في عرين الوحشبقلم ستيلاريا فصل 2

في عرين الوحش

4 دقائق قراءة · 679 كلمة

كانت ستيلاريا تسير بين الأزقة الضيقة المبللة بمطر الليل، خطواتها سريعة ومتسارعة، وكأنها تهرب من شيء لا يمكنها حتى رؤيته. كانت الرياح تتلاعب بشعرها الأسود الطويل، والعتمة تعانقها كما لو كانت جزءًا منها، لكنه لم يكن الخوف ما يسيطر عليها. كان شعور غريب من القلق يتسرب إلى قلبها، كأنها كانت تلاحق شيئًا... أو شيء كان يلاحقها.

في تلك اللحظة، شعرت بشيء مختلف في الأجواء. تغيرت الرياح فجأة، وحمل الهواء في طياته رائحة غريبة، رائحة دماء قديمة وكريهة، حتى أنها كانت تثير الغثيان. وقفت مكانها للحظة، تحاول أن تعقل ما يحدث حولها. قلبها بدأ ينبض بسرعة، وكان هناك شيء في قلبها يخبرها أن كل شيء قد تغير.

ثم، ظهر في الظلام.

كانت الظلال تتراقص في الأفق، وكل شيء بدا وكأنما يعتم أكثر وأكثر. لكن بين الظلال، كان هناك شكل ما يتحرك نحوها بسرعة. تنبهت، واستدارت، وعيناها تحدقان في الفراغ المظلم، قبل أن يظهر منه ذلك الكائن. كان طويلاً، وقامته تبدو كأنه عملاق يختبئ في أفق الليل، وجهه نصف مختفٍ في الظلال، لكن عيناه... تلك العينان، كانت تلمعان بلون الأحمر القاتم، يشع منهما شيء غير بشري، شيء يجعل جسدها يتصلب في مكانه.

"أنتِ... أنتِ... من تكونين؟" قال إسكاڤيير صوته هادئًا، لكن من خلاله كان يعلو شيء من الغموض والتهديد.

لكن ستيلاريا لم تُجبه على الفور، بل لمست يدها الحافة الحادة في جيبها، استعدادًا لما قد يحدث. رغم أنها كانت تعرف جيدًا ما هو، لكن لم يكن لديها الوقت للتحليل، وكانت الغريزة تطغى على كل شيء.

"ماذا تريد مني؟" قالت، صوتها لا يخلو من التوتر، رغم أنها كانت تحاول أن تبدو هادئة، "أنا مجرد بشرية، لا علاقة لي بعالمك."

ضحك إسكاڤيير بشكل مكتوم، ضحكة غير بشرية، وكأنها تخرج من أعماق الجحيم نفسه. "بشرية؟" قال بنبرة ساخرة، "هل تظنين أنني لا أرى ما في داخلكِ؟"

تراجع للحظة، ثم عاد يتقدم نحوها بخطوات ثابتة. شعرت برغبة عارمة في الهروب، لكن شيئًا في عينيه كان يوقفها. كانت العيون الحمراء تغريها بشيء غامض، شيء يجعلها تعتقد أن هذا ليس مجرد مصاص دماء عادي. كان هناك شيء آخر، شيء أعمق.

"أنتِ تحملين شيئًا داخلكِ، شيء أقوى مما تتصورين، أليس كذلك؟" قال وهو يقترب أكثر، وعيناه لا تفارقانها.

"ماذا تعني؟" كانت تحاول أن تبقى هادئة رغم الاهتزازات التي بدأ قلبها يشعر بها. "أنت تتحدث عن سر لا أعرفه."

أغمض عينيه للحظة وكأنما يستمتع بالألم الذي يتسرب إلى قلبها. "أنتِ لستِ مجرد بشرية، ستيلاريا. أنتِ أكثر من ذلك بكثير. أنتِ جزء من شيء أكبر مما يمكنكِ تخيله. والآن، سأخذك إلى حيث يجب أن تذهبين."

"إلى أين؟" تساءلت، مغلفًا القلق صوتها.

"إلى العرين." كانت كلماته واضحة ومبهمة في نفس الوقت، وعيناه تغرقان في عمق عينيها، كأنهما يريدان أن يستكشفا أعماقها.

"ما هو العرين؟" سألته، على الرغم من أنها شعرت أن الجواب كان أكثر من مجرد مكان.

وقف للحظة، ثم تراجع قليلاً، متمعنًا في تفاصيل وجهها كما لو كان يقرأ فصولًا مخفية من كتاب قديم. "العرين هو مكان لا يمكن لأحد أن يهرب منه. هو حيث يكمن الوحش في داخلكِ... وحيث تصبحين أكثر مما تظنين."

"إذا كنتَ تتحدث عن وحش، فربما أنا الوحش الذي يجب أن يخاف منك!" ردت ستيلاريا بحدة، محاولة أن تظهر قوة لم تكن تعرف إذا كانت تمتلكها فعلاً.

ابتسم إسكاڤيير ابتسامة خفيفة، لكن ابتسامته كانت تحمل شيئًا مأساويًا، كأنها تحكي قصة من جروح قديمة. "لا تخافي... أنتِ لستِ الوحش هنا. نحن فقط ضحايا ما صنعناه. لكنكِ لن تعرفي الحقيقة إلا عندما تواجهينها."

ثم أضاف، بنبرة أكثر جدية: "هل كنتِ تتوقعين أن تظلي مجرد بشرية في هذا العالم؟ هل كنتِ تظنين أن حياتكِ ستظل كما هي؟ هذا العالم... لا يرحم. ولا نحن."

شعرت ستيلاريا بأن قلبها يتسارع أكثر فأكثر. كانت الكلمات التي خرجت من فم هذا الكائن الغريب تحمل سحراً قديمًا، كان يثقل على عقلها. كان يعلم أشياء عنها لم تكن هي نفسها تعلمها. كان يعرف سرها، أو ربما كان يظن ذلك.

"إذاً، ماذا تريدني أن أفعل؟" قالت، وهي تحاول أن تجتمع شتات نفسها.

"تأخذين القرار... ولكن لا وقت لديكِ." قالها وهو يقترب منها حتى أصبح وجهه على بعد شبر من وجهها. "إما أن تكونين جزءًا من هذا العالم... أو أن تدفني نفسك في مكانك الذي جئتِ منه. الخيار بيدك."

ثم التفت، وبدأ يبتعد. "أمّا أنا، فسيظل الظلام دائمًا في انتظاري."

توقف لبضع لحظات، وكأنه في صراع داخلي، ثم أضاف: "أنتِ لم تلتقي بي بعد. ولكنكِ ستفعلين. قريبًا."