يضحك، وصورته الأخيرة وهو يغادر المنزل بملامح قلقة ليختفي بعدها للأبد.

وصلت إلى البيت مع غروب الشمس. كان بناءً حجرياً قديماً يطل على منحدر عالٍ، تحيط به أشجار يابسة بدت كأنها تحرس أسرار المكان. الصمت هناك كان له ثقل غريب، وكأن الهواء نفسه يرفض الحركة. سارت نادية نحو الباب الخشبي الضخم، وأخرجت المفتاح. وضعت المفتاح في القفل وتنفست بعمق. "تيك".. انفتح الباب بصرير طويل يمزق سكون المكان.

دخلت نادية وهي تشعل كشاف هاتفها. رائحة الرطوبة والغبار كانت خانقة، والأثاث مغطى بأغطية بيضاء بدت تحت ضوء الكشاف كأشباح صامتة تنتظرها. بدأت تتجول في الصالة الكبيرة، كانت تبحث عن أي شيء، أي دليل. فجأة، توقفت نبضات قلبها تقريباً.. لمح كشافها شيئاً غريباً في ركن الغرفة.

كان هناك مكتب خشبي، لكنه لم يكن مغطى بالغبار مثل باقي الأثاث. كان نظيفاً تماماً، وفوقه فنجان قهوة ما زال الدخان يتصاعد منه برفق! تراجعت نادية خطوتين للخلف، وأنفاسها تتسارع. "هل هناك أحد هنا؟" صرخت، لكن الصدى كان جوابها الوحيد.

اقتربت من المكتب بحذر شديد، لتجد بجانب الفنجان صورة فوتوغرافية حديثة جداً. تجمدت الدماء في عروقها وهي تنظر للصورة.. كانت صورتها هي، وهي واقفة أمام مكتبها في القاهرة بالأمس فقط، وتظهر في خلفية الصورة يد غريبة ممسكة بظرف أخضر!

وفجأة، وقبل أن تستوعب ما تراه، سمعت صوت قفل الباب الخارجي وهو يُغلق من الخارج ببطء شديد.. ثم انطفأ كشاف هاتفها تماماً وكأن بطاريته فرغت في لحظة واحدة. في الظلام الدامس، سمعت نفساً ثقيلاً خلف أذنها مباشرة، وصوتاً ذكورياً عميقاً يهمس بكلمات جعلت جسدها يرتجف: "لقد أخطأتِ المجيء يا نادية.. الآن، بدأت اللعبة الحقيقية."