حين لا يراك أحد وأنت تتألم
3 دقائق قراءة · 486 كلمة
حين لا يراك أحد وأنت تتألم
ليس كل ألمٍ يحتاج إلى دمعة،
وليس كل مكسورٍ يعرف كيف يقول: أنا مكسور.
هناك أوجاع تتعلم أن تختبئ جيدًا…
تجلس مع الناس وتضحك،
تجيب حين يسألونك،
وتقول: "أنا بخير."
ثم تعود إلى وحدتك،
فتسقط عن وجهك كل الأقنعة دفعة واحدة.
فبعض البشر لا يبكون لأنهم أقوياء،
بل لأنهم تعبوا من شرح سبب بكائهم.
يمضي اليوم عاديًا في نظر الجميع،
بينما هناك إنسان يحمل داخله جنازةً لا يعلم عنها أحد.
وكما قالت الشاعرة:
وحيدةٌ أمشي، ولا دربٌ يواسيني
وحيدةٌ أبكي، ولا قلبٌ يناديني
وحيدةٌ أحملُ الأحزانَ في صدري
وحيدةٌ حتى صدى صوتي يواسيني
وحيدةٌ والليلُ يعرفُ كم أعاني
وحيدةٌ والجرحُ في صمتي يخفيني
وحيدةٌ ما عاد لي في الناسِ من أحدٍ
وحيدةٌ… والموتُ لو ناداني، يكفيني
كان أقسى ما في الظلم أن المظلوم لا يحمل الألم وحده…
بل يحمل معه أسئلة لا تنتهي:
لماذا أنا؟
لماذا فعلتَ ذلك؟
ألم ترَ قلبي حين كنت تؤذيه؟
ألم تسمع صوتي حين قلت لك إنني أتعب؟
ألم يكن بيننا شيء واحد يستحق أن تتوقف من أجله؟
ثم تأتي مرحلة لا يعود فيها الإنسان يريد إجابة.
فقد يتعب القلب من السؤال أكثر مما يتعب من الجواب.
ويبدأ في فهم حقيقة موجعة:
بعض الذين ننتظر منهم تفسيرًا، لا يملكون من الشجاعة ما يكفي للاعتراف بأنهم كانوا سببًا في وجعنا.
أشدّ ما يؤلم في الظلم ليس أن يؤذيك أحدهم، بل أن تكتشف أنك كنت تستحق منه الرحمة، وهو كان يعرف ذلك… ثم اختار أن يؤذيك."
وهناك شيء آخر لا يتحدث عنه أحد…
أن المظلوم قد يسامح في يوم من الأيام،
لكن هذا لا يعني أن ذاكرته ستمحو كل شيء.
فالمسامحة ليست آلة تمحو الماضي.
قد تقول:
"سامحت."
وقلبك ما زال يتذكر.
وقد لا تحمل حقدًا على من ظلمك،
لكنّك لن تعود الشخص الذي كنت عليه قبله.
وهذا ليس ضعفًا.
فالندبة لا تعني أن الجرح ما زال ينزف…
إنها فقط دليل على أن شيئًا ما حدث،
وأنك نجوت منه.
وقفة.....
لا تجعلوا من المسامحة واجبًا على قلبٍ لم يبرأ بعد.
فبعض القلوب تحتاج أولًا أن تُسمح لها بالحزن، قبل أن يُطلب منها أن تسامح.
وفي آخر الليل…
حين ينام الجميع،
تعود بعض الذكريات دون استئذان.
وجه قديم.
صوت قديم.
مكان قديم.
كلمة واحدة كانت كافية لتغيير أشياء كثيرة.
وحينها يدرك الإنسان أن الحياة لا تأخذ منا الأشخاص فقط…
أحيانًا تأخذ معهم نسخةً كاملةً منّا.
ذلك الإنسان الذي كان يثق بسرعة.
الذي كان يصدق الكلام.
الذي كان يفتح قلبه دون خوف.
الذي كان يظن أن الخير الذي يقدمه للآخرين سيعود إليه يومًا.
ثم يأتي شخص واحد…
فيعلمه أن ليس كل يدٍ تمتد إليك تريد إنقاذك.
بعض الأيدي تمتد لتدفعك.
"لم يقتلني ما فعلته بي… قتلني أنني فعلت كل شيء لأبقى إنسانًا جيدًا، بينما كنتَ تفعل كل شيء لتجعلني أكره الإنسان الذي كنتُه."
ومع ذلك…
ظل هناك شيء صغير في القلب لم يمت.
شيء يقول:
ربما يأتي يوم يفهم فيه.
ربما يعتذر.
ربما يدرك كم كنت أتألم.
وربما…
ربما لا يأتي أبدًا.
لكن الأيام لا تنتظر اعتذاراتنا.
والحياة لا تتوقف عند باب شخص رفض أن يفتحه.
ولهذا، ربما يكون أصعب انتصار للمظلوم أن يصل إلى يوم يقول فيه:
"لن أسمح لما فعلته بي أن يجعلني شخصًا يشبهك."
فليس كل انتصار أن ترد الألم بألم.
أحيانًا يكون الانتصار أن تخرج من الظلم،
دون أن تحمل الظلم في أخلاقك.
سيأتي يوم لا أتذكّر فيه تفاصيل ما فعلت،
لكنني سأذكر جيدًا الشخص الذي اضطررت أن أصبحه بعدك.
وربما…
حينها فقط، سأفهم أن بعض الناس لا يدخلون حياتنا ليبقوا،
بل ليتركوا درسًا مؤلمًا، ثم يرحلوا.
لكن الحكاية لم تنتهِ…
فما زال هناك ظالمٌ يظن أن الأيام ستحميه من أثر ما فعل.