المقعد الفارغ
3 دقائق قراءة · 585 كلمة
في صباحٍ آخر من أيام المدرسة، كانت الحياة في المبنى المدرسي تبدو كعادتها تمامًا. أصوات الطلاب تتداخل في الممرات قبل بداية الحصة الأولى، ضحكات قصيرة هنا وهناك، وأقدام تركض نحو الصفوف وكأن الجميع يخشى أن يفوته شيء مهم لا يعرفونه تحديدًا. داخل هذا الضجيج، كان يزن يسير بخطوات بطيئة قليلًا، يحمل حقيبته على كتفه ويضغط عليها بين الحين والآخر وكأنه يحاول أن يتأكد أنها ما زالت معه.
كان يزن طالبًا جديدًا في المدرسة. انتقل مع والدته قبل أسابيع قليلة بعد تغيير عملها، ولم يكن قد كوّن أي علاقة حقيقية مع أحد بعد. كان يكتفي بالمراقبة أكثر من المشاركة، وبالاستماع أكثر من الكلام، وكأنه ينتظر أن يفهم المكان أولًا قبل أن يشارك فيه. لكن المدارس لا تمنح دائمًا وقتًا كافيًا للتأقلم، خاصة لمن يمرّون دون أن يلفتوا الانتباه.
دخل الصف في ذلك الصباح متأخرًا دقائق قليلة، فتوقفت بعض الهمسات للحظة عندما فتح الباب. رفع المعلم رأسه، أشار له إلى مقعد فارغ في الخلف، ثم عاد إلى شرح الدرس وكأن شيئًا لم يحدث. جلس يزن بصمت، وضع حقيبته بجانبه، وأخرج دفتره وقلمه، محاولًا أن يبدو جزءًا من المكان، رغم أنه لم يشعر بذلك بعد.
في البداية كان الأمر عاديًا. لا أحد يقترب، ولا أحد يبتعد. لكن مع الأيام، بدأت التفاصيل الصغيرة تتغير. نظرات سريعة، ضحكات تنتهي قبل أن يلتفت أحد، وأسماء تُذكر بصوت منخفض ثم تختفي عند اقترابه.
في إحدى الحصص، عندما سُئل عن واجب لم يحضّره، سُمعت ضحكة خفيفة من أحد المقاعد الأمامية. لم تكن عالية، لكنها كانت كافية لتجعل وجهه يسخن. لم يرد. فقط نظر إلى دفتره، ثم إلى المعلم الذي اكتفى بالنظر للحظة قبل أن يكمل الدرس. لم يسأله أحد، وكأن غيابه داخل الصف أصبح أمرًا طبيعيًا رغم حضوره.
ومع مرور الوقت، أصبح يزن يأتي ويجلس ويكتب ثم يغادر. لا حديث، لا مشاركة، وكأن وجوده صار جزءًا ثابتًا من الخلفية. حتى المقعد الذي يجلس عليه أصبح شيئًا لا يُلاحظ إلا حين يكون فارغًا.
في يومٍ عادي، وبعد انتهاء الحصة، خرج الطلاب بسرعة كعادتهم، بينما بقي يزن يرتب دفاتره. وعندما همّ بالخروج، سمع أحدهم يقول: "هذا دايمًا لحاله… ما حد بحكي معه أصلًا."
توقف لحظة، ثم أكمل طريقه وكأن شيئًا لم يحدث. لكن شيئًا داخله كان قد فهم الجملة بشكل مختلف.
في الأيام التالية، بدأ يتغيب أكثر. لم يكن غيابًا مفاجئًا، بل كأن شيئًا فيه بدأ ينسحب بهدوء. لم يسأل عنه أحد بشكل حقيقي، فقط لاحظوا أن مقعده أصبح فارغًا أكثر من المعتاد.
وفي أحد الأيام، قال أحد الطلاب ضاحكًا: "شكله اليوم كمان غايب." ضحك آخر، ثم تغيّر الحديث بسرعة، وكأن الأمر لم يكن مهمًا أصلًا.
أما المعلم، فقد مرّ بنظره على المقعد الفارغ للحظة أطول من المعتاد، ثم بدأ الحصة دون تعليق.
مرّ أسبوع. ثم آخر. ثم اختفى اسمه من الحديث تمامًا.
في مساءٍ هادئ، عاد المعلم إلى الصف بعد انتهاء الدوام. كانت الغرفة شبه مظلمة، والهدوء مختلفًا عن ضجيج النهار. أثناء سيره بين المقاعد، توقف عند المقعد الأخير.
نظر طويلًا دون سبب واضح. ثم لاحظ دفترًا صغيرًا داخل الخزانة الجانبية.
أخذه ببطء، وقلب صفحاته.
كانت البداية عادية: واجبات وملاحظات مدرسية. ثم وجد سطرًا واحدًا:
"لا أحد يلاحظ إن كنت موجودًا أو غائبًا."
توقف لحظة.
ثم تابع القراءة:
"أحيانًا أشعر أني أجلس في مكان لا يراني فيه أحد." "حتى عندما أتكلم… لا أحد يسمعني."
أغلق الدفتر ثم فتحه مرة أخرى، وكأنه يبحث عن خطأ ما.
جلس بصمت.
ولأول مرة شعر أن الصف ليس كما كان يراه.
في تلك الليلة، كان المبنى فارغًا تمامًا. عند الباب الخارجي، وقف رجل مسن يحمل دفترًا أسود، ينظر إلى النوافذ بصمت.
ثم كتب داخله:
"ليس كل الغياب يُرى… بعضه يبدأ حين يُترك دون أن يُسأل عنه."
أغلق الدفتر، ثم ابتعد ببطء. وكأن المكان لم يلاحظ أنه كان هناك أصلًا.