غلاف رواية الأمنية الأخيرة الأمنية الأخيرةبقلم maria Alakkari فصل 2

الجثة التي لا تشبه صاحبها

6 دقائق قراءة · 1,123 كلمة

الفصل الثاني: الجثة التي لا تشبه صاحبها

لم تستطع ليان النوم تلك الليلة.

ظلت جملة واحدة تتردد في رأسها:

«أنا لم أمت في الحادث».

إذا كان والدها حيًّا، فمن الشخص الذي دُفن في قبره قبل ثلاث سنوات؟

ولماذا أخفى الجميع عنها هذه الحقيقة؟

في صباح اليوم التالي، قررت ليان الذهاب إلى المقبرة، لكنها لم تخبر أحدًا بما تنوي فعله. احتفظت بصورة الرسالة داخل حقيبتها، وأرسلت نسخة منها إلى خالتها، وطلبت منها أن تتصل بها إذا لم تسمع صوتها خلال ساعة.

لم تكن تريد التصرف بتهور، لكنها لم تستطع تجاهل احتمال أن يكون والدها حيًّا.

عندما وصلت إلى المقبرة، وقفت أمام قبره طويلًا.

كان اسمه محفورًا على اللوحة الرخامية:

خالد الخطيب — 1978–2023.

وضعت أصابعها على الاسم.

— إذا كنت حيًّا، فلماذا تركتني أعيش كل هذه السنوات وأنا أظن أنك مت؟

لم يجبها سوى صمت المكان.

أخرجت هاتفها، والتقطت صورة للقبر، ثم لاحظت شيئًا غريبًا.

كان تاريخ الوفاة محفورًا بعمق مختلف عن بقية الكتابة، وكأن أحدهم أعاد تعديله بعد وضع اللوحة.

اقتربت أكثر.

تحت التاريخ، لاحظت أثرًا باهتًا لرقم آخر.

لم تستطع قراءته.

وفجأة، سمعت صوت رجل خلفها:

— لا أنصحك بالبحث في شيء انتهى منذ سنوات.

استدارت بسرعة.

كان رجلًا مسنًّا يرتدي معطفًا رماديًّا، ويحمل باقة أزهار بيضاء.

سألته بحذر:

— هل تعرف أبي؟

نظر إلى القبر، ثم إليها.

— كنت أعرفه قبل أن يتعلم الناس نسيان اسمه.

— ماذا تقصد؟

وضع الأزهار قرب القبر.

— اسألي من وقّع شهادة الوفاة. ستجدين أن بعض الأوراق لا تقول الحقيقة كاملة.

ثم غادر دون أن يذكر اسمه.

راقبته ليان حتى اختفى بين القبور.

وبعد لحظات، وصلتها رسالة من رقم مجهول:

«لا تبحثي عن الجثة. ابحثي عمّن تعرّف إليها».

عادت ليان إلى المنزل، وبدأت تبحث عن نسخة من شهادة وفاة والدها.

كانت تحتفظ أمها القديمة ببعض الوثائق الرسمية داخل صندوق خشبي، لكن الصندوق اختفى بعد انتقال العائلة إلى منزلها الحالي.

اتصلت بخالتها، وسألتها إن كانت تعرف مكان الوثائق.

ساد الصمت للحظات قبل أن تجيب خالتها:

— ليان، هناك أشياء لم أخبرك بها لأنني ظننت أن نسيانها أفضل لك.

— هل تعرفين شيئًا عن وفاة أبي؟

تنهدت خالتها.

— أعرف أن الشرطة لم تسمح لنا برؤية الجثة في البداية. قالوا إن الحادث جعل التعرف إليها صعبًا، وإنهم اعتمدوا على فحوصات رسمية.

شعرت ليان بأن قلبها يخفق بسرعة.

— وهل رأيتِ تقرير الفحص؟

— لا. لكنني أتذكر أن رجلًا جاء إلى المنزل بعد الجنازة بيومين، وطلب من أمك توقيع ورقة.

— من كان؟

— لم أعرف اسمه. لكنه كان يرتدي خاتمًا فضيًّا عليه دائرة يتوسطها الرقم سبعة.

تجمّدت ليان.

الرمز نفسه الذي ظهر على باب الغرفة رقم 19، وعلى الرسائل المجهولة.

قالت خالتها بصوت منخفض:

— ليان، أرجوكِ، لا تتورطي في شيء لا تفهمينه.

أجابت ليان:

— أريد فقط أن أعرف الحقيقة.

أنهت المكالمة، ثم فتحت دفتر والدها القديم.

عادت إلى الأسماء السبعة.

آدم منصور.

نور السالم.

ليان الخطيب.

سيف مراد.

جنى رائد.

مالك ناصر.

رنا يوسف.

تحت القائمة، وجدت سطرًا صغيرًا لم تنتبه إليه من قبل:

«الشاهد السابع لم يكن حاضرًا عند البداية، لكنه كان حاضرًا عند النهاية».

قرأت العبارة أكثر من مرة.

من يكون الشاهد السابع؟

هل كان أحد الطلاب؟

أم أن القائمة تخفي معنى آخر؟

فتحت هاتفها، وكتبت أسماء الطلاب السبعة في محرك البحث، واحدًا تلو الآخر.

لم تجد شيئًا غير عادي، حتى وصلت إلى اسم رنا يوسف.

ظهرت أمامها نتيجة قديمة من موقع إخباري محلي.

عنوان الخبر:

«إغلاق مدرسة النخبة مؤقتًا بعد حادث غامض قبل ثلاث سنوات».

فتحت الخبر.

كان يتحدث عن حريق صغير اندلع في الجناح القديم من المدرسة، وتسبب في إصابة أحد الموظفين.

لكن اسم الموظف لم يُذكر.

وفي نهاية المقال، ظهرت صورة ضبابية لمدخل المدرسة.

في زاوية الصورة، وقفت فتاة تحمل حقيبة سوداء.

كانت تشبه نور.

في اليوم التالي، ذهبت ليان إلى المدرسة قبل بدء الدوام.

وجدت نور في المكتبة، جالسة أمام الحاسوب نفسه الذي كانت تستخدمه في اليوم السابق.

اقتربت منها ووضعت صورة الخبر على الطاولة.

— أريد تفسيرًا.

نظرت نور إلى الصورة، ولم تبدُ متفاجئة.

— أين وجدتِها؟

— هذا ليس مهمًّا. هل كنتِ هنا قبل ثلاث سنوات؟

أغلقت نور الحاسوب.

— نعم.

— هل كنتِ موجودة ليلة الحريق؟

لم تجب فورًا.

ثم قالت:

— كنت هنا، لكنني لم أتسبب في الحريق.

— لم أقل إنك تسببتِ فيه.

رفعت نور عينيها.

— لكنك تفكرين في ذلك.

جلست ليان أمامها.

— أريد أن أعرف ما الذي يجمعك بوالدي.

تغيّرت ملامح نور للمرة الأولى.

— والدك ساعدني يومًا، ثم اختفى قبل أن أتمكن من رد الجميل.

— كيف ساعدك؟

نظرت نور حولها، ثم أخرجت ورقة صغيرة من كتابها.

— وجدت هذا داخل الغرفة رقم 19 قبل وصولك بأيام.

فتحت ليان الورقة.

كانت تحمل رقم ملف رسمي:

19/07/23.

وتحته اسم شخص:

سليم ناصر.

لم تعرف ليان الاسم، لكن نور أضافت:

— كان مسؤولًا عن أرشيف المدرسة. اختفى بعد الحريق، ولم يعثروا عليه حتى الآن.

— وهل كان يعرف أبي؟

— كان آخر شخص اتصل بوالدك قبل الحادث.

شعرت ليان ببرودة تسري في جسدها.

أخرجت هاتفها وفتحت الرسالة القديمة التي وصلتها ليلة الحادث، وهي الرسالة التي احتفظت بها منذ ثلاث سنوات.

كانت تحتوي على رقم مجهول وجملة قصيرة:

«لا تثقي بالنتيجة التي سيعلنونها غدًا».

في ذلك الوقت، ظنت ليان أنها رسالة عشوائية.

أما الآن، فقد بدا لها أنها تحذير.

وقبل أن تتمكن من سؤال نور عن المزيد، انطفأت شاشة الحاسوب.

ثم ظهرت عليها عبارة بيضاء:

«تم حذف الملف».

رفعت نور رأسها بسرعة.

— لم ألمس شيئًا!

ظهرت عبارة أخرى:

«توقفي عن البحث، يا ليان».

ثم انطفأت الشاشة تمامًا.

ساد الصمت في المكتبة.

وفي الخارج، بدأ جرس المدرسة يرنّ.

لكن ليان لم تتحرك.

لقد أدركت أن الشخص الذي يرسل الرسائل لا يراقبها من بعيد فحسب.

بل يستطيع الوصول إلى الملفات التي تبحث فيها.

وكان يعرف ما تفعله في كل لحظة.

بعد انتهاء الدوام، اجتمع الطلاب الستة في الغرفة رقم 19، بناءً على رسالة وصلتهم جميعًا.

كان آدم أول من تحدث.

— اختفيت يومين لأنني اكتشفت أن أحدًا كان يدخل إلى حسابات الطلاب ويغيّر سجلاتهم. وعندما حاولت إبلاغ الإدارة، وجدت ملفًّا باسمي لم أكتبه.

سألته جنى:

— ماذا كان فيه؟

— اعتراف بأنني سرقت ملفات المدرسة.

قال سيف:

— وأنا وصلني ملف يتهمني بالغش في الامتحانات. كل شيء فيه بدا حقيقيًّا، حتى التوقيع.

أضاف مالك:

— شخص ما يريد أن يجعلنا نبدو مذنبين قبل أن نفعل أي شيء.

كانت رنا صامتة.

لاحظت ليان ذلك.

— رنا، هل تعرفين شيئًا؟

رفعت رنا رأسها ببطء.

— أعتقد أنني أعرف لماذا اختيرنا.

نظر الجميع إليها.

تابعت:

— قبل ثلاث سنوات، كنت أشارك في مشروع أرشفة سجلات المدرسة. عثرت على ملفات قديمة تتعلق بالحريق، وكان فيها اسم والد ليان.

— لماذا لم تخبريني؟ سألت ليان.

— لأنني لم أكن أعرف أنك ابنته. وعندما اكتشفت ذلك، اختفى الملف.

أخرجت رنا دفترًا صغيرًا من حقيبتها.

— لكنني نسخت صفحة واحدة قبل اختفائه.

فتحت الدفتر، وأرتهم الصفحة.

كانت تحتوي على أسماء سبعة أشخاص، لكن القائمة اختلفت عن القائمة التي وجدتها ليان في دفتر والدها.

ظهر فيها ستة أسماء معروفة.

أما الاسم السابع، فكان ممسوحًا بحبر أسود.

تأمل آدم الصفحة.

— من الذي كتب هذا؟

أجابت رنا:

— لا أعرف. لكنني أذكر شيئًا واحدًا. عندما أخذت الملف إلى مكتب المدير، قال لي إنني لم أرَ شيئًا، وإن عليّ نسيان الأمر.

سألت نور:

— وماذا فعلتِ؟

— احتفظت بالنسخة.

اقتربت ليان من الصفحة.

كان هناك أثر خفيف أسفل الحبر الأسود، كأن الاسم كُتب بقلم ضغط على الورق.

أخرجت هاتفها، ووجّهت ضوءه بزاوية منخفضة.

بدأت بعض الحروف تظهر.

حرف الميم.

ثم الألف.

ثم الراء.

تراجعت ليان خطوة.

كان الاسم الذي تحاول الحروف إظهاره هو:

مروان الخطيب.

اسم والدها.

لكن كيف ظهر اسمه في قائمة أُعدّت قبل وفاته بسنوات؟

وفي أسفل الصفحة، كانت هناك جملة أخيرة:

«المشارك الأول هو الوحيد الذي يستطيع إنهاء اللعبة».

رفعت ليان عينيها نحو الآخرين.

— أبي لم يكن مجرد ضحية.

لم يجبها أحد.

فقد أصبح واضحًا أن القصة التي ظنت أنها تعرفها كانت تخفي بداية أقدم بكثير.

وفي تلك اللحظة، وصل إشعار إلى هواتفهم الستة في الوقت نفسه.

«غدًا، ستُكشف الأمنية الأولى».

ثم ظهرت صورة لبوابة المدرسة.

وعلى البوابة، وقف رجل يرتدي معطفًا رماديًّا.

الرجل نفسه الذي رأته ليان في المقبرة.

لكن هذه المرة، كان وجهه واضحًا.

كان يحمل بطاقة موظف قديمة، وعلى البطاقة اسم:

سليم ناصر.

وتحت الاسم، صورة لشخص يشبه الرجل الذي دُفن بدلًا من والد ليان.

نهاية الفصل الثاني.