رسالة منتصف الليل
8 دقائق قراءة · 1,491 كلمة
الفصل الأول: رسالة منتصف الليل
لم تكن ليان تؤمن بالحظ، ولم تكن تؤمن بأن الأشياء تحدث من دون سبب.
كانت تعتقد أن لكل حادثة تفسيرًا، ولكل سرّ دليلًا، ولكل شخص حقيقة يحاول إخفاءها.
لكنها لم تكن تعرف أن الرسالة التي وصلتها في تلك الليلة ستجعلها تشكّ في كل ما تؤمن به.
بدأ كل شيء في صباح يوم الاثنين، عندما دخلت فتاة جديدة إلى الصف الثالث الثانوي في مدرسة النخبة الدولية.
كانت الفتاة ترتدي معطفًا أسود، وتحمل حقيبة صغيرة، وتبدو هادئة على نحو غريب.
توقّفت المعلمة أمام السبورة وقالت:
— هذه زميلتكم الجديدة، واسمها نور. أتمنى أن تساعدوها على التأقلم مع المدرسة.
رفعت نور عينيها نحو الطلاب.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم جلست في المقعد الأخير، بجانب النافذة.
لم يهتم أحد بوجودها كثيرًا، باستثناء ليان.
فقد لاحظت أن نور لم تنظر إلى المعلمة أو إلى الكتب أو حتى إلى زملائها.
كانت تحدّق في ساعة الحائط.
وكأنها تنتظر أن يحدث شيء في وقت محدد.
عند نهاية الحصة، اقتربت منها ليان.
— هل انتقلتِ إلى المدرسة حديثًا؟
أجابت نور:
— نعم.
— من أين أتيتِ؟
ابتسمت نور.
— من مكان لم يعد أحد يتذكره.
توقفت ليان عن الابتسام.
— ماذا تقصدين؟
أغلقت نور حقيبتها، ثم نظرت إليها مباشرة.
— ستفهمين قريبًا.
وغادرت الصف.
بقيت ليان واقفة مكانها، تشعر بأن الفتاة الجديدة تعرف شيئًا لا يعرفه الآخرون.
لكنها لم تتخيل أن ذلك كان أول تحذير.
في تلك الليلة، كانت ليان تجلس أمام مكتبها تحاول إنهاء واجباتها.
كان المنزل هادئًا، ولم يكن يُسمع سوى صوت عقارب الساعة.
عندما اقتربت الساعة من منتصف الليل، أضاء هاتفها فجأة.
وصلتها رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت تحتوي على صورة لبوابة مدرستها، وتحتها عبارة واحدة:
«لو استطعتِ تحقيق أمنية واحدة، فماذا ستطلبين؟»
قطبت ليان حاجبيها.
ظنت أن أحد أصدقائها يحاول المزاح معها، فكتبت:
«من أنت؟»
وصل الرد فورًا:
«لا يهم من أكون. المهم أن تجيبي بصدق».
ترددت ليان.
ثم كتبت، دون أن تفكر طويلًا:
«أتمنى أن أعرف من تسبب في الحادث الذي دمّر حياة عائلتي».
تغيّر وجهها.
لم تكن تتحدث عن الحادث مع أحد تقريبًا.
قبل ثلاث سنوات، تعرّض والدها لحادث سيارة غامض أدى إلى وفاته. أُغلقت القضية باعتبارها حادثًا مروريًا، لكن ليان لم تصدق النتيجة يومًا.
كانت هناك تفاصيل لم يستطع أحد تفسيرها.
كاميرا المراقبة التي تعطلت في اللحظة نفسها.
والشاهد الذي غيّر أقواله.
والرسالة التي وصلت إلى هاتف والدها قبل الحادث بدقائق.
لم يكن أحد يعرف أنها احتفظت بنسخة من تلك الرسالة.
اهتز الهاتف مرة أخرى.
«أمنيتك مقبولة».
ضحكت ليان بتوتر.
ثم أغلقت المحادثة ووضعت الهاتف جانبًا.
لكن بعد أقل من دقيقة، وصل إشعار جديد.
كانت صورة لورقة قديمة تحمل رقم القضية الخاصة بوفاة والدها.
وتحت الصورة كُتبت عبارة:
«الملف الذي تبحثين عنه موجود في المدرسة».
شعرت ليان بأن الدم انسحب من وجهها.
لم يكن الأمر مزحة.
الشخص الذي يراسلها يعرف سرًّا حاولت إخفاءه طوال ثلاث سنوات.
في صباح اليوم التالي، انتشر خبر غريب في المدرسة.
الطالب آدم منصور لم يحضر إلى الصف.
في البداية، لم يهتم أحد. كان آدم معروفًا بكثرة غيابه، وبأنه لا يتحدث مع زملائه إلا نادرًا.
لكن عندما دخل المدير إلى الصف وطلب من الطلاب تسليم هواتفهم مؤقتًا، بدأت الهمسات تنتشر.
قالت إحدى الطالبات:
— سمعت أن آدم اختفى من البيت البارحة.
ردّ طالب آخر:
— لا، أهله قالوا إنه خرج ولم يعد.
— وهل أبلغوا الشرطة؟
— أظن ذلك.
كانت ليان تستمع بصمت.
ثم فتحت هاتفها تحت الطاولة.
وجدت رسالة جديدة من الرقم المجهول.
«أمنية شخص واحد قد تغيّر حياة الجميع».
أعقبتها رسالة ثانية:
«هل تريدين معرفة ما حدث لآدم؟»
كتبت ليان بسرعة:
«أين هو؟»
جاء الرد:
«اسألي الشخص الذي يجلس أمامك».
رفعت ليان رأسها ببطء.
كان المقعد أمامها فارغًا.
لكن على سطحه، وُضعت ورقة صغيرة لم تكن موجودة قبل لحظات.
فتحتها.
كُتبت عليها جملة بخط يدوي:
«لا تثقي بنور».
التفتت ليان نحو المقعد الأخير.
كانت نور تجلس قرب النافذة، تقرأ كتابًا أسود لا يحمل عنوانًا.
رفعت نور عينيها فجأة.
التقت نظراتهما.
ثم أغلقت الكتاب، وابتسمت.
كأنها تعرف بالضبط ما قرأته ليان
بعد انتهاء الدوام، قررت ليان العودة إلى المدرسة.
لم تخبر أحدًا بما حدث، ولم ترغب في إشراك أصدقائها قبل أن تعرف حقيقة الرسائل.
كانت تملك نسخة قديمة من مخطط المدرسة، فقد شاركت قبل أشهر في نشاط طلابي تطلّب إعداد تقرير عن المبنى.
تذكرت أن هناك جناحًا قديمًا أُغلق قبل سنوات، بعد نقل الإدارة إلى مبنى جديد.
وكانت هناك غرفة لا تظهر في المخطط الحديث.
الغرفة رقم 19.
وصلت ليان إلى الممر القديم بعد أن تأكدت من خلوّه.
كان الباب مغطى بطبقة من الغبار، لكن القفل بدا جديدًا.
أخرجت هاتفها وصوّرت الباب، ثم لاحظت ورقة صغيرة ملتصقة بإطاره.
كانت تحمل رمزًا غريبًا: دائرة يتوسطها رقم سبعة.
وبجانب الرمز كُتبت كلمات:
«كل أمنية تبدأ بكذبة».
شعرت ليان بأن الرسالة وُضعت خصيصًا لها.
وفي اللحظة التي اقتربت فيها من الباب، سمعت صوتًا خلفها.
— كنت أعلم أنك ستأتين.
استدارت بسرعة.
كانت نور تقف في نهاية الممر.
— ماذا تفعلين هنا؟ سألت ليان.
اقتربت نور بهدوء.
— السؤال الصحيح هو: ماذا تفعلين أنتِ هنا؟
— هل أنتِ من يرسل الرسائل؟
لم تجب نور.
أخرجت من جيبها بطاقة صغيرة، ووضعتها في يد ليان.
ثم قالت:
— إذا فتحتِ هذا الباب، فلن تعودي قادرة على اعتبار ما حدث لوالدك مجرد حادث.
تجمدت ليان.
— من أين تعرفين أبي؟
اختفت الابتسامة عن وجه نور.
— لم أعرفه شخصيًا.
— إذن، كيف تعرفين ما حدث له؟
نظرت نور إلى الباب المغلق.
— لأن والدك لم يكن أول شخص يحاول كشف الحقيقة.
ثم استدارت لتغادر.
أمسكت ليان بذراعها.
— انتظري! من أنتِ حقًا؟
نظرت نور إلى يد ليان، ثم رفعت عينيها إليها.
— شخص تمنى أمنية، ودفع ثمنها شخص آخر.
أفلتت ذراعها وغادرت الممر.
بقيت ليان وحدها أمام الباب.
كانت البطاقة التي تركتها نور تحمل كلمة واحدة:
«الدخول».
لم تفتح ليان الباب في ذلك اليوم.
كانت تعرف أن الدخول إلى غرفة مجهولة داخل مدرسة مغلقة قد يعرّضها للخطر، فقررت البحث عن معلومات أولًا.
عادت إلى المنزل، وبدأت تتفحص الملفات القديمة التي احتفظت بها بعد وفاة والدها.
وجدت في أحد الصناديق دفترًا صغيرًا يعود إليه.
لم تكن قد قرأته من قبل؛ فقد ظنت أنه مجرد دفتر عمل.
لكن الصفحة الأخيرة احتوت على أسماء سبعة أشخاص.
آدم منصور.
نور السالم.
ليان الخطيب.
سيف مراد.
جنى رائد.
مالك ناصر.
ورنا يوسف.
حدّقت ليان في القائمة.
كانت الأسماء الستة الأخرى تعود إلى طلاب في مدرستها الحالية.
أما اسمها، فكان محاطًا بدائرة حمراء.
وتحته جملة مكتوبة بخط والدها:
«إذا اجتمع السبعة، فستبدأ الأمنية الأخيرة».
قلبت الصفحة.
وجدت تاريخًا يعود إلى أسبوع قبل وفاة والدها.
وبجانب التاريخ، كانت هناك ملاحظة قصيرة:
«الغرفة 19 ليست غرفة. إنها بداية اللعبة».
شعرت ليان بقشعريرة تسري في جسدها.
لم تكن تعرف ما الذي يجمع هؤلاء الطلاب بوالدها.
لكنها أدركت أن اختفاء آدم لم يكن حادثة منفصلة.
كان جزءًا من شيء أكبر.
شيء بدأ قبل ثلاث سنوات، وربما قبل ذلك بكثير.
وفي اللحظة التي أغلقت فيها الدفتر، أضاء هاتفها مجددًا.
رسالة جديدة.
«لقد عرفتِ الأسماء السبعة».
ثم:
«بقي أن تعرفي لماذا اختيرتِ أنتِ».
فتحت ليان الرسالة التالية.
كانت صورة حديثة لها، التُقطت من خلف نافذة منزلها.
وفي أسفل الصورة، كُتبت العبارة التي جعلت قلبها يخفق بعنف:
«أمنيتك الأولى تحققت».
في صباح اليوم التالي، وصلت ليان إلى المدرسة قبل الجميع.
لم تكن تريد أن تخبر الشرطة قبل أن تفهم طبيعة ما يحدث، لكنها احتفظت بكل الرسائل والصور، وأرسلت نسخة منها إلى شخص تثق به من عائلتها.
ثم توجهت إلى الممر القديم.
كانت الغرفة رقم 19 مفتوحة.
توقفت أمامها، وأصغت.
لم تسمع أي صوت.
دخلت بحذر.
كانت الغرفة فارغة تقريبًا، باستثناء طاولة في المنتصف وسبعة كراسٍ مرتبة حولها.
على الطاولة وُضعت سبعة أظرف سوداء.
يحمل كل ظرف اسم أحد الطلاب.
اقتربت ليان من الظرف الذي يحمل اسمها.
فتحته.
في داخله صورة لوالدها، ورسالة قصيرة:
«ليان،
إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أن أحدهم أعاد تشغيل النظام.
لا تصدقي أن الأمنيات تتحقق من تلقاء نفسها.
هناك دائمًا شخص يختار، وشخص يدفع الثمن.
والأخطر من الجميع هو الشخص الذي يجعلك تظنين أنك صاحبة القرار.
لا تبحثي عن الشخص الذي يحقق الأمنيات.
ابحثي عن الشخص الذي يكتبها».
سمعت ليان صوت باب يُغلق خلفها.
استدارت.
كانت نور تقف عند المدخل.
لكنها لم تكن وحدها.
وقف خلفها خمسة طلاب، جميعهم يحملون أظرفًا سوداء تشبه ظرف ليان.
ستة أشخاص.
والشخص السابع كان آدم.
كان يقف في آخر الممر، شاحب الوجه، لكنه حيّ.
حدّقت ليان فيه بذهول.
— آدم؟ أين كنت؟
لم يجبها.
اقترب من الطاولة ووضع ظرفه بجانب الأظرف الأخرى.
ثم قال بصوت منخفض:
— لم أختفِ لأن أحدًا أخذني.
نظر إلى نور.
— اختفيت لأنني اكتشفت ما الذي يحدث عندما تتحقق الأمنية.
ساد الصمت.
رفعت نور كتابها الأسود ووضعته على الطاولة.
فتحته على الصفحة الأولى.
كانت هناك قائمة طويلة بأسماء أشخاص، وبجانب كل اسم أمنية مكتوبة بخط اليد.
قالت نور:
— منذ سنوات، يختار شخص مجهول سبعة أشخاص. يرسل إليهم سؤالًا واحدًا: ماذا تتمنون؟
— ثم ماذا يحدث؟ سألت ليان.
أجاب آدم:
— تتحقق بعض الأمنيات، لكن بطريقة لا يتوقعها أصحابها. ويبدأ كل واحد منهم بالاعتقاد أن شخصًا آخر هو المسؤول.
— ومن يختار الأمنيات؟
نظرت نور إلى ليان.
— هذا ما نحاول اكتشافه.
في تلك اللحظة، أضاءت شاشة صغيرة على الجدار.
ظهرت عليها سبعة أسماء.
ثم ظهرت عبارة:
«اكتملت المجموعة».
وتحتها سؤال جديد:
«إذا كان بإمكانك محو أمنية واحدة، فأي أمنية ستختارين؟»
لم يكتب أحد شيئًا.
ثم ظهرت رسالة أخيرة:
«هذه المرة، لن تكون هناك فرصة ثانية».
انطفأت الشاشة.
وبقي السبعة في الغرفة، يدركون أن ما بدأ برسالة مجهولة لم يكن لعبة عابرة.
كان سرًا يربطهم جميعًا.
وكانت ليان وحدها تملك الدليل الذي قد يكشف من بدأ كل شيء.
أخرجت صورة والدها من الظرف، وقلبتها.
على ظهرها، وجدت كتابة لم تنتبه إليها من قبل:
«ابحثي عن الاسم الذي لا يظهر على القائمة».
رفعت ليان رأسها.
كان هناك سبعة أسماء على الشاشة.
لكنها تذكرت أن والدها كتب أسماء سبعة أشخاص أيضًا، قبل وفاته.
أعادت النظر إلى القائمة القديمة في دفتره.
ثم فهمت.
لم يكن هناك شخص ثامن مفقود.
بل كان هناك شخص لم يُسجّل اسمه منذ البداية.
شخص يعرفهم جميعًا.
شخص اختار أمنياتهم.
وشخص كان يراقبهم منذ سنوات.
رنّ هاتف ليان.
وصلتها رسالة جديدة من الرقم المجهول.
«أهلًا بكِ في اللعبة، يا ابنة الرجل الذي بدأها».
رفعت عينيها نحو نور.
للمرة الأولى، لم تكن نور تبتسم.
كانت تنظر إلى الباب المفتوح خلف ليان، وكأنها رأت شيئًا جعلها تفقد قدرتها على الكلام.
استدارت ليان ببطء.
كان هناك شخص يقف في الممر.
لم يظهر وجهه، ولم يتكلم.
فقط وضع ظرفًا أسود على الأرض، ثم غادر.
اقتربت ليان من الظرف.
كان يحمل اسمًا واحدًا:
«صاحب الأمنية الأخيرة».
فتحت الظرف.
وفي داخله، وجدت ورقة تحمل صورة والدها، وتحتها جملة قصيرة:
«أنا لم أمت في الحادث».
تجمّدت ليان في مكانها.
وفي اللحظة نفسها، وصلتها رسالة أخيرة:
«غدًا، ستعرفين من أنا».
لم يكن هناك توقيع.
لكن أسفل الرسالة، ظهر رمز الدائرة التي يتوسطها الرقم سبعة.
الرمز نفسه الذي وجدته على باب الغرفة رقم 19.
أغلقت ليان يدها حول الورقة.
كانت تعرف أن عليها إخبار شخص بالغ تثق به والجهات المختصة بما اكتشفته، وأنها لن تذهب لمواجهة المجهول وحدها.
لكن سؤالًا واحدًا ظلّ يلاحقها:
إذا كان والدها لم يمت...
فمن الذي دُفن في قبره؟
نهاية الفصل الأول.