الظلم لا يُنسى
4 دقائق قراءة · 732 كلمة
قبل أن تبدأ الحكاية…
هناك أسئلة لا تأتي لتبحث عن إجابة، بل تأتي لتوقظ شيئًا دفنّاه منذ سنوات.
وهناك أشخاص نغلق أبوابهم من حياتنا، ثم نظن أننا أغلقنا الحكاية معهم… حتى يأتي يومٌ ما، فتفتح الحياة الباب من جديد، لا ليعودوا، بل لتخبرنا أنهم رحلوا إلى الأبد.
فماذا لو جاءك الخبر؟
ماذا لو كنت تحمل في قلبك شيئًا لم تقله؟ غضبًا لم ينطفئ… عتبًا لم يُسمع… حقًا لم تسترده… ودعاءً قلته في لحظة قهر، ثم ندمت عليه بعد أن هدأ غضبك؟
ماذا لو جاءك أحدهم ذات صباح وقال لك:
"الشخص الذي ظلمك… مات."
هل ستبكي؟
هل ستشعر بالراحة؟
هل ستقول: أخيرًا أخذ الله حقي؟
أم ستصمت طويلًا، لأن الموت جاء قبل أن تعرف ماذا تريد منه بالضبط؟
قد تكتشف في تلك اللحظة أن الإنسان لا يخاف دائمًا من موت من ظلمه، بل يخاف أحيانًا من الأشياء التي ستموت معه.
اعتذار لم يصل. سؤال لم يُطرح. حقيقة لم تُعرف. كلمة كان يجب أن تُقال. وحكاية بقيت معلقة بين شخصين، ثم أغلقت الحياة بابها الأخير دون أن تمنحهما فرصة أخرى.
نحن نحب أن نقسم الناس بسهولة:
هذا ظالم… وهذا مظلوم.
لكن الحياة ليست دائمًا بهذه البساطة.
فقد يكون الظالم مظلومًا في حكاية أخرى. وقد يكون المظلوم قد ظلم شخصًا آخر دون أن يشعر. وقد يكون الإنسان الذي كسر قلبك، هو نفسه يحمل قلبًا مكسورًا لم يعرف كيف يداويه.
وهذا لا يجعل الظلم صوابًا.
ولا يجعل الأذى مقبولًا.
ولا يعني أن على المظلوم أن ينسى.
لكنه يجعلنا نتوقف قليلًا قبل أن نحكم على حكاية لم نرَ منها إلا صفحة واحدة.
هذه الرواية ليست دفاعًا عن الظالم.
وليست محاكمة للمظلوم.
إنها محاولة للنظر إلى الإنسان من الجهة التي لا يراها أحد.
إلى اليد التي تؤذي… والقلب الذي يتألم… والعين التي تبكي بعيدًا عن الناس… والشخص الذي يعتذر في داخله ألف مرة، لكنه لا يملك شجاعة الاعتذار.
هي رواية عن الذين قالوا:
"لن أسامح."
ثم مرّت السنوات.
وعن الذين قالوا:
"نسيت."
وكانوا يكذبون على أنفسهم.
وعن الذين انتظروا اعتذارًا حتى أصبح الاعتذار مستحيلًا.
وعن الذين ماتوا وهم يظنون أن الوقت طويل…
ثم اكتشفوا أن الحياة أقصر من كل ما نؤجله.
لم يكن الظلم دائمًا صفعة.
أحيانًا كان كلمة.
وأحيانًا كان تجاهلًا.
وأحيانًا كان بابًا أُغلق في وجه إنسان كان يحتاج فقط إلى أن يُقال له:
"أنا أصدقك."
الظلم لا يبدأ عندما يرفع أحدهم يده عليك، بل قد يبدأ قبل ذلك بكثير…
عندما يرى أحدهم وجعك ويقرر أن يتجاهله.
عندما يعرف أنك تتألم، ثم يستخدم موضع ألمك ليؤلمك أكثر.
عندما تعطي شخصًا سرًا، فيجعله سلاحًا عليك.
عندما تمنح أحدهم ثقتك، فيعيدها إليك مكسورة.
وعندما تقول:
"لا تفعل هذا، يؤلمني."
ثم يفعله مرة أخرى.
بعض الظلم لا يترك أثرًا على الجسد.
لكنّه يترك شيئًا أثقل في الروح.
شيئًا يجعل الإنسان يتغير دون أن يلاحظ الآخرون.
يصبح أكثر صمتًا.
أكثر حذرًا.
أقل ثقة.
ويبدأ في مراجعة كلماته قبل أن يقولها، ومشاعره قبل أن يشاركها، وأبوابه قبل أن يفتحها لأي شخص.
ليس لأنه ضعيف…
بل لأنه تعلّم أن بعض الأبواب حين تفتحها لمن لا يستحق، قد تحتاج سنوات حتى تستطيع إغلاقها.
اول جرح
كان يظن أن الجرح يلتئم عندما يتوقف عن النزيف.
ثم كبر…
واكتشف أن هناك جروحًا لا تنزف أصلًا.
جروحًا لا يراها الطبيب.
ولا يلاحظها الأصدقاء.
ولا تظهر في الصور.
لكنها تظهر في لحظة واحدة، عندما يسمع الإنسان كلمة تشبه الماضي، أو يمر بمكانٍ قديم، أو يتذكر وجهًا ظن أنه نسيه.
فتعود إليه المشاعر كاملة.
وكأن السنوات لم تمر.
وهنا فهم شيئًا لم يكن يعرفه من قبل:
الزمن لا يمحو كل شيء.
الزمن أحيانًا لا يفعل أكثر من أن يعلّمنا كيف نعيش ونحن نحمل ما حدث.
ولهذا، لا تقل لشخص:
"انسَ."
وأنت لا تعرف كم مرة حاول.
لا تقل له:
"الأمر انتهى."
فربما انتهى الأمر بالنسبة لك، لكنه بالنسبة إليه كان بداية شيء طويل.
وربما كان اليوم الذي نسيته أنت، هو اليوم الذي بدأ فيه شخص آخر يفقد ثقته بالعالم.
كان هناك دائمًا سؤال واحد يعود إليه:
لماذا فعل ذلك؟
لم يكن يبحث عن تبرير.
كان يبحث عن راحة.
كان يتمنى أن يجد سببًا يجعل ما حدث مفهومًا، لأن العقل أحيانًا يتعب من الأشياء التي لا يجد لها تفسيرًا.
كان يقول لنفسه:
ربما لم يقصد.
ربما كان غاضبًا.
ربما لم ينتبه.
ربما كنت مخطئًا.
ثم يعود السؤال نفسه:
لكن لماذا لم يتوقف عندما رأى أنني أتألم؟
وهذا هو الجزء الأصعب من الظلم…
أنك لا تتألم فقط مما حدث.
بل تتألم لأن شخصًا عرف أنك تتألم، ولم يتوقف.
بعض الجروح لا تؤلمك لأن من جرحك كان قاسيًا،
بل لأنها جاءت من شخصٍ كنت تظنه آخر من يمكن أن يؤذيك.
ومع مرور الأيام، تعلم المظلوم أن يصمت.
ليس لأنه نسي.
بل لأنه تعب من شرح شيء لا يستطيع أحد أن يشعر به كما شعر به.
تعب من قول:
"لقد آذاني."
ثم يسمع:
"ربما لم يقصد."
تعب من قول:
"لم أعد كما كنت."
ثم يسمع:
"أنت حساس أكثر من اللازم."
حتى أصبح الصمت أرحم من الكلام.
وهكذا…
بدأت الحكاية.
ليس بحادثة كبيرة.
ولا بموت.
ولا بخبر مفاجئ.
بل بجرح صغير ظن صاحبه أنه سينساه.
لكنه لم ينسَ.
ولم يكن يعلم أن هذا الجرح الصغير سيكبر معه، وأن الشخص الذي تسبب فيه سيعود يومًا إلى حياته بطريقة لم يتوقعها أبدًا…
ليس حيًا هذه المرة.
بل خبرًا.
خبرًا واحدًا…
سيجعله يقف أمام كل ما حاول الهروب منه، ويسأل نفسه للمرة الأولى:
"لو جاءك خبر وفاة شخص ظلمك… تسامحه؟"
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.