بين العقل والقلب.بقلم احمد الرحال User 9089 فصل 1

الفصل 1

4 دقائق قراءة · 927 كلمة

نبدأ رواية بين العقل والقلب ✍️

# بين العقل والقلب

رواية بقلم أحمد رحال

## مقدمة الرواية

في داخل كل إنسان معركة لا يسمعها أحد؛ معركة بين عقلٍ يحاول حمايته من الخسارة، وقلبٍ لا يعرف كيف يتوقف عن الحب.

كان يظن أن القرارات الصحيحة تُتخذ بالعقل، وأن المشاعر مجرد لحظات عابرة يمكن تجاوزها مع الوقت. لكن الحياة وضعته أمام اختيار لم يستطع الهروب منه: إما أن يستمع إلى عقله فيخسر الشيء الذي يمنحه السعادة، أو يتبع قلبه ويخاطر بكل ما بناه طوال سنوات.

لم تكن حكايته عن الحب وحده، بل عن الإنسان حين يصبح عدو نفسه، وعن الحقيقة التي نكتشفها متأخرين: أحيانًا يكون العقل محقًا، لكن القلب لا يستطيع أن يقتنع.

### الفصل الأول: حين بدأ الصراع

لم يكن أحمد يؤمن بالصدف، وكان يعتقد أن كل شيء في هذه الحياة يحدث لسبب، حتى اللقاءات التي تبدو عابرة، والكلمات التي تمر أمامنا دون أن نمنحها اهتمامًا.

كان يعيش حياته وفق نظام لا يسمح للفوضى بالتسلل إليه. يستيقظ في موعد محدد، ينجز أعماله، يتجنب الوعود التي لا يستطيع الوفاء بها، ولا يمنح ثقته لأحد بسهولة. بالنسبة إليه، كانت المشاعر بابًا واسعًا يدخل منه الألم، وكان العقل هو الحارس الوحيد الذي يستطيع إغلاق ذلك الباب في الوقت المناسب.

لكن شيئًا واحدًا لم يكن يعرفه: أن الإنسان مهما أحكم إغلاق أبوابه، قد تأتي لحظة واحدة تغيّر كل شيء.

في ذلك المساء، كان المطر يتساقط بهدوء على زجاج المقهى الذي اعتاد الجلوس فيه بعد انتهاء يومه. اختار طاولته المعتادة قرب النافذة، ووضع هاتفه بجوار فنجان القهوة، ثم فتح كتابًا لم يكن يقرأ منه أكثر من صفحتين في كل مرة.

كان المكان هادئًا، لا يُسمع فيه سوى صوت المطر وحديث خافت يتناثر بين الطاولات.

رفع عينيه مصادفة، فرأى فتاة تجلس بالقرب من النافذة المقابلة.

لم يكن في مظهرها ما يجعل المكان يتوقف، ولم يحدث شيء يشبه المشاهد التي قرأ عنها في الروايات. لم تتوقف الساعة، ولم تختفِ الأصوات من حوله. كل ما حدث أنه نظر إليها للحظات، ثم عاد إلى كتابه.

ومع ذلك، وجد نفسه يرفع عينيه مرة أخرى.

كانت تقرأ رسالة على هاتفها، ثم تبتسم ابتسامة صغيرة سرعان ما اختفت. وبعد لحظات، أغلقت الهاتف وأسندت رأسها إلى الزجاج، وكأنها تحمل في داخلها حديثًا طويلًا لا تريد قوله لأحد.

قال أحمد لنفسه: «ما شأني بها؟ لكل إنسان حكايته، وليس من حقي أن أبحث عن حكاية شخص لا أعرفه».

عاد إلى كتابه، لكنه لم يستطع التركيز.

وبعد دقائق، نهضت الفتاة واتجهت نحو الباب. وبينما كانت تمر بجوار طاولته، سقط منها دفتر صغير دون أن تنتبه.

التقطه أحمد وناداها:

«عفوًا، لقد سقط منكِ هذا».

التفتت إليه، ثم عادت بخطوات سريعة وأخذت الدفتر.

قالت بابتسامة هادئة: «شكرًا لك، كنت سأفقده دون أن أشعر».

أجابها: «يبدو أنه مهم بالنسبة إليكِ».

نظرت إلى الدفتر للحظة قبل أن تقول: «أكثر مما تتخيل».

ثم غادرت.

كان اللقاء قصيرًا إلى درجة أن أي شخص آخر ربما نسيه قبل أن يصل إلى منزله. لكن أحمد ظل يتذكر كلماتها طوال الطريق، لا لأنه أحبها، ولا لأنه اعتقد أنها مختلفة عن الجميع، بل لأنه شعر بأن وراء تلك الجملة قصة لم تكتمل.

وفي اليوم التالي، عاد إلى المقهى في الموعد نفسه.

أقنع نفسه بأنه جاء ليقرأ كتابه، وأن المكان هادئ ويساعده على التركيز. جلس في مقعده المعتاد، طلب قهوته، وفتح الكتاب من الصفحة التي توقف عندها.

لكن عينيه كانتا تذهبان نحو الباب بين حين وآخر.

مرت نصف ساعة، ثم ساعة، ولم تظهر.

ضحك من نفسه وهو يغلق الكتاب.

«ماذا يحدث لك يا أحمد؟ هل أصبحت تنتظر شخصًا لا تعرف حتى اسمه؟»

غادر المقهى وهو يشعر بالانزعاج من تصرفه، ووعد نفسه ألا يعود إلى التفكير في الأمر.

غير أن الحياة لم تكن قد انتهت من ترتيب ذلك اللقاء.

بعد ثلاثة أيام، رآها في مكتبة صغيرة تقع في أحد الشوارع القريبة من عمله. كانت تقف أمام رف الروايات، تحمل كتابًا وتتأمل غلافه.

تردد في الاقتراب. أخبره عقله أن الأمر لا يستحق، وأن الحديث مع غريبة قد يفتح بابًا لا يحتاج إليه. لكن فضوله كان أقوى هذه المرة.

اقترب وقال:

«هل وجدتِ الكتاب الذي تبحثين عنه؟»

التفتت إليه، وبدا عليها أنها تذكّرته بعد لحظات.

«أنت صاحب المقهى، أليس كذلك؟»

ابتسم أحمد.

«لست صاحبه، لكن يبدو أننا نتقابل كثيرًا».

قالت ضاحكة: «أو ربما أنت من يذهب إلى الأماكن التي أذهب إليها».

أراد أن يجيب، لكنه اكتفى بابتسامة قصيرة.

مدّت يدها نحو الكتاب الذي تحمله وقالت: «أنا ليان، بالمناسبة».

«أحمد».

ساد بينهما صمت قصير، ثم بدأت ليان تتحدث عن الرواية التي كانت تحملها. اكتشف أنها تحب الكتب التي تطرح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات، وأنها لا تثق بالنهايات السعيدة التي تأتي بسهولة.

قالت له: «أعتقد أن الإنسان لا يتعلم من الأشياء التي تسير كما يريد، بل من الأشياء التي تجبره على إعادة التفكير في كل شيء».

نظر إليها أحمد باهتمام.

«وهل تعتقدين أن إعادة التفكير تغيّر النتائج دائمًا؟»

أجابت: «لا، لكنها قد تغيّر الطريقة التي نفهم بها ما حدث».

كانت جملة بسيطة، لكنها بقيت في ذهنه بعد أن افترقا.

وقبل أن تغادر المكتبة، تبادلا الحديث عن الكتب التي يفضلانها، ثم سألته ليان إن كان يزور المكان باستمرار.

أجابها: «أحيانًا».

قالت مبتسمة: «إذن ربما نلتقي مرة ثالثة».

راقبها وهي تبتعد، ثم تنفس بعمق.

هذه المرة لم يحاول إقناع نفسه بأن اللقاء لم يعنِ له شيئًا. لكنه لم يسمح لنفسه أيضًا بأن يمنحه اسمًا أكبر من حجمه.

في تلك الليلة، جلس أحمد أمام نافذته، يفكر في ليان وفي الكلمات التي قالتها. لم يكن يعرف عنها إلا القليل، ومع ذلك شعر بأن شيئًا ما قد تحرك داخله، شيئًا لم يستطع تفسيره بالمنطق الذي اعتاد الاعتماد عليه.

قال لنفسه بحزم:

«لا تتسرع. الإعجاب ليس حبًا، واللقاء ليس وعدًا، والابتسامة لا تعني أن هناك مستقبلًا ينتظركما».

كان العقل يتحدث بثقة، كما يفعل دائمًا.

لكن قلبه، للمرة الأولى منذ وقت طويل، لم يقدم أي إجابة.

وفي مكان آخر من المدينة، كانت ليان تفتح دفترها الصغير وتكتب في إحدى صفحاته:

«بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا بضجيج، بل يأتون بهدوء، ثم يجعلوننا نتساءل لماذا أصبح غيابهم ملحوظًا بعد لقاء واحد فقط».

أغلقت الدفتر، وأطفأت الضوء.

أما أحمد، فلم يكن يعلم أن الفتاة التي التقاها مصادفة ستضعه قريبًا أمام أصعب قرار في حياته، وأن الصراع الذي حاول تجنبه سنوات طويلة سيبدأ من سؤال واحد:

هل ينبغي للإنسان أن يختار ما يراه صحيحًا، أم ما يشعر أنه لا يستطيع العيش بدونه؟

نواصل بالفصل الثاني: أول خطوة نحو المجهول.