حين صار الموت يعرف الطريق
4 دقائق قراءة · 707 كلمة
لم يكن الوطن قد انتهى بعد، لكنه كان يتعلم للمرة الأولى كيف يعيش وهو يخاف من الغد.
كان الناس يخرجون من بيوتهم وهم لا يعرفون إن كانت خطواتهم ستعيدهم إليها، وكان الرجل الذي يبحث عن رزقه لا يعرف أن الطريق الذي حفظه طويلًا قد يخفي له آخر موعد مع الحياة، وكان آخر يخرج من المسجد بعد صلاته، يحمل في قلبه دعاءً صغيرًا لأهله، ولا يعلم أن ذلك اليوم سيصبح آخر يومٍ يعرف فيه معنى العودة.
لم يكن الجميع يحمل سلاحًا.
بعضهم كان يحمل كيس خبز.
وبعضهم يحمل كتب أطفاله.
وبعضهم يحمل مفتاح بيته في جيبه.
وبعضهم لم يكن يحمل شيئًا سوى قلبه.
ومع ذلك، لم يكن أحد يعرف متى يتحول الطريق إلى فراق.
كانت الطلقات تأتي أحيانًا بلا إنذار، فيسقط إنسانٌ لا يعرف حتى ما الذي جعله هدفًا.
وكان السؤال الذي يبقى خلف كل غياب:
لماذا؟
لماذا رحل؟
ما ذنبه؟
ومن سيخبر أمه؟
ومن سيشرح لطفله أن الباب سيبقى مغلقًا هذه المرة؟
ومن سيقول لأخته إن الأخ الذي كانت تنتظر عودته لن يعود؟
كان الموت يترك خلفه أسئلة أكثر مما يترك إجابات.
وكان الوطن، كلما اتسعت المقابر، يشعر أن شيئًا من ملامحه يُدفن معها.
حتى جاء اليوم الذي رحل فيه رأسٌ من رؤوس ذلك الوطن، وظن البعض أن موت رجلٍ قد يكون نهاية مرحلة.
لكن الوطن اكتشف أن موت القائد لم يدفن معه الحكاية…
بل كشف حجم الجرح الذي كان مختبئًا خلفها.
فقد مات الرجل، ومات معه زمن.
لكن أبناء الوطن هم الذين ظلوا يحملون ثقل الأيام التالية.
لم يكن موت القائد هو وحده المأساة.
المأساة أن شعبًا كاملًا أصبح يدفع ثمن سنواتٍ لم يخترها.
وأن الذين كانوا بالأمس إخوةً في أرضٍ واحدة، أصبح بعضهم يقف في وجه بعض.
وهنا كان السؤال الأكثر مرارة:
كيف يستطيع الوطن أن يداوي جرحًا جاءته من أبنائه؟
حين لم تعد الملامح تكفي
في بعض الأيام، كان الفقد أقسى من أن تحتمله الأسماء.
تأتي الأخبار متأخرة.
وتأتي معها أمهاتٌ يبحثن عن أبنائهن.
أخواتٌ يسألن عن إخوتهن.
أطفالٌ لا يعرفون سوى اسم أبيهم.
وكانت هناك وجوهٌ لم تعد الحياة تمنح أهلها فرصةً كافية للتعرف إليها، فيصبح الاسم هو آخر خيطٍ يصلهم بمن فقدوا.
لم يكن أصعب شيء أن يقولوا:
«لقد مات.»
بل أن يقولوا:
«لا نعرف أين كان، ولا كيف رحل، ولا لماذا.»
فالإنسان يستطيع أن يبكي من يعرف مصيره…
لكن كيف يبكي من لا يعرف حتى قصته الأخيرة؟
ولهذا ظل الوطن يحمل في ذاكرته آلاف النهايات الناقصة.
حكايات بدأت في بيتٍ صغير، وانتهت في مكانٍ لم تعرفه العائلة.
أقسى ما يفعله الظلم بالإنسان أنه لا يأخذ منه الحياة فقط، بل يأخذ منه حقه في أن يعرف لماذا خسرها.
حين يصبح الموت بلا تفسير، يتحول الغياب إلى سؤالٍ يعيش أطول من صاحبه.
وكانت الأمهات يعرفن ذلك أكثر من الجميع.
الأم لا تريد وطنًا عظيمًا بقدر ما تريد أن يعود ابنها إلى الباب.
لا تريد خطبًا طويلة.
ولا تريد أسماءً تُكتب على الجدران.
تريد فقط صوتًا يقول:
«يمّه، أنا رجعت.»
لكن بعض الأمهات انتظرن تلك الجملة حتى شاب الانتظار في قلوبهن.
وبعض الأطفال ظلوا يراقبون الطرقات، لا لأنهم يعرفون متى يعود آباؤهم، بل لأنهم لم يتعلموا بعد كيف يفهمون الغياب.
وقالت أمٌّ لولدها الغائب:
يا ولدي إن غبت، ما غاب طيفك من عيوني
كل ما هبّت رياح الليل زاد احتراقي
كنت أعدّ خطاك للباب وأقول: بيجوني
لين صار الباب يعرف إنك ما عاد لاقي
يا ليت موتك كان له ذنبٍ يواسيني
ويا ليت أعرف من ظلمك ومن هو الباقي
ما هان عندي فقدك، ولا الأيام تنسيني
أنت الولد، وأنت نبضي، وأنت أعزّ أعلاقي
ثم سكتت.
لأن بعض الأمهات حين يعجزن عن البكاء…
يتحول الحزن في صدورهن إلى دعاء.
وكان الوطن يسمع تلك الأدعية كلها.
يسمع أمًا تقول:
اللهم اجبر قلبي.
وأخرى تقول:
اللهم ارحم ابني.
وثالثة لا تقول شيئًا، لأنها لم تعد تعرف هل تنتظر أم تودّع.
وفي مكانٍ آخر، كان طفلٌ يحمل صورة أبيه.
لم يفهم الحرب.
لم يفهم السياسة.
لم يفهم لماذا صار أبوه صورة.
كان يعرف شيئًا واحدًا فقط:
أن يده الصغيرة لم تعد تجد اليد التي كانت تمسك بها الطريق.
وهكذا، لم تسرق الحرب أرواحًا فقط…
سرقت طفولات.
وأحلامًا.
وأيامًا كان من حق أصحابها أن يعيشوها.
سمعت احد الشاعرات تقول.
يا وطن لا تحسب إن الجرح ينطوي سنين
بعض الجروح بوسط صدر الوطن حيّه
أمٍ فقدت ولدها، والدمع له حنين
وطفلٍ فقد أبوه، وما عرف وش هيّه
وأختٍ على باب دارها تنتظر يومين
تقول يمكن يرجع… وتصحى على النيّه
يا وطن كم غاب وجهٍ كان بين العين
وكم حلمٍ دفنته الأرض قبل أمنيّه
ما كل من غاب انتهى، بعض الغياب أنين
يبقى مع أهل الغلا لو غاب عن مرئيّه
وفي آخر ذلك اليوم، ارتفعت الراية فوق المكان.
كانت الريح تحركها ببطء.
لم تكن تعرف أسماء الذين رحلوا جميعًا.
لكن الوطن كان يعرف.
وكان يعرف أيضًا أن الراية التي بقيت مرفوعة ليست إعلانًا أن كل شيء بخير…
بل شاهدًا على أن كل هذا الألم حدث تحتها، ومع ذلك لم تسقط.
ومنذ ذلك اليوم، بدأ الوطن يفهم أن حكايته لم تعد حكاية موت رجلٍ واحد…
بل حكاية شعبٍ كامل يحاول أن يبقى حيًا، بعدما صار الموت أقرب إليه من الأمان.