حين بدأ الوطن يموت
4 دقائق قراءة · 647 كلمة
الجزء الأول
حين بدأ الوطن يموت
لم يكن الوطن يعرف أن الموت يمكن أن يبدأ قبل أن تُحفر القبور.
كان كل شيء يبدو طبيعيًا من بعيد…
البيوت واقفة، والطرقات تعرف أسماء أصحابها، والراية ما زالت ترفرف فوق المكان، والأمهات ما زلن يرسلن أبناءهن إلى الخارج وهنّ يعتقدن أنهم سيعودون كما خرجوا.
لكن شيئًا ما كان يتغير في الخفاء.
شيءٌ لا تراه العين في البداية، ثم يكبر يومًا بعد يوم، حتى يصبح الوطن نفسه غريبًا عن أبنائه.
بدأ الخوف يدخل البيوت دون أن يطرق أبوابها.
صار الصمت أطول من الكلام.
وصار الناس يتعلمون أن بعض الأسئلة لا تُسأل، وبعض الأسماء لا تُذكر، وبعض الأبواب إذا أُغلقت… قد لا يُكتب لها أن تُفتح مرة أخرى.
وكان أكثر ما يؤلم الوطن أن الذين يدفعون الثمن لم يكونوا يعرفون دائمًا لماذا.
قد يُؤخذ إنسان من بين أهله، ويُترك خلفه سؤالٌ لا يجد جوابًا:
ما ذنبه؟
لا قضية واضحة.
لا بيان يشرح.
لا كلمة أخيرة.
فقط غياب.
ثم انتظار.
ثم خبرٌ يأتي متأخرًا، ويحمل من الوجع ما يكفي لعمرٍ كامل.
وكانت هناك أمٌّ تنتظر.
لم تكن تعرف أين ابنها.
كانت كل ليلة تترك مكانه كما هو، وتقول في سرها:
ربما يعود غدًا.
ثم يأتي الغد…
ولا يعود.
ويمر يوم آخر…
ولا يعود.
حتى يصبح الانتظار عادة، ويصبح الأمل شيئًا يؤلم أكثر مما يواسي.
وفي ليلةٍ لم يكن يعرف أنها ستكون الأخيرة، جلس أحد أولئك الذين سُلبت منهم حياتهم، وكتب إلى أمه.
لم يكن يعرف لماذا حُكم عليه.
لم يُمنح جوابًا يكفي ليفهم.
ولم يكن لديه ما يفعله سوى أن يكتب.
لم يكن يريد أن يخبرها بأنه خائف…
كان يريد أن يطمئنها.
وهنا كانت المفارقة الأكثر قسوة:
إنسانٌ حُكم عليه بالموت ظلمًا، وما زال قلبه يفكر في قلب أمه.
كتب:
«يا يمّه إن جاك خبري لا تقولين انتهى
قولي ولدك راح من دنيا التعب والأنين
ما كان ذنبي غير إني كنت أحلم بالنجا
ولا عرفت ليه انكتب فوق اسمي حكم السنين»
ثم توقف طويلًا.
كان يريد أن يكتب لها أكثر.
أن يقول لها إنه لم يكن مذنبًا.
أن يقول لها إنه لم يفهم لماذا أصبح الموت نهايته.
أن يقول لها إنه كان يتمنى أن يعود إلى البيت، ويجلس بجانبها، ويسمع صوتها وهي تناديه باسمه.
لكنه لم يجد كلمات تكفي.
فعاد إلى الورقة:
«يا يمّه إن سألتي: وش جريمته؟ قولي ما دري
ما شفت له ذنبٍ يبرر حكمهم والحنين
أخذوا حياتي قبل حتى ما يجي دوري أعتذر
وحكموا عليّ بالموت… ولا عطوني يقين»
ثم كتب آخر ما استطاع:
«لا تبكين إن شفتِ اسمي بين أسماء الراحلين
أنا ولدك لو غبت عن عينك… بقلبي ما أغيب
وإن قالوا انتهى عمري، قولي: انتهى جسدٍ حزين
أما دعاء الأم لولدها… ما يموت ولا يخيب»
ثم طوى الورقة.
لم يكن يعلم هل ستصل إلى أمه أم لا.
لكن الإنسان حين يُحاصر بالخوف، لا يبحث عن النجاة لنفسه فقط…
أحيانًا يبحث عن كلمةٍ واحدة تطمئن من يحبهم بعد رحيله.
---
أقسى أنواع الظلم أن يُطلب من الإنسان أن يدافع عن نفسه، بينما لم يُعطَ أصلًا فرصةً ليعرف ما التهمة الموجهة إليه.
«ليس كل من غاب مذنبًا، وليس كل من بقي بريئًا؛ فهناك غائبون أخذهم الظلم قبل أن يمنحهم أحد حق الكلام.»
---
وفي بيت أمه، كانت الساعة تمر ببطء.
لم تكن تعرف أن ابنها في تلك اللحظة كان يكتب إليها.
كانت فقط تشعر بشيءٍ غريب في صدرها.
الأم أحيانًا لا تعرف الخبر، لكنها تشعر بثقله قبل أن يصل.
رفعت يديها وقالت:
اللهم احفظه أينما كان.
ثم نامت.
وفي مكانٍ آخر، كان هو ينتظر الصباح.
لكن بعض الصباحات لا تأتي بالنجاة.
تأتي بالحقيقة.
وفي اليوم الذي وصل فيه الخبر، لم تصرخ أمه.
سقطت فقط.
كأن شيئًا داخلها فهم قبل عقلها.
لم تبكِ لأن ابنها مات فقط…
بكت لأن ابنها لم يعرف لماذا مات.
وهنا بدأ الوطن يفهم أن الحكاية أكبر من رجلٍ واحد.
فكل أمٍ فقدت ابنًا كانت تحمل جزءًا من وجع الوطن.
وكل طفلٍ فقد أباه كان يحمل سؤالًا عن المستقبل.
وكل أختٍ انتظرت أخاها كانت تنتظر جزءًا من حياتها.
وكل شهيدٍ رحل، ترك خلفه مكانًا فارغًا لا يستطيع أحد أن يملأه.
---
«حين يُقتل الإنسان ظلمًا، لا يُدفن جسده وحده؛ تُدفن معه أسئلة كثيرة لا تجد قبرًا يكفيها.»
وهكذا…
لم يمت الوطن في يومٍ واحد.
كان يموت كلما خرجت جنازة.
وكلما أغلقت أمٌ بابها وهي تعرف أن ابنها لن يعود.
وكلما كبر طفلٌ وهو يتعلم معنى الفقد قبل أن يتعلم معنى الأمان.
وكلما ارتفعت الراية فوق أرضٍ جديدة تحمل تحتها قصةً جديدة.
ومع ذلك…
بقيت الراية.
كانت ترفرف فوق كل هذا الألم، وكأنها تقول:
قد يأخذ الظلم أبناء الوطن… لكنه لن يأخذ ذاكرة الوطن.
وكان ذلك أول درسٍ تعلمه الوطن قبل أن تبدأ حكايته الطويلة مع الموت:
أن الإنسان قد يُقتل، لكن الحقيقة لا تُدفن معه.