شعب بلا وطنبقلم صدى القارئ فصل 2

الأرض التي لا تُنسى

3 دقائق قراءة · 599 كلمة

بدأ الناس يخرجون من بيوتهم واحدًا تلو الآخر، يحمل كل منهم ما استطاع أن يحمله في تلك اللحظات المرتبكة. لم يكن أحد يعرف إلى أين سيمضي، ولا كم سيستمر الطريق، ولا إن كان سيعود قبل أن تتغير ملامح المكان. بعضهم حمل حقيبة صغيرة، وبعضهم أخذ بطانية لطفله، وآخرون خرجوا بأيدٍ فارغة لأن الخوف لم يمنحهم وقتًا لجمع شيء. وحدها الأشياء التي لا تُحمل بقيت في أماكنها: الأبواب، الجدران، الأشجار، وذكريات السنوات التي عاشها أهل القرية بين تلك البيوت.

كان الرجل المسن آخر من غادر منزله. وقف عند العتبة طويلًا، وأدار عينيه في المكان كأنه يحاول أن يحفظ كل زاوية فيه للمرة الأخيرة. لم يمد يده إلى شيء ثمين، ولم يبحث عن مال أو ذهب، بل انحنى والتقط قليلًا من تراب الأرض ووضعه في قطعة قماش صغيرة احتفظ بها في جيبه. ثم رفع نظره نحو شجرة الزيتون التي تركها خلفه. لم يقل شيئًا، لكنه شعر أن الكلمات كلها أصبحت عاجزة عن وصف ما يحدث.

لم يكن العمل في الأرض سهلًا يومًا. كان يبدأ قبل شروق الشمس، حين تكون الحقول باردة واليدين لم تستعدا بعد ليوم طويل من التعب. كانوا يحرثون، ويزرعون، ويقلمون الأشجار، وينتظرون المطر، ثم يعودون في موسم آخر إلى العمل نفسه. كانت ظهورهم تتعب وأيديهم تتشقق، ومع ذلك لم يكن أحد منهم ينظر إلى الأرض باعتبارها عبئًا يجب التخلص منه. كان التعب فيها جزءًا من محبتها، وكان العرق الذي يسقط فوق ترابها يجعل الإنسان يشعر أنه يترك شيئًا من نفسه فيها.

لم يعرف أحد متى بدأ ذلك الشعور بالضبط. هل ورثوه عن آبائهم؟ هل تعلموه من الأمهات اللواتي كنّ يرسلن أبناءهن إلى الحقول منذ الصغر؟ أم أن في الإنسان شيئًا غامضًا يجعله يتعلق بالمكان الذي شهد بدايته؟ لم يجدوا جوابًا واضحًا، لكنهم كانوا يعرفون شيئًا واحدًا: عندما يتعلق الأمر بالأرض، لا تصبح المسألة حسابًا بين ما يكسبه الإنسان وما يتعبه. تصبح علاقة لا يستطيع شرحها بسهولة.

كانت امرأة تسير بين الخارجين وهي تمسك بيد ابنتها، وعندما ابتعدت خطوات قليلة توقفت فجأة. التفتت نحو البيت، ثم قالت إن عليها أن تعود. سألها من كان معها عما نسيته، فأجابت بصوت خافت: «مفتاح أبي». لم يفهموا في البداية لماذا كان ذلك المفتاح مهمًا إلى هذه الدرجة، لكنها عادت إلى البيت وأخذته من المكان الذي احتفظت به فيه سنوات. كان مفتاحًا قديمًا لباب لم تعد تعرف إن كانت ستفتحه مرة أخرى، لكنها لم تستطع أن تتركه خلفها.

واصلوا الطريق.

كلما ابتعدوا، كانت القرية تصغر خلفهم، لكن شيئًا غريبًا حدث داخلهم؛ كلما ابتعدت البيوت عن أعينهم، أصبحت أكثر حضورًا في ذاكرتهم. تذكر أحدهم أول مرة زرع فيها شجرة، وتذكرت امرأة يوم دخلت بيتها للمرة الأولى، وتذكر طفل كان يركض في الحقول أنه ترك لعبته قرب شجرة التين. لم يكن أحد يتحدث كثيرًا، لأن الكلام في بعض اللحظات لا يخفف الألم، بل يجعله أكثر وضوحًا.

وعندما وصلوا إلى مكان آمن نسبيًا، جلسوا على الأرض يستريحون. كان التعب شديدًا، لكن أحدًا لم ينم. كانت عيونهم تعود باستمرار إلى الطريق الذي جاؤوا منه، وكأنهم ينتظرون ظهور شيء يعرفون في داخلهم أنه لن يظهر بسهولة.

قال الرجل المسن وهو ينظر إلى التراب الذي أخذه معه: «سنعود».

لم يجيبه أحد.

كررها بصوت أكثر ثباتًا: «سنعود».

هذه المرة نظر إليه بعضهم. لم يكن يعرف كيف سيعودون، ولا متى، ولا ماذا سيبقى من بيوتهم وأشجارهم عندما يحدث ذلك. لكنه كان يعرف أن الإنسان إذا تخلى عن الأمل قبل أن يخسر الأرض، فإنه يكون قد خسر أكثر مما يمكن أن تعيده الأيام.

وفي تلك الليلة، نام بعض الأطفال وهم يسمعون لأول مرة كلمة «الوطن» من أفواه الكبار أكثر من مرة. لم يفهموا معناها كاملة، لكنهم شعروا أنها مرتبطة بالبيت الذي تركوه، بالطريق الذي جاءوا منه، وبالأشجار التي بقيت خلفهم.

أما الكبار، فكانوا يعرفون أن الطريق الذي بدأوه لن يكون قصيرًا.

وكان أصعب ما ينتظرهم أن الأرض التي أقسموا أنهم سيعودون إليها، قد تصبح مع مرور الأيام ذكرى لا يستطيعون الوصول إليها إلا من خلال الحكايات.