الفصل 2
3 دقائق قراءة · 696 كلمة
### رواية: بين العقل والقلب
### الفصل الثاني: حين يتحدث القلب بصمت
لم يكن أحمد يعرف لماذا ظلّ يفكر فيها طوال الليل. حاول أن يقنع نفسه بأن الأمر مجرد إعجاب عابر، وأن الأيام كفيلة بإطفاء ذلك الشعور الذي بدأ يكبر داخله دون استئذان.
كان يحدّث نفسه دائمًا بأن العقل لا يخطئ حين يحذّرنا، وأن القلب أحيانًا يفتح أبوابًا لا نستطيع إغلاقها بسهولة. لكنه، للمرة الأولى، لم يكن متأكدًا من أيّهما يستحق أن يستمع إليه.
في صباح اليوم التالي، استيقظ مبكرًا، وأعدّ قهوته، ثم جلس قرب النافذة. أمسك هاتفه وراح يتصفح الرسائل بلا اهتمام، حتى توقفت عيناه عند اسمها.
تردّد طويلًا قبل أن يكتب لها:
«صباح الخير، أتمنى أن يكون يومك جميلًا.»
قرأ الرسالة عدة مرات، ثم مسحها، وأعاد كتابتها، قبل أن يقرر أخيرًا إرسالها.
وضع الهاتف جانبًا، محاولًا إقناع نفسه بأنه لا ينتظر شيئًا، لكنه كان يعود إليه كل بضع دقائق.
وبعد وقت قصير، أضاءت الشاشة.
كانت قد أجابت:
«صباح النور، شكرًا لك، أتمنى لك يومًا أجمل.»
ابتسم أحمد دون أن يشعر، ثم أخفى ابتسامته كأنه يخشى أن يكتشف أحدهم سرًّا لم يعترف به حتى لنفسه.
كانت كلماتها عادية، لا تحمل وعدًا ولا اعترافًا، ومع ذلك شعر بأن يومه أصبح أخفّ مما كان عليه.
قال لنفسه بصوت خافت:
— ما الذي يحدث لي؟ إنها مجرد رسالة!
لكن القلب لم يكن مهتمًا بتفسيراته المنطقية. كان يكتفي بتلك التفاصيل الصغيرة، ويصنع منها حكايات طويلة لا يعرف العقل كيف يوقفها.
في المساء، التقيا مجددًا في المكان الذي جمعهما للمرة الأولى. كانت تجلس قرب النافذة، وبين يديها كتاب لم تكن تقرأ منه بقدر ما كانت تتأمل ما وراء الزجاج.
اقترب منها أحمد، وألقى التحية، ثم جلس على المقعد المقابل.
قالت وهي تبتسم:
— تبدو شارد الذهن اليوم.
أجاب محاولًا إخفاء ارتباكه:
— ربما لأنني أفكر كثيرًا.
— وهل التفكير الكثير يساعدك؟
تأمل سؤالها للحظة، ثم قال:
— أحيانًا يحمينا من الأخطاء، وأحيانًا يجعلنا نخسر أشياء جميلة قبل أن نمنحها فرصة.
أغلقت كتابها ونظرت إليه باهتمام.
— وهل تعتقد أن كل شيء جميل يستحق المخاطرة؟
تنفّس بعمق قبل أن يجيب:
— لا. لكنني أعتقد أن بعض الأشياء تستحق أن نحاول فهمها قبل أن نحكم عليها.
ساد الصمت بينهما، لكنه لم يكن صمتًا ثقيلًا. كان أشبه بمساحة صغيرة يستطيع كل منهما أن يفكر فيها دون خوف من المقاطعة.
قالت بعد لحظات:
— أنا أخاف من القرارات التي نتخذها بدافع الشعور، ثم نقضي سنوات نحاول إصلاح نتائجها.
أجابها أحمد:
— وأنا أخاف من القرارات التي نتخذها بدافع الخوف، ثم نقضي سنوات نتساءل عمّا كان يمكن أن يحدث لو امتلكنا الشجاعة.
تغيّرت ملامحها قليلًا، وكأن كلماته لمست شيئًا تخفيه في داخلها.
لم يسألها عمّا حدث في ماضيها، ولم يحاول أن يستدرج منها اعترافًا. اكتفى بالنظر إليها، منتظرًا إن كانت ترغب في مواصلة الحديث.
لكنها أعادت فتح كتابها وقالت:
— يبدو أنك تؤمن بالقلب أكثر مما تعترف.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
— بل أحاول أن أمنحه فرصة للكلام، دون أن أسمح له باتخاذ جميع القرارات.
ضحكت بهدوء.
— إذن أنت في حرب معه؟
— منذ وقت طويل.
— ومن المنتصر حتى الآن؟
نظر إليها، ثم أشاح بعينيه نحو النافذة.
— العقل، على ما أظن.
سألته:
— ولماذا تبدو حزينًا إذن؟
لم يجد جوابًا.
للمرة الأولى، اكتشف أن الإنسان قد ينتصر في معاركه الداخلية، ومع ذلك لا يشعر بالسعادة. فبعض الانتصارات تترك في الروح فراغًا لا يستطيع أحد تفسيره.
عندما افترقا، سار أحمد في الطريق المؤدي إلى منزله، بينما ظلّ حديثهما يتكرر في ذهنه.
لم تكن قد وعدته بشيء، ولم تقل إنها تشعر بما يشعر به، لكنه رأى في عينيها حزنًا مألوفًا، حزن شخص تعلّم أن يحمي نفسه حتى أصبح يخاف من كل ما قد يجعله سعيدًا.
وعندما وصل إلى غرفته، جلس إلى مكتبه وفتح دفترًا قديمًا اعتاد أن يكتب فيه أفكاره التي لا يستطيع قولها لأحد.
كتب في الصفحة الجديدة:
«أخطر ما يحدث للإنسان ليس أن يقع في الحب، بل أن يجد نفسه أمام شخص يجعل كل القواعد التي عاش بها موضع شك. عندها لا يعود السؤال: هل أحببت؟ بل يصبح: هل أملك الشجاعة لأعرف إلى أين يقودني هذا الشعور؟»
توقف قليلًا، ثم أضاف:
«العقل يريد ضمانات، والقلب يريد فرصة. وبينهما أقف أنا، أخشى أن أخسرها إن اقتربت، وأخشى أن أخسر نفسي إن ابتعدت.»
أغلق الدفتر، وأطفأ المصباح.
لكنه لم يكن يعلم أن تلك الليلة لن تكون نهاية تفكيره، بل بداية حكاية ستضعه أمام اختبار لم يستعد له.
ففي صباح اليوم التالي، وصلته رسالة منها لم يتوقعها.
كانت قصيرة، لكنها حملت سؤالًا واحدًا:
«أحمد، هل يمكن أن نتحدث؟ هناك شيء أريد أن أخبرك به، لكنني لا أعرف من أين أبدأ.»
قرأ الرسالة مرة، ثم مرتين.
هذه المرة، لم يبتسم.
شعر بأن شيئًا ما على وشك التغيّر، وأن الإجابة التي انتظرها قلبه قد لا تكون الإجابة التي يتمناها.
كتب لها:
«أنا أستمع إليكِ.»
ثم انتظر.
ولأول مرة منذ عرفها، تمنى أن يكون مخطئًا في كل مخاوفه.
ن