رواية استنزاف هادئبقلم احمد الرحال User 9089 فصل 1

الفصل 1

دقيقتان قراءة · 399 كلمة

الفصل الأول

ما لا يُقال

لم يكن أحد يلاحظ شيئًا.

وهذه كانت المشكلة.

في كل صباح، كان يستيقظ في الموعد نفسه، يفتح الستارة، ينظر إلى الشارع لبضع ثوانٍ، ثم يعود إلى غرفته وكأن شيئًا لم يحدث.

كان كل شيء يبدو طبيعيًا.

المنبه يرن.

الهاتف يمتلئ بالإشعارات.

المدينة تبدأ يومها بصوت السيارات والبائعين وأبواب المحلات التي تُفتح واحدًا تلو الآخر.

أما هو، فكان يبدأ يومه بمحاولة جديدة لإقناع نفسه بأنه بخير.

وقف أمام المرآة طويلًا.

لم يكن يبحث عن شيء محدد في وجهه، لكنه ظل يحدق في انعكاسه كأنه ينتظر أن يخبره أحد بالحقيقة.

قال بصوت منخفض:

"أنا بخير."

توقّف قليلًا.

ثم ابتسم.

كانت ابتسامة قصيرة، مصطنعة، لكنها أتقنها مع الوقت.

خرج من غرفته.

في الخارج، كانت الحياة تمضي دون أن تسأل أحدًا إن كان مستعدًا لها.

تناول فطوره بصمت، ورد على الأسئلة المعتادة بإجابات معتادة.

"نمت كويس؟"

"آه."

"عندك شيء اليوم؟"

"شوية مشاوير."

"شكلك تعبان."

رفع رأسه بسرعة، ثم ابتسم.

"لا، عادي."

كانت كلمة "عادي" أكثر كلمة استخدمها خلال السنوات الأخيرة.

عادي.

حتى عندما لم يكن شيء عاديًا.

في الطريق، اكتشف أنه نسي شيئًا مهمًا، لكنه لم يعد إلى المنزل.

لم يكن لديه طاقة للعودة.

وهذه الأشياء الصغيرة كانت تتكرر كثيرًا.

ينسى، يتأخر، يصمت، يؤجل، ثم يبرر لنفسه أن الغد سيكون أفضل.

لكن الغد كان يأتي بالشيء نفسه.

ومع مرور الأيام، بدأ يشعر أن حياته تتحول إلى غرفة ضيقة، لا جدران لها، ومع ذلك لا يستطيع الخروج منها.

وصل إلى المكان الذي يقصده، جلس أمام مكتبه، وبدأ عمله.

ساعات طويلة من التركيز، مكالمات، رسائل، طلبات، وأحاديث لا تنتهي.

كان يجيب الجميع.

إلا نفسه.

عند الظهر، وضع الهاتف جانبًا للحظات.

ظهرت أمامه رسالة لم يفتحها منذ أيام.

قرأ الاسم.

تردد.

ثم أغلق الهاتف.

لم تكن الرسالة مخيفة، ولم تحمل خبرًا سيئًا.

لكن بعض الأشياء لا نخاف منها لأنها مؤذية، بل لأنها تجبرنا على مواجهة ما نحاول الهرب منه.

رفع عينيه نحو النافذة.

كان الناس في الخارج يتحركون بسرعة.

كل واحد منهم يحمل وجهًا مختلفًا للعالم.

وفجأة، خطر له سؤال بسيط:

متى أصبح التعب جزءًا من شخصيتي؟

لم يجد جوابًا.

وهنا أدرك شيئًا لم يعجبه.

هو لم يعد ينتظر أن تنتهي الأيام الصعبة.

لقد تعلّم كيف يعيش داخلها.

وفي المساء، عندما عاد إلى المنزل، خلع حذاءه ووضع هاتفه على الطاولة.

جلس في الظلام دون أن يشغل الضوء.

لم يكن يريد النوم.

ولم يكن يريد البقاء مستيقظًا.

كان يريد فقط أن يتوقف كل شيء قليلًا.

أن يصمت العالم.

أن يصمت هاتفه.

أن تصمت الأسئلة.

وأن يصمت رأسه.

مرّت دقائق طويلة.

ثم أضاء الهاتف.

رسالة جديدة.

هذه المرة، لم يتجاهلها.

فتحها.

كانت جملة واحدة:

"إلى متى ستقول إنك بخير؟"

ظل ينظر إليها.

لم يعرف من أرسلها.

لكن للمرة الأولى منذ وقت طويل، شعر أن أحدًا رأى ما كان يخفيه.

رفع رأسه ببطء.

وفي تلك اللحظة، لم يكن يعرف أن تلك الرسالة الصغيرة ستفتح بابًا حاول طويلًا إبقاءه مغلقًا.

بابًا خلفه أيام لم يتحدث عنها.

أشخاصًا لم يواجههم.

وقرارات ظل يؤجلها.

وكان عليه أخيرًا أن يكتشف الحقيقة:

أن الإنسان لا ينهار دائمًا بصوت مرتفع.

أحيانًا…

يستنزف بهدوء.