المدينة التي لا تتذكرك
4 دقائق قراءة · 796 كلمة
لم تكن هناك لافتة واضحة عند مدخل المدينة. فقط طريق طويل ينتهي تدريجيًا إلى مكان لا يمكنك التأكد متى أصبح مدينة أصلًا. حتى الحافلة التي أقلّت ليان لم تتوقف بطريقة طبيعية، بل كأنها “توقفت لأنها وصلت” وليس لأنها اختارت ذلك.
عندما نزلت، شعرت لأول مرة أن الصوت اختفى بالكامل. ليس هدوءًا عاديًا… بل غياب كامل لأي شيء يمكن أن يدل على وجود حياة خارج ما تراه العين. لا طيور، لا محركات، لا ريح واضحة، حتى خطواتها على الأرض كانت تبدو وكأنها الصوت الوحيد المسموح به.
الهواء نفسه كان غريبًا، ثابتًا أكثر من اللازم، كأنه لا يتحرك إلا عندما يقرر هو ذلك.
السائق لم ينظر إليها طويلًا. فقط قال بصوت منخفض جدًا قبل أن يغلق الباب:
“لا تنسي… بعد 3:33 لا تخرجي.”
ثم غادر.
لم يقل لماذا. ولم يقل ماذا يحدث. وكأن التفسير غير ضروري هنا، أو أسوأ… وكأن الجميع يعرفه بالفعل إلا هي.
وقفت ليان لحظة تنظر حولها. المدينة كانت عادية جدًا في شكلها، وهذا ما جعلها غير طبيعية. المباني قديمة لكن مرتبة، الشوارع نظيفة لكن بلا حياة واضحة، الناس يمشون دون استعجال، دون ضجيج، دون أي تواصل حقيقي بينهم. كل شيء يبدو وكأنه يؤدي دور “مدينة طبيعية” بشكل متقن جدًا.
لكن لا أحد ينظر أكثر من لحظة.
كأن النظر الطويل فعل ممنوع.
وصلت ليان إلى البيت بعد دقائق من السير مع عائلتها. البيت كان قديمًا، واجهته باهتة، ونوافذه لا تعكس الضوء بشكل طبيعي. الباب كان مفتوحًا بالفعل.
لم يسأل أحد عن ذلك.
دخلوا.
وفي اللحظة التي دخلت فيها ليان، شعرت بشيء غريب جدًا، إحساس لا يمكن تفسيره بسهولة… كأن البيت لم “يستقبلهم”، بل “سجّل دخولهم”.
الداخل كان عاديًا. غرفة معيشة، ممر، غرف نوم. لكن هناك شيء غير مريح في طريقة توزيع المساحات، كأن المسافة بين الغرف أطول مما يجب، أو أقصر بطريقة خاطئة لا يمكنك إثباتها.
الضوء في البيت كان ثابتًا بشكل مزعج. لا يرمش، لا يتغير، لا يعطي إحساسًا بأنه كهرباء عادية. كان أقرب إلى وجود دائم، ليس مصدره مصباح، بل فكرة “الإضاءة” نفسها.
في البداية، حاولت ليان تجاهل إحساسها. قالت لنفسها إنها متعبة، أن السفر طويل، أن أي مكان جديد يبدو غريبًا في البداية.
لكن الليل لم يساعدها على النسيان.
عندما دخلت الحمام أول مرة، كانت المرآة أكبر مما يجب. مثبتة بطريقة قديمة، وكأنها جزء من الجدار منذ وقت لم يُحدد. وقفت أمامها دون تفكير، ثم رفعت نظرها.
في البداية… لم يحدث شيء.
ثم لاحظت شيئًا صغيرًا جدًا.
انعكاسها لم يكن بطيئًا فقط… بل متأخرًا.
نصف ثانية فقط.
لكن نصف ثانية في مكان مثل هذا لا تعني تأخيرًا… بل تعني اختلافًا.
حركت يدها. انعكاسها تبعها بعد لحظة قصيرة جدًا، كأنه يفكر قبل أن يقلدها.
تجمدت.
أعادت الحركة مرة أخرى ببطء. نفس الشيء.
الانعكاس يتأخر.
ثم… ليس دائمًا بنفس الطريقة. أحيانًا يسبقها جزءًا صغيرًا، وأحيانًا يتوقف للحظة قبل أن يعود طبيعيًا، كأن هناك “تردد” في الطرف الآخر من الزجاج.
خطوة للخلف.
ثم صمت.
لكن المشكلة لم تكن في المرآة فقط… بل في الشعور الذي بدأ يتسلل لها: كأن هناك “شيئًا آخر” داخل الانعكاس لا يقوم بالتقليد فقط، بل يراقب.
أغلقت عينيها للحظة.
وعندما فتحتهما… كان الانعكاس ينظر إليها مباشرة دون أن تتحرك هي أولًا.
ابتعدت بسرعة.
وخرجت من الحمام وكأن الهواء داخله أصبح أثقل من الخارج.
---
في تلك الليلة، حاولت ليان أن تنام مبكرًا. لكنها لم تستطع. ليس بسبب الأصوات، بل بسبب غيابها. الصمت في هذه المدينة لم يكن مريحًا، بل كان “مقصودًا”، كأنه صمت مصنوع ليجعل أي صوت صغير يبدو أكبر مما هو عليه.
قبل أن تغمض عينيها، سمعت صوت والدتها من الخارج:
“لا تطفئي الضوء.”
سألت ليان: لماذا؟
لكن الرد جاء بعد صمت طويل جدًا، أطول من الطبيعي، كأن السؤال وصل متأخرًا:
“لأن الليل هنا… يتصرف إذا لم يراك.”
لم تفهم الجملة، لكن نبرة الصوت كانت كافية لتجعلها لا تسأل مرة أخرى.
عند الساعة 3:32، استيقظت فجأة.
لم يكن هناك سبب واضح. جسدها فقط فتح عينيه كأنه تلقى أمرًا. الغرفة كانت كما هي، الضوء ثابت، الهواء ثابت، كل شيء في مكانه، لكن الإحساس كان مختلفًا.
كأن الوقت نفسه أصبح “ينتظر”.
نظرت إلى الساعة.
3:32.
دقيقة واحدة.
ثم حدث ذلك.
3:33.
في نفس اللحظة، لم ينطفئ الضوء، ولم يحدث صوت.
لكن الصمت أصبح شيئًا ثقيلًا جدًا، ليس فراغًا… بل وجود ضغط داخل الغرفة نفسها، كأن الهواء أصبح أضيق.
ثم بدأت تسمعه.
خطوة واحدة في الممر خارج غرفتها.
ثم ثانية.
لكن الخطوات لم تكن تقترب ولا تبتعد.
كانت تمشي بنفس المسافة دائمًا.
كأنها لا تتبع طريقًا… بل تتبعها هي.
ليان لم تتحرك.
لكن قلبها فهم قبل عقلها أن ما يحدث ليس خارج الغرفة فقط.
ثم جاءت خطوة ثالثة.
قريبة جدًا.
خلف الباب مباشرة.
ثم توقف كل شيء.
ليس اختفاء… بل توقف.
كأن المدينة كلها قررت أن تستمع للحظة واحدة.
ليان لم تفتح الباب.
لكنها شعرت بشيء بسيط جدًا، أخطر من أي صوت:
أن هناك أحدًا… يقف في نفس المكان الذي تقف فيه، لكن من الجهة الأخرى من الواقع.
وفي النهاية، لم تكن المشكلة أنها سمعت الخطوات.
المشكلة أنها لم تعد متأكدة إن كانت هي داخل الغرفة…
أم أن الغرفة هي التي دخلت إليها.