غريبان في بطن واحدبقلم صدى القارئ فصل 1

الصوت الأول

3 دقائق قراءة · 404 كلمة

لم تكن تلك الليلة مختلفة عن غيرها. كان الليل هادئًا إلى حدٍ مزعج، والمدينة غارقة في صمت ثقيل لا يقطعه إلا صوت ريحٍ خفيفة تمر بين الأبنية. استلقيت على السرير أحدّق في السقف المظلم، أحاول أن أهرب من أفكاري، لكن أفكاري لم تكن تريد أن تتركني. كان هناك شعور غريب يرافقني منذ أيام، شعور يصعب تفسيره، كأن شيئًا ما في داخلي تغيّر، أو كأن أفكاري لم تعد كلها لي.

في البداية أقنعت نفسي أنه مجرد تعب. ربما ضغط الأيام، أو قلة النوم، أو ذلك القلق الذي يزور الإنسان أحيانًا بلا سبب واضح. لكن تلك الليلة لم يكن الأمر عاديًا. كنت أشعر أن هناك شيئًا ينتظر أن يحدث، شيئًا صغيرًا لكنه كفيل بأن يقلب هدوء حياتي رأسًا على عقب.

وفجأة… سمعت الفكرة.

لا، لم تكن فكرة عابرة كما يحدث عادة. كان صوتًا واضحًا، هادئًا، وكأنه يعرفني منذ زمن طويل. قال بصوت خافت لكنه ثابت: "أخيرًا انتبهت."

جلست بسرعة وكأن أحدًا دفعني من الخلف. نظرت حولي في الغرفة بعينين متوترتين. الظلام يملأ المكان، ولا أحد هنا غيري. الباب مغلق، والنافذة نصف مفتوحة، والهواء البارد يدخل ببطء إلى الغرفة. حاولت أن أهدئ نفسي وقلت بصوت منخفض: "من هناك؟"

لم يجبني أحد من الخارج. لم يتحرك شيء في الغرفة. لكن الصوت عاد مرة أخرى… من الداخل هذه المرة.

قال بهدوء غريب: "لا تخف… أنا هنا منذ زمن."

شعرت بقشعريرة تسري في ظهري. وضعت يدي على رأسي وكأنني أحاول أن أتأكد أنني ما زلت مسيطرًا على نفسي. ضحكت ضحكة قصيرة مليئة بالقلق وقلت في داخلي: هل بدأت أفقد عقلي؟

لكن الصوت لم يختفِ.

قال مرة أخرى، وكأنه يسمع أفكاري: "لا… أنت لا تفقد عقلك. أنت فقط بدأت تسمعني."

في تلك اللحظة تحديدًا شعرت بأن شيئًا في داخلي انكسر. ليس خوفًا فقط… بل شعور غريب بأنني اكتشفت سرًا كان يعيش معي منذ سنوات دون أن أراه.

انظر يا أخي القارئ… ربما وأنت تقرأ هذه الكلمات الآن تظن أنني مجنون. وربما تبتسم ساخرًا وتقول في نفسك إن هذه مجرد أوهام رجل مرهق. لكن قبل أن تحكم عليّ دعني أسألك سؤالًا بسيطًا.

هل شعرت يومًا أن في داخلك شخصين؟

واحد يدعوك دائمًا إلى الصبر والهدوء، يقول لك: سامح، اصمت، لا تدخل في المشاكل. والآخر يقف في الجهة المقابلة تمامًا، يهمس لك بالغضب، يدفعك إلى الرد، ويذكرك بكل الظلم الذي مررت به.

إن كنت لم تشعر بهذا من قبل، فربما أنت إنسان محظوظ.

أما أنا… فقد اكتشفت في تلك الليلة حقيقة لم أكن مستعدًا لمواجهتها. اكتشفت أنني لست وحدي في هذا الجسد كما كنت أظن طوال حياتي.

نحن اثنان…

غريبان في بطنٍ واحد.