غريبان في بطن واحدبقلم صدى القارئ فصل 2

الكلمة التي لا تموت

3 دقائق قراءة · 451 كلمة

لم أكن أحب العودة إلى البيت في تلك الأيام. ليس لأن البيت سيئ، ولا لأن الجدران تضيق بي، بل لأن الصمت فيه كان أثقل من قدرتي على احتماله. عندما تدخل بيتًا يسكنه التعب لفترة طويلة، يتغير كل شيء فيه؛ الكراسي تصبح أكثر صلابة، والهواء نفسه يبدو أثقل، وحتى الخطوات على الأرض تصدر صوتًا مختلفًا، كأنها تحاول أن تذكّرك بأن شيئًا لم يعد كما كان.

في ذلك المساء عدت متعبًا. كان الغروب قد انتهى، والسماء تميل إلى السواد، والشارع شبه فارغ. فتحت الباب ببطء، ودخلت كعادتي دون أن أحدث ضجيجًا. كانت أمي في المطبخ، وصوت الأواني الخفيف يصل إلى الصالة. أما أبي فكان جالسًا على الكرسي قرب النافذة، ينظر إلى الخارج وكأنه ينتظر شيئًا لن يأتي.

لم أقل شيئًا في البداية. جلست بصمت، وأخذت أنظر إلى الأرض. كان في داخلي كلام كثير، لكنني لم أكن أعرف كيف أقوله.

أبي كان رجلًا قليل الكلام، لكنه عندما يتكلم تكون كلماته ثقيلة. ليست قاسية دائمًا، لكنها حادة كالسكاكين الصغيرة التي تجرح دون أن تترك دمًا واضحًا.

رفع رأسه قليلًا ونظر إليّ نظرة سريعة، ثم قال بنبرة عادية:

"رجعت."

أجبته بهدوء:

"نعم."

مرّت لحظات صمت طويلة. كنت أشعر أن شيئًا ما سيتقال، لكنني لم أعرف ما هو.

ثم حدثت تلك اللحظة.

نظر إليّ أبي نظرة مختلفة هذه المرة، نظرة فيها ضيق وغضب متعب، وقال جملة قصيرة جدًا.

جملة من ثلاث كلمات فقط.

"أنت كلك غلط."

انظر يا أخي القارئ…

ربما وأنت تقرأ هذه الكلمات الآن تقول في نفسك: وما المشكلة؟ الناس تقول كلمات أقسى من هذا كل يوم.

لكن الحقيقة ليست في الكلمات نفسها… بل في من قالها.

عندما يأتي الجرح من شخص غريب، يمكن للإنسان أن ينساه بعد أيام.

لكن عندما يأتي من شخص كنت تظنه ظهرك… فإنه يبقى معك سنوات.

تجمدت في مكاني. لم أعرف ماذا أقول. لم أغضب، ولم أصرخ، ولم أدافع عن نفسي. فقط شعرت أن شيئًا ثقيلًا سقط داخل صدري.

في تلك اللحظة عاد الصوت في داخلي.

قال بهدوء بارد:

"رأيت؟"

لم أجب.

قال مرة أخرى:

"كنت أقول لك منذ زمن… الناس لا يرونك كما تظن."

حاولت أن أسكته، لكن كلماته كانت أوضح من قبل.

"أخبرني يا شادي… هل ستبقى صامتًا دائمًا؟"

رفعت رأسي قليلًا ونظرت إلى أبي. كان قد عاد ينظر إلى النافذة وكأن شيئًا لم يحدث. بالنسبة له كانت مجرد جملة عابرة، كلمة قالها في لحظة ضيق.

لكن بالنسبة لي…

لم تكن مجرد كلمة.

بعض الكلمات يا أخي القارئ لا تمر مرورًا عاديًا.

بعضها يدخل القلب بهدوء… ثم يبقى هناك لسنوات.

وفي تلك الليلة فهمت شيئًا مهمًا.

أن الإنسان قد يعيش عمره كله وهو يحاول أن يثبت أنه ليس كما قيل عنه في لحظة غضب.

لكن الصوت في داخلي لم يكن مهتمًا بإثبات أي شيء.

قال بهدوء مظلم:

"دعهم يقولون ما يريدون…

سيأتي يوم يعرفون من هو الخطأ الحقيقي."

ومنذ تلك اللحظة…

بدأ الغريب الآخر في داخلي يصبح أقوى.