نمطٌ خانق وروحٌ لا تشبهني
دقيقتان قراءة · 329 كلمة
التاريخ: ليلةٌ أخرى باهتة لا تشبهني
يا سجى، صرت أشرب الما ولا يقطع ضماي.. جفّت روحي في هذا المكان الذي حاصروني فيه، أجبروني على حياةٍ ما بغيتها، وصرت غريبةً حتى عن المرايا التي تعكس وجهي.
اليوم مرّ كأنه دهْرٌ كامل جاثم على صدري، استيقظت في ذات الوقت الذي يفرضونه عليّ، لبست الثياب التي يرتضونها هم، ومشيت في الممرات الباردة بذات الخطوات الرتيبة التي يريدونها. يتحدثون عن طموحي المقتول كأنه إنجاز، وينظرون إلى تخصصي وعملي الجديد كأنه هبة، وما دروا أني أختنق في كل دقيقة أقضيها بين جدران هذا النمط الخانق، وأنني أبيع روحي بالتقسيط ليرضوا هم.
كلما التفتّ حولي في زحامهم، لم أجدكِ، ولم أجد من ألوذ به من روتينهم المرير، الناس هنا آلات، يتحركون بأمر العادات والتقاليد والواجبات الباردة، وأنا الغريبة الوحيدة التي تحترق بصمت. كيف أشرح لهم أن النجاح الذي يهنئونني عليه ليس إلا المقبرة التي دُفنت فيها أحلامي؟
يا سجى صبري قِضى.. ونفسي على موتي عصيّة
والليالي في غيابك هدّت الحيل وخفت مايَها
دخلت إلى غرفتي الليلة، أغلقت الباب خلفي بقوة كأني أغلقه على العالم بأسره. نظرت إلى يديّ النحيفتين اللتين باتت تفاصيل العروق فيهما تحكي قصة التعب، شعرت بكبرياءٍ حاد يمنعني من السقوط أو البكاء أمامهم. يظنون أنني راضية ومستسلمة لأنني لا أشتكي، يتأملون ملامحي الهادئة فيحسبونها سلاماً، ولا يعلمون أن السكوت هو الرماد الذي يغطي بركاناً من القهر.
يا سجى كبرت جروحي.. وعزّتي عيّت تطيح
والزمن لو حدّني.. ماني من اللي يرتخي
إنهم يجبرونني على نمط حياةٍ يسحق تفاصيلي الصغيرة، يطالبونني بابتسامة باهتة في وجوه العابرين، وبأن أكون جزءاً من قطيع لا يعرف أين يذهب. في كل صباح أموت مرتين؛ مرة حين أستيقظ لأواجه واقعاً لا يشبهني، ومرة حين أرتدي قناع القوة لأخفي خلفه ملامح الفتاة المهشمة التي تركتِها خلفكِ وحيدة.
يا سجى مالت سنيني.. ولا لقيت اللي صفا لي
والعمر يقفي وأنا في دنيتي كني غريب
الدنيا بعدكِ شاحبة يا سجى، الوجوه مستعارة، والأيام مستنسخة لا طعم لها ولا لون، وهذا النمط الذي أحياه الآن يسلبني براءتي وضحكتي يوماً بعد يوم، لكنني أعدكِ.. لن يروا انكساري أبداً، سأدوس على جمر الأيام حافية القدمين، وسأظل أواجه كبرياءهم بكبرياءٍ أشد، وشامخةً بجروحي حتى يكتب الله لي لقاكِ.