التوقيع الرابعبقلم John فصل 2

عبق القهوة

3 دقائق قراءة · 543 كلمة

قبل أسبوع

كانت رائحة القهوة المحترقة أول ما يلفت الانتباه في تلك الغرفة، لا لأنها قوية، بل لأن أحدًا لم يكلّف نفسه عناء إيقاف الغلاية منذ ساعتين. استلّ خالد السلك من المقبس دون أن يقاطع حديثه، وكأن يديه تعملان بذاكرة مستقلة عن تركيزه.

— البند الثالث مريب، يجب تحويل المعاملة لقسم الاستشارات لتدقيقها، قالها وهو يقلّب الصفحات بسرعة ليضعها على مكتب مازن، وكأنه يوجّه المهمة له ضمنيًا.

— ثلاث ساعات ضاعت على مرجع واحد كان بإمكاننا تجاوزه والمتابعة ببساطة، قالها مازن بشيء من التهكم.

لم يتابع خالد حديثه فورًا. ترك صمتًا قصيرًا، كافيًا بالضبط ليُفهم أنه سمع الجملة ووزنها، لا أنه تجاهلها.

— كنا سنتجاوزه، فعلًا، لو كان القسم الثالث مجرد حشو. ونظر إلى مازن مباشرة. — لكنه الجزء الذي سيُقرأ أولًا. أنت تعرف هذا أكثر مني.

توقف مازن عن الكلام لحظة، وشيء في فكّه ارتخى قليلًا، اعتراف متوارٍ لم يُرد أن يمنحه له.

وفي الطرف الآخر من الطاولة، لاحظ انغماس هبة الشديد أمام الحاسبة وهي تعيد تكرار عملية ما مرارًا، وكأنها تأبى تصديق الناتج.

— هبة. قالها بهدوء، لا كسؤال، بل كدعوة. — الرقم لن يتغيّر بإعادة ضربه.

رفعت رأسها، وفوجئت قليلًا أنه لاحظ.

— الميزانيهْ لن تكفي الأشهر الثلاثة التي يطلبها القسم الرابع، تابع خالد. — سواء حسبتها مرة أو عشرًا.

— سنجد حلًا لهذا، لكنه قرار يخصّ أربعتنا، قالها وعيناه على كرسي مغيث الفارغ.

دخل مغيث أخيرًا، هاتفه لا يزال في يده، والعرق ينساب من جبهته، واحمرار وجنتيه يشي بأنه صعد الدرج ركضًا، ووجهه يحمل تلك الابتسامة التي لا تتغيّر أبدًا مهما كان الخبر.

— اتصلتُ بالموزّع، يقول إنه سيحاول.

— «سيحاول» ليست «نعم». قالها مازن بشيء من الرعونة.

— أعرف، لكن لا داعي لتعقيد الأمور أكثر مما هي عليه الآن، قاطعهم خالد بنبرة محايدة.

— تعقيد الأمور؟ كرر مازن الجملة بنبرة من يمضغ كلمة لا تُعجبه طعمها، ألقى قلمه على الطاولة فجأة فارتدّ بصوت معدني حاد. — نحن نتحدث عن موزّع لا يملك قرار «نعم» أو «لا» بسيطًا قبل أيام معدودة من التسليم، وأنت تطلب مني ألا أُعقّد؟

لم يرفع خالد عينيه عنه.

— أطلب منك ألا تجعل التوتر وظيفة إضافية علينا جميعًا، نعم.

كانت هبة قد توقفت عن الكتابة منذ دخل مغيث، تراقب الاثنين دون أن تتدخل، ونماذجها مبعثرة على الطاولة.

مدّ مغيث يده إلى إحدى أوراقها أمامه، رفعها ثم أعادها إلى مكانها دون أن يقرأ: حركة فارغة، كمن يحتاج شيئًا يفعله بيديه أكثر من حاجته للجدال، ونطق:

— سيصل الطلب. أنا واثق.

— لا أحد سألك عن ثقتك، قالها مازن، ونظر إليه مباشرة للمرة الأولى منذ دخوله. — سألناك عن تأكيد.

صمت قصير.

هبة أسندت ذقنها على كفّها، وعيناها تنتقلان بين الاثنين بفضول من يُشاهد شيئًا تكرر كثيرًا ولم يعد يُدهشها، لكنها لا تزال تُتابعه.

— منفعة النية الحسنة هو كل ما نملكه الليلة، ردّ مغيث أخيرًا، وابتسامته لم تهتز.

ارتسمت على وجه مازن نظرة أخرى تمامًا، أضيق، أكثر برودًا.

— لأن التأكد من أن كل مهمة ستتم حتمًا، يا صديقي، هو ما يدفع إيجار شقتك.

— كفى. لم يرفع خالد صوته، لكن الكلمة قطعت الغرفة كحافة سكين. طوى الورقة التي كان يحملها نصفين بدقة، كأن الحركة نفسها جزء من الجملة. — المشروع يعني أربعتنا، ويهم كل واحد في هذه الغرفة بالقدر نفسه.

— لكن لا أحد منكم سيحلّ مشكلة الموزّع بالجدال. هبة، كم يومًا نملك فعليًا لو تأخر؟

رفعت هبة عينيها عن الطاولة، وترددت قبل أن تُجيب، ليس لأنها لا تعرف، بل لأنها تعرف جيدًا، ولم تكن الإجابة ستسعد أحدًا.

— يومان. ثم نبدأ بالتأخير عن المالية.

نظر خالد إلى الساعة المعلّقة خلف ظهر مازن، صامتًا، وكأنه يُجري في رأسه حسابًا لا يرغب أن يُشاركه بصوت عالٍ بعد.