بعدين
4 دقائق قراءة · 735 كلمة
في صباح هادئ، كان سامر يسير على عادته التي لا تتغير كثيرًا، ضجيج خفيف يبدأ من الشارع قبل أن تكتمل حركة الناس، وأصوات سيارات متقطعة تختلط بخطوات مستعجلة لأشخاص يركضون خلف يومهم وكأن الوقت لا ينتظر أحدًا. داخل هذا المشهد اليومي المتكرر، كان ما يزال في غرفته مستلقيًا على سريره، ممسكًا بهاتفه يتنقل بين الرسائل ومقاطع قصيرة لا يملك سببًا واضحًا لمتابعتها، لكنه يفعل ذلك كل صباح قبل أن يبدأ يومه الحقيقي.
مرّت دقائق طويلة وهو على تلك الحالة، حتى بدأ يشعر بثقل الوقت بدل أن يشعر بمروره. عندها فقط نهض بسرعة، متأخرًا كعادته، ودخل إلى الحمام يغسل وجهه على عجل، وكأنه يحاول أن يلحق بيوم بدأه من دونه. خرج بعد دقائق وهو يرتدي قميصه بطريقة غير مرتبة، وملامحه تحمل ذلك الاستعجال الذي أصبح جزءًا من تفاصيله اليومية.
في المطبخ، كانت أمه قد أنهت تجهيز الفطور منذ فترة قصيرة. كانت امرأة اعتادت أن تبدأ يومها قبل الجميع، لا تحتاج إلى ضجيج لتقوم بواجبها، لكنها دائمًا كانت تنتظر لحظة قصيرة ترى فيها ابنها ولو لدقائق قبل أن يخرج. وضعت طبقًا بسيطًا على الطاولة، وكوب شاي ما زال بخاره يتصاعد بهدوء، وكأن المكان كله يتنفس ببطء مختلف عن الخارج.
خرج سامر من غرفته وهو ينظر إلى هاتفه، ثم رفع رأسه عندما شم رائحة الطعام. توقّف عند الباب لحظة، وكأنه يوازن بين الوقت وبين ما ينتظره، ثم تقدّم وجلس بسرعة. ابتسمت أمه عندما رأته، ابتسامة دافئة تحمل تعبًا خفيفًا لا يُقال.
جلست مقابله تراقبه وهو يأكل بسرعة دون أن يرفع عينيه كثيرًا. كانت تعرف هذا المشهد، لكن شيئًا في داخلها كان يدفعها كل مرة لمحاولة جديدة، وكأنها تأمل أن تختلف النهاية ولو لمرة واحدة. قالت له بهدوء وهي تدفع كوب الشاي نحوه:
"خذ من وقتك شوي يا سامر، بس دقايق قليلة، خلينا نحكي شوي."
رفع عينيه إلى الساعة ثم إلى هاتفه. كان يومه مزدحمًا، وكل دقيقة محسوبة. تنهد وقال دون أن يرفع صوته:
"عندي شغل كثير اليوم، اجتماعات وطلبات لازم أخلصها، ما في مجال أتأخر."
هزّت رأسها بتفهم صامت. كانت الجملة مألوفة، لكنها ما زالت تأمل أن تتغير يومًا. سكبت له الشاي، ثم قالت مرة أخرى بنبرة أهدأ:
"طيب اشرب بسرعة، وبعدين اقعد معي شوي."
لكن ذهنه كان في مكان آخر. أنهى ما أمامه، وأخذ مفاتيحه من فوق الطاولة، واستعد للخروج.
وقفت أمه عند الباب تراقبه بصمت، وكأنها تحاول أن تحفظ اللحظة. قبل أن يخرج، التفتت وقالت:
"سامر… اقعد معي شوي."
توقف لحظة، نظر إلى ساعته، ثم زفر بخفة وقال:
"بعدين يا أمي… اليوم مستعجل."
لم تجادله. ابتسمت ابتسامة صغيرة، وأومأت برأسها:
"ماشي… بعدين."
أغلق الباب، وخرج إلى يومه وكأن شيئًا لم يتغير، بينما بقيت الكلمة في المكان أكثر مما بقي صوته.
مرّ النهار كعادته سريعًا ومليئًا بالتفاصيل التي تبتلع الوقت دون أن يشعر الإنسان. اجتماعات متتالية، مكالمات، رسائل لا تنتهي، وضجيج عمل يجعل الأيام تبدو متشابهة. كان سامر يتنقل بين المهام وكأنه يعيش داخل سباق لا يتوقف، دون أن يفكر كثيرًا في البيت الذي خرج منه صباحًا.
مع اقتراب المساء، جلس مع بعض أصدقائه في مقهى قريب من عمله. كان الجو عاديًا، أحاديث متفرقة وضحكات قصيرة، وكل شيء يبدو طبيعيًا إلى درجة تجعل اليوم يمر دون أن يترك أثرًا واضحًا في الذاكرة.
ثم رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، كان اسم أخته.
أجاب بسرعة، لكن الصوت لم يكن عاديًا. بكاء، صوت متقطع، وتنفس مضطرب:
"سامر… تعال بسرعة."
"شو في؟ صار شي؟"
سكتت لحظة، ثم قالت بصعوبة:
"ماما… بالمستشفى."
تغير كل شيء في لحظة واحدة. لم يعد الضجيج حوله واضحًا، وكأن العالم ابتعد خطوة وتركه وحده في المقدمة. وقف بسرعة، وخرج دون شرح.
في الطريق، كان سؤال واحد يضغط عليه بلا توقف: لماذا الآن؟
في المستشفى، كان المكان أبرد من المعتاد. الممرات طويلة، الإضاءة قاسية، والصمت مختلف.
عند نهاية الممر، رأى أخته جالسة. عيناها قالتا كل شيء قبل أي كلمة.
"وين ماما؟"
هزّت رأسها بصمت.
وسقط كل شيء دفعة واحدة.
في الأيام التالية، امتلأ البيت بالناس ثم بدأ يفرغ منهم تدريجيًا، حتى صار الفراغ أكبر من الصوت.
في إحدى الليالي، دخل غرفة أمه وحده. كل شيء كما هو، وكأن الزمن توقف.
على الطاولة كان هناك دفتر قديم.
فتحه ببطء.
"الخميس… أريد أن أجلس مع سامر قليلًا."
"أشعر أنه مشغول دائمًا."
"كلما طلبت منه الجلوس يقول: بعدين."
توقف عند الكلمة.
بعدين.
نفس الكلمة.
التي لم تكن تعني شيئًا في ذلك الصباح.
أغلق الدفتر ببطء، وجلس طويلًا دون حركة.
ثم انحنى رأسه وبكى.
ليس لأنه فقدها فقط… بل لأنه فهم متأخرًا.
في الجهة المقابلة من الشارع، كان رجل مسن يجلس على مقعد خشبي بصمت. أخرج دفترًا أسود، وكتب سطرًا واحدًا، ثم أغلقه:
"أكثر ما يقتل الإنسان… ليس ما يعيشه، بل ما يؤجله."
نهض ومشى.
دون أن يلتفت أحد.
ولا حتى سامر.