أسئلة لا تنتهيبقلم سارة الصالح فصل 2

الفصل الأول

4 دقائق قراءة · 611 كلمة

هل يحتاج الإنسان إلى صدمة كي يستفيق؟

هناك أشياء نعرفها، لكننا لا نعيش وفق معرفتنا بها.

نعرف أن الوقت يمضي، ومع ذلك نؤجل ما نريد فعله وكأن أمامنا عمرًا لا ينتهي.

نعرف أن بعض الأشخاص يؤذوننا، ومع ذلك نمنحهم فرصة أخرى، ثم أخرى، وكأن المرة القادمة ستكون مختلفة.

نعرف أن بعض الطرق لا تقود إلى المكان الذي نريده، ومع ذلك نستمر في السير فيها، ليس لأننا نجهل نهايتها، بل لأننا نخاف من الاعتراف بأننا أضعنا وقتًا طويلًا في الاتجاه الخطأ.

ثم يحدث شيء.

شيء لا نستطيع تجاهله.

مكالمة في منتصف الليل.

خبر لم نكن مستعدين لسماعه.

رحيل شخص ظنناه باقياً.

خيانة تكشف لنا حقيقة حاولنا طويلًا ألا نراها.

أو لحظة صغيرة جدًا، لكنها تأتي في المكان المناسب من داخلنا، فتسقط فجأة كل التبريرات التي بنيناها حول حياتنا.

وفي تلك اللحظة، نستيقظ.

ليس لأننا تعلمنا شيئًا جديدًا، بل لأننا شعرنا أخيرًا بما كنا نعرفه منذ زمن.

وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا:

هل يحتاج الإنسان فعلًا إلى صدمة حتى يستفيق؟

ربما لا.

فالإنسان يستطيع أن يتغير بالقراءة، بالتأمل، بالنصيحة، بمراقبة تجارب الآخرين، أو حتى بمجرد لحظة صدق مع نفسه.

لكن المشكلة أن المعرفة غالبًا تبقى بعيدة عنا.

يمكنك أن تقرأ مئة صفحة عن الموت، ولن تشعر بما يعنيه الفقد كما تشعر عندما يصبح الكرسي الذي اعتاد شخص ما الجلوس عليه فارغًا.

يمكنك أن تقرأ عشرات النصوص عن قيمة الوقت، لكن دقيقة واحدة قد تصبح أغلى من كل تلك الكلمات عندما تدرك أنك أضعت فرصة لن تعود.

هناك فرق بين أن تفهم الفكرة وأن تصبح الفكرة جزءًا منك.

والصدمة، في بعض الأحيان، تصنع هذا الانتقال بعنف.

تأخذ فكرة كانت تعيش في رأسك وتضعها أمام عينيك.

فجأة، لا يعود الفقد مفهومًا تقرأ عنه، بل يصبح غيابًا.

ولا يعود الندم كلمة، بل يصبح شيئًا تشعر بثقله.

ولا تعود الحقيقة احتمالًا، بل تصبح واقعًا لا تستطيع التفاوض معه.

لكن هل كل صدمة توقظ الإنسان؟

لا.

وهذه ربما النقطة التي نتجاهلها عندما نتحدث عن الألم وكأنه معلم حكيم دائمًا.

الألم لا يضمن الحكمة.

قد يجعل شخصًا أكثر رحمة، وقد يجعل آخر أكثر قسوة.

قد يدفع أحدهم إلى إعادة بناء نفسه، بينما يدفع آخر إلى إغلاق كل الأبواب أمام العالم.

قد يقول شخص بعد تجربة مؤلمة:

«لن أسمح لأحد أن يفعل بي هذا مجددًا.»

ويقول آخر:

«لا أريد أن أجعل ما حدث لي سببًا لأصبح شخصًا لا أريده.»

التجربة واحدة.

لكن النتيجة ليست واحدة.

ولعل السبب أن الإنسان لا يستقبل التجربة وهو صفحة بيضاء.

نحن ندخل كل تجربة محملين بما سبقها.

طفولتنا.

علاقاتنا.

خساراتنا القديمة.

الصورة التي نحملها عن أنفسنا.

والأشياء التي تعلمناها عن الحب والثقة والخوف والنجاة.

كل ذلك يشكل عدسة نرى من خلالها ما يحدث.

ولهذا قد يرى شخص الخيانة دليلًا على أن لا أحد يستحق الثقة، بينما يراها آخر دليلًا على أن عليه أن يختار من يثق بهم بعناية أكبر.

قد يرى أحدهم الفشل دليلًا على أنه غير قادر.

ويراه آخر دليلًا على أن الطريق الذي اختاره لم يكن مناسبًا له.

وقد يرى شخص الفقد نهاية حياته كما عرفها، بينما يراه آخر بداية لحياة لم يكن مستعدًا لها، لكنه اضطر أخيرًا إلى بنائها.

إذن، ربما لا يكون السؤال:

«ماذا فعلت بنا الصدمة؟»

بل:

«ماذا فعلنا نحن بما فعلته بنا الصدمة؟»

لأننا لا نملك دائمًا اختيار ما يحدث لنا.

لكن هناك مساحة، مهما كانت صغيرة، بين الحدث وبين استجابتنا له.

وفي هذه المساحة يحدث شيء بالغ الأهمية:

الاختيار.

قد لا نختار الجرح، لكننا نختار إن كان سيصبح جدارًا أم نافذة.

قد لا نختار الخذلان، لكننا نختار إن كان سيعلّمنا الحذر أم يمنعنا من الحب.

قد لا نختار الفقد، لكننا نختار إن كان غياب شخص ما سيجعلنا نفقد أنفسنا معه.

وهذا لا يعني أن الإنسان يستطيع دائمًا أن يكون قويًا.

أحيانًا ننكسر.

وأحيانًا لا نعرف ماذا نفعل.

وأحيانًا نحتاج وقتًا طويلًا جدًا قبل أن نفهم ما حدث.

وهذا ليس فشلًا.

فالاستيقاظ نفسه لا يعني أن كل شيء أصبح واضحًا.

ربما يعني فقط أنك لم تعد قادرًا على الاستمرار في الكذبة نفسها.

أن ترى شيئًا كنت ترفض رؤيته.

أن تعترف بأنك تغيرت.

أن تدرك أن الشخص الذي كنت عليه قبل التجربة لم يعد موجودًا تمامًا.

وأن تسأل للمرة الأولى، بصدق:

إذا لم أستطع تغيير ما حدث لي، فماذا أريد أن أفعل بما حدث لي؟

ربما هنا يبدأ التغيير الحقيقي.

ليس عندما نتوقف عن الألم.

بل عندما نتوقف عن السماح للألم بأن يختار عنا من سنصبح.