عندما لا يعود أحد كما كان
6 دقائق قراءة · 1,032 كلمة
في الصباح، لم يكن هناك أي دليل على أن شيئًا حدث في الليل. هذا كان أول شيء بدأ يزعج ليان. لا أثر لخطوات، لا تغيير في الأثاث، لا شيء مكسور، لا صوت غريب في البيت. وكأن العالم قرر أن يمسح ذاكرته عن نفسه خلال النوم.
لكنها لم تنسَ.
الخطوات عند الباب لم تكن حلمًا. كانت واضحة أكثر من أي شيء آخر في حياتها الجديدة. والأكثر إزعاجًا أنها لم تكن تعرف ما الذي كان “ينتظر” خلف الباب… بل كانت تشعر أنه لم يعد هناك باب أصلًا في الذاكرة، بل مجرد فكرة عن حاجز بين شيئين لا يجب أن يلتقيا.
خرجت إلى غرفة المعيشة. العائلة كانت هناك، تتصرف كالمعتاد. الإفطار جاهز، الأصوات خفيفة، الحركات محسوبة بدقة غريبة، كأن الجميع تدرب على أن يكون طبيعيًا بشكل مبالغ فيه.
جلست ليان وهي تراقبهم بصمت.
أمها وضعت كوبًا على الطاولة.
ثم توقفت لجزء من الثانية قبل أن ترفع يدها.
ثم أكملت وكأن التوقف لم يحدث.
هذا الجزء الصغير لم يكن طبيعيًا. ليس لأنه غريب… بل لأنه متكرر.
كأن كل شيء هنا “يتأخر” عن نفسه بجزء من لحظة.
---
“نمتي كويس؟” سألها الأب فجأة.
سؤال بسيط. طبيعي.
لكن نبرة الصوت كانت خاطئة قليلًا. ليس في الكلمات، بل في توقيتها، كأن الجملة خرجت من فم شخص قرأها مسبقًا ثم أعاد تنفيذها.
ليان ترددت لحظة ثم قالت: “تقريبًا.”
الأب هز رأسه فقط، ثم أضاف دون أن ينظر إليها:
“لا تفكري كثيرًا في الليل.”
هذا ليس نصيحة.
كان تحذيرًا مغلفًا بجملة عادية.
---
بعد الإفطار، خرجت ليان إلى المدرسة. الطريق كان نفسه تقريبًا، لكن شعور الأمس لم يختفِ. المدينة في النهار تبدو أكثر أمانًا، وهذا بحد ذاته كان مخيفًا. كأن الخطر هنا لا يظهر إلا عندما يقرر هو ذلك.
الناس في الشارع يمشون بنفس الإيقاع تقريبًا. لا أحد يسرع، لا أحد يتوقف، لا أحد يلتفت خلفه. وكأن الالتفات فعل غير مسموح به فيزيائيًا.
لكنها لاحظت شيئًا جديدًا اليوم.
بعض الأشخاص… يكررون نفس الحركة مرتين.
شخص يرفع يده ليصلح شعره، ثم بعد ثانيتين يعيد نفس الحركة بالضبط بنفس الزاوية.
امرأة تعيد وضع حقيبتها على كتفها مرتين بنفس الطريقة.
طفل يضحك، ثم يعيد نفس الضحكة وكأنها تسجيل يعاد تشغيله.
ليان بدأت تشعر أن المدينة لا “تعيش” بل “تعيد تشغيل نفسها”.
في المدرسة، كان الجو أكثر غرابة من الأمس. ليس لأن شيئًا تغير، بل لأن لا شيء تغير أبدًا. حتى الضجيج الخفيف في الممرات يبدو وكأنه نفس الضجيج كل يوم.
دخلت الصف وجلست. المعلم دخل بعد لحظات، وبدأ الدرس دون مقدمات. لكن ليان لاحظت شيئًا صغيرًا جدًا: المعلم لم يفتح دفتره اليوم، ومع ذلك كان يعرف أسماء الطلاب بدقة دون أن ينظر.
ليس حفظًا… بل كأنه يقرأها من مكان غير موجود.
في منتصف الحصة، طلب منها المعلم أن تذهب إلى الإدارة لإحضار ملف.
كانت هذه اللحظة التي ستغير كل شيء.
الممرات في المدرسة بدت أطول اليوم. ليس فعليًا، بل إدراكًا. كل خطوة كانت تأخذ وقتًا أكثر من اللازم، كأن الأرض نفسها لا تريدها أن تصل بسرعة.
عندما وصلت إلى غرفة الإدارة، كانت هناك امرأة جالسة خلف المكتب. لم ترفع رأسها فورًا. كانت تقلب أوراقًا قديمة.
ثم قالت دون أن تنظر:
“الملف على الطاولة.”
ليان تقدمت خطوة.
ثم لاحظت شيئًا على المكتب.
دفتر صغير. قديم. مفتوح.
دفتر الحضور.
لم تكن تريد النظر.
لكن عينيها فعلت ذلك وحدها.
الأسماء كانت مرتبة، بعضها مألوف من طلاب المدرسة. لكن الغريب لم يكن هذا.
الغريب أن بعض الأسماء كانت مكتوبة أكثر من مرة.
نفس الاسم… بنفس الخط تقريبًا… لكن في أيام مختلفة.
كأن الشخص نفسه “عاد” إلى نفس اليوم.
ثم لاحظت شيئًا جعل معدتها تنقبض.
اسم واحد كان مكتوبًا في أكثر من سنة… لكن خط اليد كان يتغير قليلًا كل مرة.
كأن شخصًا مختلفًا يكتب نفس الاسم كل مرة.
“لا تقرئي كثيرًا.”
الصوت جاء من خلفها مباشرة.
التفتت بسرعة.
الغرفة كانت فارغة تقريبًا.
لكن المرأة خلف المكتب كانت تنظر إليها الآن.
ليس من بعيد.
بل من زاوية لا تتناسب مع جلوسها.
كأنها كانت أقرب بكثير مما يجب دون أن تتحرك.
ثم أضافت بصوت منخفض جدًا:
“الدفتر يتذكر أكثر مما ينبغي.”
خرجت ليان من الغرفة بسرعة، قلبها بدأ يضرب بطريقة غير منتظمة. لم تكن تعرف لماذا هذا الدفتر يزعجها أكثر من أي شيء آخر، لكنه أعطاها إحساسًا واضحًا: أن الناس هنا ليسوا ثابتين.
بل قابلين للإعادة.
في نهاية اليوم، حدث أول خلل حقيقي.
في أحد الممرات، انطفأ الضوء لثانية واحدة فقط.
لكن في هذه المدينة، ثانية واحدة ليست زمنًا… بل نافذة.
ليان توقفت فورًا.
في تلك اللحظة، لم تسمع شيئًا.
لكنها شعرت بأن “المكان” نفسه تغير.
ليس الضوء فقط… بل اتجاهات الواقع.
ثم عاد الضوء.
وكان هناك شخص يقف في منتصف الممر.
لم يكن هناك قبل لحظة.
كان ينظر إلى الأرض كأنه يبحث عن شيء ضائع.
ثم رفع رأسه ببطء شديد.
ليان لم تتذكر أن هذا الطالب كان في صفها.
ولا حتى في المدرسة.
لكن الجميع تصرفوا وكأنه كان موجودًا دائمًا.
حتى المعلم، عندما مر، قال له: “تأخرت اليوم.”
ليان شعرت بشيء بارد داخل صدرها.
لم يقل أحد “من أنت؟”
لم يقل أحد “كيف دخلت؟”
كأن السؤال نفسه تم حذفه من اللغة.
في طريق العودة، بدأت الخطوات خلفها مرة أخرى.
لكن هذه المرة كانت مختلفة.
ليست خلفها فقط.
بل على جانبيها أيضًا.
خطوة من اليسار…
خطوة من اليمين…
خطوة من الخلف…
نفس الإيقاع تمامًا.
كأنها محاطة بشيء لا يحتاج أن يظهر حتى يكون موجودًا.
لكن عندما التفتت فجأة…
لم يكن هناك أحد.
الشارع فارغ.
ومع ذلك… الصوت لم يتوقف.
عند الباب، وقفت للحظة.
كان هناك شيء غير صحيح في البيت اليوم.
ليس شكلًا واضحًا… بل إحساس بأن “عدد الأشخاص داخله” قد لا يكون نفسه الذي خرج صباحًا.
فتحت الباب.
دخلت.
ثم توقفت.
الأم كانت في المطبخ.
الأب في غرفة المعيشة.
كل شيء طبيعي.
لكن الأم التفتت نحوها وقالت بابتسامة صغيرة:
“رجعتي بدري اليوم.”
ثم حدث شيء صغير جدًا.
شفتيها تحركتا قبل الصوت.
بجزء من الثانية.
لكن ليان لاحظت شيئًا أخطر من ذلك.
نبرة الجملة كانت صحيحة… لكن الإحساس خلفها كان مختلفًا.
كأن الجملة قيلت من شخص يتذكر كيف يقولها… لا من شخص يشعر بها.
---
في تلك الليلة، لم تستطع ليان النوم.
الساعة اقتربت من 3:33.
والغرفة كانت هادئة بشكل غير طبيعي.
لكن هذه المرة، لم تنتظر الخطوات.
لأنها سمعت شيئًا آخر أولًا.
صوت تنفس.
ليس منها.
وليس من الباب.
بل من داخل الغرفة نفسها.
قريب جدًا… كأنه خلف سريرها مباشرة.
ثم جاء صوت أخف.
كأن شخصًا… يفتح عينيه في الظلام ببطء.
ليان لم تتحرك.
لكنها أدركت شيئًا واحدًا أخيرًا قبل أن تبدأ 3:33:
أنها ليست وحدها في الغرفة منذ الليلة الماضية…
بل ربما كانت هي “الضيف” الحقيقي طوال الوقت.