البيت الذي لا ينام
3 دقائق قراءة · 513 كلمة
الفصل الثاني: البيت الذي لا ينام
لم أخبر أحدًا بقراري.
انتظرت حتى غادر أبي إلى عمله، وحتى انشغلت أمي في المطبخ، ثم ارتديت معطفي الأسود ووضعت المفتاح والرسالة داخل حقيبتي.
كنت أعرف أنني أخالف رغبة أمي، لكنني كنت أعرف شيئًا آخر أيضًا: إذا بقيت في المنزل، فسوف أقضي بقية حياتي أعيش داخل أسئلة لا يملك أحد الشجاعة للإجابة عنها.
كان البيت الموجود في الصورة يقع في نهاية طريق قديم، بعيدًا عن الشوارع المزدحمة. احتجت إلى أكثر من ساعة حتى وصلت إلى المنطقة التي وصفها آدم في رسالته.
كلما اقتربت، شعرت بأن المكان يصبح أكثر هدوءًا.
لم تكن هناك أصوات أطفال، ولا سيارات تمر في الشارع، ولا حتى أصوات طيور. كانت الأشجار اليابسة تقف على جانبي الطريق كأنها حراس ينتظرون وصول شخص تأخر كثيرًا.
ثم رأيته.
البيت نفسه الذي ظهر في الصورة.
كان أكبر مما تخيلت، تحيط به أسوار مرتفعة، وتتدلى من شرفته أغصان نباتات جافة. أما نوافذه، فكانت سوداء كأنها عيون تراقب كل من يقترب.
توقفت أمام البوابة الحديدية.
أخرجت المفتاح من حقيبتي، لكنني لم أحتج إليه؛ فقد كانت البوابة مفتوحة قليلًا.
دفعتها ببطء.
صدر عنها صوت طويل جعلني ألتفت خلفي، إلا أن الشارع ظل خاليًا.
خطوت إلى الداخل.
كان الباب الرئيسي مغلقًا، لكن المفتاح الذي تركه آدم في الظرف استدار داخله بسهولة، وكأنه صُنع لهذا القفل تحديدًا.
انفتح الباب.
استقبلتني رائحة الغبار والخشب القديم، وتسلل ضوء خافت من النوافذ العالية إلى ردهة واسعة تتوسطها ساعة حائط متوقفة.
كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة وسبع عشرة دقيقة.
الوقت نفسه الذي وصلت فيه رسالة آدم.
رفعت هاتفي لألتقط صورة، لكنني سمعت صوتًا خلفي.
«كنت أعرف أنكِ ستأتين.»
استدرت بسرعة.
كان هناك رجل مسن يقف عند نهاية الممر. يرتدي معطفًا رماديًا، ويستند إلى عصا خشبية. لم أسمع خطواته، ولم أعرف كيف ظهر بهذه السرعة.
سألته بحذر:
«مين حضرتك؟»
نظر إليّ طويلًا، ثم قال:
«السؤال الأهم هو: أنتِ مين؟»
شعرت بالضيق.
«أنا مريم، وجاية أدور على أخويا.»
عندما سمع اسم آدم، تغير وجهه.
اقترب خطوة واحدة، ثم قال بصوت منخفض:
«إذن فقد وصلت الرسالة أخيرًا.»
تراجعت إلى الخلف.
«إنت تعرف آدم؟»
لم يجب مباشرة. أخرج من جيبه صورة قديمة، ووضعها في يدي.
كانت الصورة تجمع ثلاثة أشخاص أمام هذا البيت: أبي، والرجل المسن، وشخص ثالث لم أستطع رؤية وجهه بوضوح.
لكنني تعرفت إلى أبي فورًا.
كان أصغر سنًا، يقف مبتسمًا بجوار الرجل، وكأنهما صديقان قديمان.
رفعت رأسي.
«بابا كان هنا؟»
أغمض الرجل عينيه للحظة.
«والدكِ لم يأتِ إلى هذا البيت منذ سبع سنوات.»
«ليه؟»
فتح عينيه، وحدق في وجهي.
«لأنه في الليلة التي اختفى فيها أخوكِ، حدث شيء أقسم والدكِ ألا يتحدث عنه أبدًا.»
شعرت بأن قلبي يضرب بعنف.
«إيه اللي حصل؟»
أشار الرجل إلى السلم المؤدي إلى الطابق العلوي.
«كل الإجابات التي تبحثين عنها موجودة هناك. لكن قبل أن تصعدي، أريدكِ أن تتذكري شيئًا واحدًا.»
«إيه؟»
قال ببطء:
«ليس كل من مات قد رحل، وليس كل من بقي حيًا يستحق أن تثقي به.»
ثم ابتعد، واختفى خلف باب جانبي.
وقفت وحدي في الردهة.
كان بإمكاني العودة إلى المنزل، والتظاهر بأنني لم آتِ إلى هنا أبدًا.
لكنني لم أعد تلك الفتاة التي تخاف من الأسئلة.
صعدت السلم.
في نهاية الممر العلوي، وجدت سبعة أبواب متشابهة، وكان السادس منها يحمل خدشًا عميقًا على الخشب.
أما الباب السابع، فكان مختلفًا.
لم تكن له مقبض، ولا ثقب مفتاح، بل كُتبت عليه عبارة صغيرة:
«الغرفة لا تُفتح بالمفتاح، بل بالحقيقة.»
اقتربت منه، ولمست الخشب بأطراف أصابعي.
وفجأة، سمعت صوتًا من الداخل.
صوت رجل يهمس باسمي.
«مريم…»
تجمدت في مكاني.
كان الصوت يشبه صوت آدم.
ثم جاء الهمس مرة أخرى:
«لا تدخلي… لقد وصلوا قبلكِ.»
وفي اللحظة نفسها، سمعت الباب الرئيسي يُغلق في الطابق السفلي.
لم أكن وحدي في البيت بعد الآن.