الفصل 2
4 دقائق قراءة · 710 كلمة
الفصل الثاني: المرأة التي قالت لا
برلين، أوائل 1922
أول شي يتغيّر بحياة الإنسان اللي ما عنده اسم، مو ماضيه.
إنما الطريقة اللي يناديه بيها الآخرون.
---
— شكد مرة لازم أگولك؟ هي تشبهها!
حطّت كلارا الصورة على الطاولة، قدام نيكولاس فون شوابه.
كانت قد غادرت المؤسسة قبل أسابيع، لكن وجه المرأة ما غادرها.
تأمل فون شوابه الصورة طويلًا.
— إنتِ شفتِ بنات القيصر قبل؟
— لا.
— إذن الصور هي اللي تحچي، مو إنتِ.
— وأنت شفتهن؟
سكت.
ثم سحب الصورة أقرب، وقال بصوت واطي:
— أعرف وحدة كانت تخدم الإمبراطورة. إذا گالت مو هي، تسكتين وتنسين؟
— إذا گالت مو هي، أرتاح.
— وإذا گالت هي؟
لم تجب كلارا.
---
بغرفة صغيرة بمؤسسة دالدورف، كانت المرأة المجهولة جالسة على طرف السرير، تحاول تدخل خيط بعين إبرة.
دخلت الممرضة ووقفت تراقبها.
— كلارا گالت لچ شي قبل لا تطلع؟
— گالت اسم.
— أي اسم؟
— ما يهم.
حطّت المرأة الإبرة على الطاولة، ورجعت تلمّ القماش.
— من الصبح وإنتِ بهالقطعة.
— بيها فتگ صغير.
— إيدچ دا ترجف.
— الجو بارد.
— الغرفة دافية.
— مو كفاية.
جلست الممرضة قبالها.
— عدنا ضيوف اليوم.
توقفت أصابع المرأة.
— ضيوف لمن؟
— إلچ.
— آني ما أعرف أحد.
— هم يگولون يمكن يعرفونچ.
رفعت المرأة عيونها، ولأول مرة بان بوجهها شي يشبه الخوف.
— وإذا ما أريد؟
— محد يجبرچ.
سكتت قليلًا.
— زين. بس خليچ وياي.
---
دخلت البارونة صوفي بوكسهوفيدن بمعطف داكن وقبعة بسيطة، ولم تتقدم.
وقفت عند الباب، تنظر.
وجه شاحب. شعر مشدود للخلف. يدان تمسكان قطعة قماش صغيرة.
— صباح الخير.
— صباح النور.
جلست البارونة قبالها. ما بدت بالأسئلة. كانت تطالع الوجه، ثم اليدين، ثم الوجه.
— أكو شي بوجهي؟
— لا. گالوا لي يمكن أعرفچ.
— وعرفتيني؟
— شنو اسمچ؟
ابتسمت المرأة ابتسامة صغيرة.
— هذا أول سؤال يسألوني إياه كل يوم.
— وجوابچ؟
— نفس الجواب.
انتظرت البارونة، ثم قالت:
— اسمي صوفي بوكسهوفيدن. كنت أخدم الإمبراطورة ألكسندرا، وأعرف بناتها.
انخفضت عيون المرأة نحو القماش.
— زين.
— أكو ناس يعتقدون إنچ تاتيانا.
— سمعت.
— وإنتِ؟
رفعت المرأة رأسها.
— وإنتِ شتعتقدين؟
— آني جيت أسمع.
— وإذا ما عندي شي أگوله؟
— أريد أسمع حتى السكوت.
مدّت البارونة إيدها لحقيبتها، وأخرجت صورة صغيرة، وحطتها على الطاولة.
— تعرفين هاي؟
نظرت المرأة، ولم تلمس الصورة.
— تاتيانا.
— شلون عرفتي؟
— من الجرايد.
— شوفيها زين.
رفعتها هذه المرة. تأملت العينين، والشعر المرتب، ثم أعادتها.
— چانت تحبچ؟
توقفت البارونة.
— شنو؟
— تاتيانا. چانت تحبچ؟
— كانت بنت طيبة.
— مو هذا اللي سألتچ.
سكتت البارونة. وبعد لحظة، قالت بصوت منخفض:
— أذكرها.
لم تعرف إن المرأة قرأتها، أو تذكرتها، أو أصابت صدفةً.
---
بعد قرابة ساعة، وقفت البارونة.
— أگدر أحچي وياكم لحظة؟
— لا.
التفتت البارونة.
— إذا عندچ شي تگوليه عني، گوليه هنا.
تدخلت الممرضة:
— حبيبتي...
— الموضوع يخصني.
ساد صمت.
قالت البارونة:
— آني ما أعتقد إنچ تاتيانا.
لم يتغير وجه المرأة.
— زين.
— ما تعرفت عليچ.
— فهمت.
انتظرت البارونة ردًا ثانيًا. لم يأتِ.
— أعرف إن الكلام يمكن يضايقچ.
— ليش يضايقني؟
— لأن الناس دا يربطون اسمچ بالعائلة.
— الناس، مو آني.
وقفت البارونة ببطء، وأخذت حقيبتها.
عند الباب سمعتها:
— ممكن سؤال أخير؟
— تفضلي.
— إذا وحدة منهن فعلًا نجت... شراح تسوين؟
— أحتاج دليل.
— زين.
خرجت البارونة، وهي لا تعرف إن كان جواب المرأة رضا أم خيبة.
---
في الممر، كان فون شوابه ينتظر.
— ها؟
— مو هي.
— الشبه...
— الحرب تغيّر الملامح، بس مو كلشي يتغير.
سكت.
— ولا تخلّون رغبتكم بوجود ناجية تخليكم تشوفون شي مو موجود.
ثم مضت.
بقي ينظر إلى الباب المغلق. لم يكن السؤال الذي يشغله إن كانت تشبه تاتيانا.
بل لماذا لم تقل بوضوح من تكون.
---
بالليل، رجعت الممرضة وجدت المرأة تكمل خياطة القطعة.
— گالت إنها ما تعرفچ.
— سمعت.
— ضايجتي؟
— لا.
— ليش ما گلتيلها اسمچ؟
لم ترفع المرأة رأسها.
— لأنهم كلهم يسألون نفس السؤال، وما أحد يريد يسمع جوابه.
— وشنو جوابچ؟
رفعت رأسها. للحظة بدا أنها ستتكلم.
ثم أعادت نظرها إلى القماش.
— خلي نخلص هاي القطعة أول.
---
بعد أيام، جلست كلارا قرب النافذة وهي تقلّب المجلة نفسها.
لم تعد تبحث عن تاتيانا.
كانت تنظر إلى فتاة ثانية بالصورة. أصغرهن. الواقفة بآخر الصف، بعينين عنيدتين.
قالت لنفسها بصوت بالكاد يُسمع:
— وإذا كنت غلطانة بالاسم؟
نهاية الفصل الثاني
لاتنسي متابعتي