عيون لا ترحمبقلم نور الظلام فصل 2

عيون لا ترحم

6 دقائق قراءة · 1,097 كلمة

📖 عيون لا ترحم

بقلم: نور الظلام

الفصل الثاني

الاسم الذي لا تعرفه

ظلت ليان واقفة مكانها، والهاتف بين يديها، كأن الزمن توقف فجأة.

الاسم الذي ظهر على الشاشة لم يكن مجرد اسم غريب…

كان إحساس كامل بالخوف.

هيثم.

اسم لم تسمعه من قبل…

أو هكذا كانت تقنع نفسها.

رن الهاتف مرة…

مرتين…

ثلاثة…

لكنها لم تستطع أن ترد.

كانت عيناها معلقتين بالشاشة، وقلبها يدق بعنف حتى شعرت أنه سيفضح ارتباكها لكل من في البيت.

وفجأة…

انقطع الاتصال.

تنفست بعمق، لكن أنفاسها لم تكن مستقرة.

مدّت يدها بسرعة وفتحت سجل المكالمات.

رقم مجهول.

رفعت حاجبيها بصدمة.

— "كيف؟"

قبل لحظات ظهر الاسم واضحًا أمامها…

والآن عاد الرقم مجهولًا كأن شيئًا لم يحدث.

بلعت ريقها، وحاولت تهدئة نفسها.

— "أكيد في خلل… أكيد."

لكن حتى صوتها الداخلي لم يكن مقنعًا.

جلست على طرف السرير وهي تعيد قراءة الرسالة:

"ظننتِ أنكِ نسيتِ الماضي… لكن الماضي لا ينسى."

كلمات قصيرة…

لكنها دخلت قلبها كأنها تعرف تمامًا أين تضرب.

الماضي.

كلمة وحدها كانت كافية تجعل صدرها يضيق.

كأنها باب قديم ظلت تقفله سنين…

وجاء شخص الآن ليفتحه بالقوة.

أغلقت الهاتف بعصبية، ورمته بجانبها.

— "أنا ما عندي ماضي يخص زول غريب."

لكنها كانت تعرف…

أنها تكذب على نفسها.

في صباح اليوم التالي،

استيقظت ليان متأخرة، بعينين متعبتين من السهر.

لم تنم جيدًا أبدًا.

كلما أغمضت عينيها، عادت لها الرسالة… وعاد الاسم.

هيثم.

لبست بسرعة ونزلت الصالة، لقت أمها تجهز الفطور.

نظرت نوال إليها بقلق: — "ما نمتي كويس؟"

جلست ليان وهي تمسك كوب الماء: — "عادي."

رفعت نوال حاجبها: — "ليان… أنا أمك."

صمتت ليان للحظة، ثم قالت وهي تتجنب النظر إليها: — "بس صداع."

راقبتها نوال لثوانٍ طويلة، وكأنها تريد أن تقول شيئًا…

لكنها تراجعت في آخر لحظة.

— "خلي بالك من نفسك."

هزت ليان رأسها وسحبت شنطتها: — "أنا ماشّة."

لكن قبل أن تخرج،

سمعت صوت أمها من خلفها:

— "لو في شيء ضايقك… ما تخبيه."

توقفت يدها على مقبض الباب.

لثانية واحدة فقط…

شعرت أن أمها تعرف.

لكنها لم تلتفت.

— "ما في شيء."

وخرجت.

في الجامعة،

كانت ريناد تنتظرها عند البوابة، كعادتها، لكن هذه المرة كانت تحمل على وجهها ابتسامة واسعة جدًا.

— "أخيرًا جيتي! عندي ليك خبر."

قالت ليان بملل: — "لو الخبر عن الدكتور الملل دا، ما دايراه."

ضحكت ريناد وهي تسحبها من يدها: — "لا يا أختي… الخبر عن الزول الجديد."

توقفت ليان لا إراديًا.

— "شنو فيه؟"

رفعت ريناد حاجبيها بخبث: — "آهاااا… يعني مهتمة؟"

— "ريناد."

ضحكت بسرعة: — "خلاص خلاص… اسمو هيثم."

تجمدت ليان مكانها.

للحظة،

كل الأصوات حولها اختفت.

الطلاب… السيارات… ضحكة ريناد…

كل شيء صار بعيدًا جدًا.

قالت بصوت منخفض: — "شنو؟"

استغربت ريناد من تغير ملامحها: — "اسمو هيثم… ليه؟"

شعرت ليان ببرودة تسري في أطرافها.

هيثم.

نفس الاسم.

نفس الاسم الذي ظهر الليلة الماضية على الشاشة.

رفعت عيونها ببطء نحو ريناد: — "من وين عرفتي اسمو؟"

— "البنات سألو عنه… قالوا نازل تحويل جديد."

ابتلعت ليان ريقها: — "تحويل جديد؟"

— "أيوة. من جامعة تانية، تقريبًا. وليه؟ شكلك شُفتي شبح."

أجبرت نفسها على الهدوء: — "ما في شيء."

لكن داخلها كان يصرخ:

لا… ما في شيء طبيعي هنا.

دخلوا القاعة.

كانت شبه ممتلئة، والهمس فيها أكتر من المعتاد.

كل البنات تقريبًا كانوا يرمقون الباب من حين لآخر.

ريناد همست وهي تضحك: — "واضح إنو الزول عامل أزمة."

لكن ليان لم ترد.

كانت عيناها على مقعد الصف التاني.

فارغ.

شعرت بشيء غريب…

ارتياح بسيط؟

أم خيبة لا تعرف سببها؟

جلست وهي تحاول التركيز مع الدكتور.

لكن عقلها كان بعيدًا تمامًا.

لحدي ما…

انفتح باب القاعة.

والصمت نزل فجأة.

دخل هيثم بخطوات هادئة، كأنو لا يهمه نظرات الجميع.

كان لابس قميص أسود وساعة فضية، وملامحه باردة كالعادة.

لكن أكثر شيء شد ليان…

هو أنه لم ينظر إلى أي أحد.

إلا إليها.

مرة أخرى.

نفس النظرة.

الثابتة.

التي تشبه شيئًا بين المعرفة… والتحذير.

تسارعت أنفاسها رغمًا عنها.

اقترب هيثم،

ووسط دهشة البنات ونظراتهم،

تجاوز كل المقاعد الفارغة…

ثم وقف بجانب ليان مباشرة.

قال بصوت منخفض، هادئ جدًا:

— "المكان فاضي؟"

رفعت عيونها إليه ببرود مصطنع: — "واضح."

جلس بجانبها.

أما ريناد…

فكانت تحاول بكل قوتها ألا تصرخ من الصدمة.

همست لها وهي تضغط على يدها: — "ياااا بت! من كل القاعة جا قعد هنا؟!"

لكن ليان لم ترد.

كانت كل حواسها مركزة على الشخص الجالس بجانبها.

رائحته الهادئة.

صمته الثقيل.

وجوده الذي يضغط على أعصابها دون أن يفعل شيئًا.

حاولت أن تنظر للأمام…

لكنها شعرت به يميل قليلًا نحوها.

ثم قال بصوت بالكاد سمعته:

— "لسه بتخافي من الأرقام المجهولة؟"

تجمدت.

رفعت رأسها ببطء شديد، وعيناها اتسعتا وهي تنظر إليه.

هو لم يكن ينظر إليها الآن…

كان يكتب شيئًا في دفترو، كأنو لم يقل شيئًا.

لكنها سمعت.

وسمعت جيدًا.

همست بصوت مرتجف، مليء بالصدمة: — "إنت…؟"

رفع عينيه إليها أخيرًا.

ثم…

ابتسم.

ابتسامة خفيفة جدًا.

لكنها لم تكن مريحة أبدًا.

وقال:

— "قلبيك دق بسرعة… زي زمان."

شهقت ليان، وابتعدت عنه فورًا.

زي زمان؟

كيف يتكلم وكأنه يعرفها؟

كيف يعرف عن المكالمة؟

وكيف… كيف قال تلك الجملة بهذه الثقة المرعبة؟

قالت وهي تحاول ألا يلاحظ أحد توترها: — "إنت غلطان في الشخص."

عاد يكتب بهدوء: — "لو كنتِ شخصًا سهلًا… كان يمكن أصدقك."

ضغطت على القلم بين أصابعها حتى كاد ينكسر.

ريناد لاحظت التوتر، لكنها لم تفهم شيئًا.

— "ليان؟ إنتِ كويسة؟"

هزت رأسها بسرعة: — "أيوة."

لكنها لم تكن بخير.

أبدًا.

بعد انتهاء المحاضرة،

خرجت ليان بسرعة من القاعة دون أن تنتظر ريناد.

كانت تمشي بخطوات سريعة، وقلبها مشتعل من الغضب والخوف.

— "منو دا؟!"

كيف يجرؤ أن يتحدث معها بهذه الطريقة؟

كيف يتصرف وكأنه يعرف تفاصيل لا يعرفها أحد؟

وصلت إلى الساحة الخلفية، وهي شبه تختنق من التفكير.

لكنها توقفت فجأة.

لأنها لم تكن وحدها.

كان هيثم واقفًا هناك.

كأنه سبقها.

كأنه كان يعرف تمامًا إلى أين ستذهب.

شدت شنطتها بقوة: — "إنت بتتبعني؟"

رفع نظره إليها بهدوء: — "لو كنت بتبعك… كنت عرفتِ متأخر."

نظرت له بحدة: — "عايز شنو؟"

اقترب خطوة واحدة فقط.

لكن تلك الخطوة وحدها كانت كافية تجعل نبضها يختل.

— "أنتِ عارفة أنا عايز شنو."

— "أنا ما بعرفك أصلًا."

سكت للحظة…

ثم قال بصوت أخفض:

— "المشكلة ما إنك ما بتعرفيني…"

رفع عينيه إليها،

وكانت نظرته هذه المرة أقسى من قبل.

— "المشكلة إنكِ نسيتي عمدًا."

تراجعت ليان خطوة دون أن تشعر.

— "إنت مجنون."

اقترب أكثر.

— "لو كنت مجنون… كان ما رجعت بعد كل السنين دي."

حبست أنفاسها.

كل السنين؟

قالت بصوت مرتجف: — "أنا ما فاهمة إنت بتتكلم عن شنو!"

ظل يحدق فيها للحظات طويلة…

ثم أخرج شيئًا من جيبه.

سلسلة فضية صغيرة.

بها نصف قلب مكسور.

وفي اللحظة التي وقعت عيناها عليها…

شحب وجه ليان بالكامل.

أنفاسها توقفت.

يدها ارتفعت ببطء نحو فمها، وكأنها لا تصدق ما تراه.

همست بصوت مخنوق:

— "مستحيل…"

لأن تلك السلسلة…

كانت لها.

أو بالأصح…

كانت مفقودة منذ طفولتها.

رفع هيثم السلسلة أمام عينيها وقال بهدوء قاتل:

— "لسه ما عرفتي مين أنا؟"