شعب بلا وطنبقلم صدى القارئ فصل 1

حين بدأ الصمت

3 دقائق قراءة · 520 كلمة

لم يكن الليل هادئًا تلك المرة. كان الصمت الذي يملأ القرية أثقل من أي صوت، كأن البيوت نفسها تحبس أنفاسها وتنتظر شيئًا لا تريد أن تعرفه. خلف النوافذ المغلقة، كانت عائلات كاملة تجلس في الظلام، تراقب الطريق من بين شقوق الستائر، وكلما سُمعت حركة بعيدة ارتجفت القلوب قبل أن تعرف ما الذي اقترب. لم يعد الناس يسألون ماذا سيحدث، بل أصبح السؤال الأصعب: من سيكون التالي؟

في طرف القرية، كان رجل مسن يجلس قرب باب بيته، يضع يده على عصاه وينظر إلى شجرة الزيتون التي زرعها والده قبل عقود طويلة. كانت الشجرة واقفة في الظلام كأنها تعرف أكثر مما يعرفه البشر. مرّت عليها سنوات الجفاف والمطر، وشهدت ولادة أطفال وموت رجال، ورأت مواسم كثيرة يتعب فيها أصحاب الأرض من الفجر حتى الغروب، ثم يعودون إليها في العام التالي وكأن التعب نفسه صار جزءًا من حياتهم. لم تكن تلك الشجرة بالنسبة إليه شجرة فقط؛ كانت ذاكرة عائلته كلها.

في ذلك الليل، كان يعرف أن الخطر اقترب من الأرض التي عاش فيها عمره كله.

في الجهة الأخرى من القرية، كانت امرأة تحاول تهدئة طفلها الذي لم يفهم لماذا طلبت منه أن يبقى بعيدًا عن النافذة. سألها بصوت مرتجف إن كان الصباح سيأتي كالمعتاد، فلم تعرف ماذا تجيبه. اقتربت منه وضمته إلى صدرها، وقالت له إن الله لا ينسى عباده، ثم أغمضت عينيها للحظة حتى تخفي دمعة سبقت كلماتها. كانت تحاول أن تمنحه الطمأنينة وهي في أمسّ الحاجة إليها.

لم يكن أحد يملك القوة ليوقف ما كان يحدث. السنوات السابقة علّمت الناس أن الخوف يمكن أن يدخل البيت من دون أن يطرق بابه، وأن الظلم حين يجد طريقًا مفتوحًا قد يتمدد حتى يصبح أمرًا عاديًا في حياة الناس. سُجن رجال لأنهم قالوا كلمة، وغاب آخرون لأنهم رفضوا ترك أرضهم، وعادت بعض الأمهات إلى بيوتهن بأيدٍ فارغة بعد أن خرج أبناؤهن ولم يعودوا. ومع كل حادثة، كان الناس يظنون أن هذه هي النهاية، ثم يكتشفون أن هناك ما هو أقسى ينتظرهم.

ومع ذلك، بقي شيء واحد لم يستطيعوا انتزاعه منهم.

كان اليقين.

لم يكن يقينًا بأن الغد سيكون سهلًا، ولا وعدًا بأن الألم سينتهي سريعًا. كان أعمق من ذلك؛ إيمانًا بأن الظلم مهما طال لا يستطيع أن يجعل نفسه حقًا، وأن الليل مهما امتد لا يستطيع أن يمنع الفجر من الوصول. كان بعضهم يردد ذلك بصوت خافت، وبعضهم يحتفظ به في قلبه، لكن الجميع كانوا يعرفون أن التمسك بهذا اليقين هو آخر ما بقي لهم عندما ضاقت بهم الدنيا.

وقبل أن يطلع الفجر بقليل، دوّى صوت في الخارج.

ثم تبعه صوت آخر.

تحرك الناس داخل بيوتهم دون كلام. لم يعد هناك وقت للأسئلة. فتح الرجل المسن باب منزله، ونظر إلى الطريق، ثم عاد بعينيه نحو شجرة الزيتون. بقي واقفًا للحظات، وكأن شيئًا داخله يرفض تصديق أن الإنسان قد يُجبر يومًا على ترك أرض عاش فيها أكثر مما عاش في أي مكان آخر.

في تلك اللحظة، لم يكن يعرف أن الساعات القادمة ستغيّر حياة القرية كلها.

ولم يكن يعرف أيضًا أن ما سيحدث لن يكون نهاية الحكاية، بل بدايتها.

ففي مكان بعيد، كان هناك أناس آخرون يعيشون خلف حدود لم يصنعها آباؤهم، ويتكلمون اللغة نفسها، ويحملون في ذاكرتهم حكايات قريبة من حكايات أهل القرية. وكان أولئك الناس يسمعون شيئًا من الألم، لكنهم لم يعرفوا بعد أن الصمت الذي يفصلهم عن جيرانهم سيصبح يومًا جرحًا آخر في قلب الحكاية.

أما هنا، في هذه القرية، فقد بدأ الرحيل.

وبقيت الأرض خلفهم تنتظر.