الفصل الثاني 🥀🛡🖤
21 دقيقة قراءة · 4,122 كلمة
الفصل الثاني 🥀🛡🖤
كان الفجر الرابع في قصر النور مختلفاً. لم تكن الشمس هي التي أيقظت أيهم، بل صوت دقٍّ خفيف على باب غرفتها. فتحت بتردد لتجد الشيخ نور الدين واقفاً في الممر، يحمل مصباحاً زيتياً صغيراً.
(نور الدين، بهمس):
استعد للرحلة. خمس دقائق فقط.
(أيهم، نصف نائمة):
أي رحلة؟
(نور الدين):
رحلة مع الأمير إلى واحة القلوب. لا أسئلة الآن. البس ملابس السفر وكن عند الباب الغربي.
أغلقت الباب، أسرعت ترتدي ملابسها البسيطة، تضع الخنجر في حزامها المخفي. رفاقها في الغرفة كانوا ما زالوا نائمين. تسللت خارجاً.
عند الباب الغربي، كانت هناك مجموعة صغيرة: الأمير زيدان يرتزي عباءة صوفية بنية بسيطة، الشيخ نور الدين، وخادمان يحملان حقائب صغيرة. لم يكن هناك حراس آخرون.
(زيدان، حين رأى أيهم):
أهلاً بك. اليوم ستذهب حيث لا تذهب عيون الحراس عادة.
ركبوا خيولاً كانت تنتظرهم. أيهم لم تمتط جواداً منذ سنوات، لكن عضلاتها تذكرت. ركبت بمهارة، مما لفت انتباه نور الدين الذي رفع حاجبيه باهتمام.
انطلقوا مع أولى خيوط الشمس. غادروا المدينة من الباب الغربي، متجهين نحو الصحراء. الهواء الباكر كان منعشاً، يحمل رائحة الرمل والزعتر البري.
بعد ساعة من الركوب، بدأت ملامح المدينة تختفي خلفهم. الصحراء امتدت أمامهم كبحر ذهبي مجمد، تلال رملية ناعمة تلمع تحت الشمس الصاعدة.
توقفوا عند بئر ماء قديم. نزلوا ليرتووا ويريحوا الخيول.
(زيدان، وهو يشرب من كأس خشبي):
الصحراء تظهر حقيقة الإنسان. هنا لا أقنعة، لا تزييف. فقط أنت والسماء والرمال.
(أيهم):
ولماذا جئنا إلى هنا؟
(زيدان):
لأريك شيئاً لم تريه في قصرك السابق.
"قصرك السابق". العبارة علقت في الهواء. هل كان يعرف؟ هل كان يشير إلى مملكة الغاب؟
استأنفوا رحلتهم. الشمس ارتفعت، وأصبح الجو حاراً. لكن الريح كانت لطيفة، تحمل نسمات باردة بين الحين والآخر.
ظهرت الواحة فجأة كمعجزة: نخيل عالية مائلة، بركة ماء زرقاء صافية، وبيوت طينية صغيرة مبعثرة حولها. كان المكان يبدو مسكوناً، لكنه هادئ بشكل غريب.
نزلوا عند أول بيت. خرجت امرأة عجوز، وجهها مجعد كجلد الشجرة، لكن عينيها كانتا ناصعتين.
(العجوز، مبتسمة):
زيدان! عدت إلينا!
(زيدان، وهو يحتضنها بحنان):
كيف لا أعود إلى أمي الثانية؟
أدخلتهم إلى بيتها البسيط. الجدران من الطين، الأرضية مفروشة بحصر من سعف النخيل، رائحة الخبز الطازج تملأ المكان.
بينما كانوا يتناولون الشاي والنعناع، دخل شاب أعرج، يحمل حزمة حطب.
(زيدان):
كيف ساقك يا سليم؟
(الشاب، مبتسماً):
تتحسن يا سيدي. المرهم الذي أرسلته ساعد كثيراً.
(زيدان):
هذا عبد الله، ابن الجارة. ساقه كسرت عندما سقط من نخلة قبل ثلاث سنوات. منذ ذلك الحين، وهو لا يستطيع العمل كباقي الشباب.
نظرت أيهم حولها. هؤلاء الناس... كانوا فقراء، بسطاء، لكن وجوههم كانت مشرقة بالسعادة. وكانوا يحبون زيدان حباً حقيقياً، ليس خوفاً من سلطته.
بعد زيارة عدة بيوت، قادهم زيدان إلى مدرسة صغيرة في وسط الواحة. كانت مبنية من الطين أيضاً، لكنها نظيفة، وفيها أطفال يجلسون على الحصير، يتعلمون القراءة من معلم شاب.
(زيدان، وهو يلقي نظرة داخل الفصل):
هنا يتعلمون أن العلم نور، حتى في أبعد بقاع الصحراء.
التقوا بشيخ الواحة، رجل في التسعين من عمره، لكن ذاكرته حادة كالسيف.
(الشيخ العجوز، وهو يصافح أيهم):
وجه جديد. يحمل أسئلة قديمة.
(أيهم):
كيف عرفت؟
(الشيخ):
العيون لا تكذب. وعيناك تحملان ضياع من يبحث عن شيء فقد منذ زمن.
تحدثوا قليلاً، ثم دعاهم الشيخ إلى وجبة الغداء: أكل بسيط من التمر والخبز واللبن. أثناء الأكل، سمعت أيهم صوت أطفال يلعبون خارجاً. صوت ضحك نقي، لم تسمع مثله في مملكة الغاب حيث كان ضحك الأطفال دائماً مختنقاً بالخوف.
بعد الغداء، أخذها زيدان في جولة حول الواحة. وصلا إلى مكان هادئ تحت شجرة نخيل عتيقة.
(زيدان):
ما رأيك في هؤلاء الناس؟
(أيهم):
هم... سعداء. رغم فقرهم.
(زيدان):
السعادة ليست في الثروة، بل في القناعة. والحرية ليست في فعل ما تريد، بل في ألا تريد إلا الخير.
جلس على الرمل، وأشار لها أن تجلس بجانبه.
(زيدان):
أتعرف لماذا أحب هذه الواحة؟
(أيهم، تجلس بحذر):
لماذا؟
(زيدان):
لأنها تذكرني بأن الحكم ليس سلطة، بل خدمة. وأن الملك ليس تاجاً، بل مسؤولية. هؤلاء الناس لا يحتاجون إلى قصور، بل إلى ماء نظيف، وعلاج، وتعليم. وهذه هي ثروة الحاكم الحقيقية: أن يرى شعبه يعيش بكرامة.
صمتت لحظة. ثم قال شيئاً قلب عالمها رأساً على عقب:
(زيدان):
أدالين.
تجمدت. دمها توقف في عروقها. يدها تحركت نحو الخنجر تلقائياً.
(زيدان، بهدوء):
لا تحتاجين إلى السلاح. لو أردت أذيتك، لكنت فعلت قبل أيام.
(أدالين، بصوت مرتجف):
كيف... كيف عرفت؟
(زيدان):
عيون أخيك. أنتما تحملان نفس النظرة. نفس الألم. نفس البحث.
أدار وجهها إليه. عيناه كانتا تنظران إليها بشفقة لا غضب، بفهم لا اتهام.
(زيدان):
كيران أخبرني عنكِ. قال لي: "أختي قد تأتي يوماً. وقد تحمل سيفاً ضدك. لكنها في العمق تبحث عن الحق كما بحثت أنا."
(أدالين):
وأنت... لم تعتقلي؟
(زيدان):
السجون لا تهدي القلوب. والحب وحده يستطيع أن يذيب الكراهية.
نظرت إلى يديها، ثم إلى وجهه الهادئ.
(أدالين):
أرسلتني عصابة الذئاب لأقتلك.
(زيدان):
أعلم.
(أدالين):
وأخي... كان يفعل الشيء نفسه.
(زيدان):
وأخوك الآن يصلي معنا، ويقرأ القرآن، ويساعد المرضى. لأنه وجد شيئاً أفضل من الكراهية.
وقفت فجأة. الدموع كانت تملأ عينيها.
(أدالين):
ماذا أفعل؟ إذا لم أقتلك، سيقتلونني. ويقتلون كيران.
(زيدان، وهو ينهض):
أمامك خياران: إما أن تعودي إليهم بخبر موتي، وهذا سيكلفني حياتي. وإما أن تبقى هنا، وهذا قد يكلفك حياتكِ. لكن هناك خيار ثالث.
(أدالين):
ما هو؟
(زيدان):
أن تظهري لهم أنكِ فشلتِ، وأن تهربي. وسأضمن لكِ الحماية أنتِ وأخوكِ.
هزت رأسها.
(أدالين):
لن يقبلوا. الذئاب لا تنسى. وسيأتون لنا أينما كنا.
فكر زيدان لحظة، ثم قال:
(زيدان):
إذن، يجب أن نواجههم. ولكن ليس بالسيف وحده. بل بالحكمة.
عادوا إلى حيث كان الشيخ نور الدين ينتظرهم. نزل الليل فجأة في الصحراء، والسماء امتلأت بنجوم أكثر مما رأت أدالين في حياتها.
في طريق العودة تحت ضوء النجوم، سألت أدالين:
(أدالين):
لماذا تثق بي؟ أنا جئت لأقتلك.
(زيدان):
لأني أرى في عينيكِ ما رأيته في عيني أخيكِ: قلباً ضائعاً يبحث عن النور. والله يقول: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا".
الكلمات العربية كانت غريبة على أذنيها، لكن معناها وصل إلى قلبها.
عند عودتهم إلى القصر في منتصف الليل، كان كل شيء هادئاً. لكن عند باب غرفتها، كان ينتظرها أحد الخدم - البستاني، عميل العصابة.
(البستاني، بعينين باردتين):
لقد عدتِ متأخرة.
(أدالين):
كانت رحلة مع الأمير.
(البستاني):
وهل وجدتِ الفرصة؟
(أدالين، بعد تردد):
لم تكن الفرصة مناسبة. كان معنا آخرون.
اقترب منها، همس في أذنها:
(البستاني):
الذئاب تطلب تقريراً غداً. وإلا... تعرفين العواقب.
مشى مبتعداً. دخلت أدالين إلى غرفتها، أغلق الباب، اتكأت عليه.
كان عليها أن تقرر. ولديها ليلة واحدة فقط.
أخرجت الخنجرين. نظرت إليهما طويلاً. ثم فتحت النافذة، رميت خنجر فارس (الذي أعطاها إياه العميل) في الظلام. احتفظت بخنجر كيران القديم.
ثم جلست تكتب رسالتين.
الأولى: رسالة إلى فارس وقادة عصابة الذئاب، تخبرهم فيها أنها بحاجة إلى أسبوع إضافي، وأن الأمير زيدان شديد الحراسة، وأنها تخطط لطريقة أكيدة.
الثانية: رسالة إلى كيران، كُتبت بلغة طفولتهم السرية: "وجدت النور. سأحميه. ساعدني."
ربطت الرسالة الأولى بحجر صغير، وألقتها من النافذة حيث يعرف العميل أنها ستجدها. والرسالة الثانية خبأتها في مكان سري.
ثم جلست على السرير، تحمل خنجر كيران. وتذكرت كلمات أمها قبل أن تموت، وهي تحتضنهم في الحريق: "عيشوا. عيشوا بسلام. لا تكنوا كمن أحرقنا."
وبكى. بكاء طويل، صامت، عميق. بكاء لطفولة ضائعة، لأم محروقة، لأخ وجد طريقه، ولقلب بدأ يرى النور بعد ظلام طويل.
وفي تلك الليلة، حلمت. حلمت بأمها، ولكن ليس كما ماتت محترقة. بل حلمت بها في حديقة خضراء، تبتسم لهم، وتقول: "هذا ما كنت أتمناه لكم. سلام."
واستيقظت مع أذان الفجر، وعيناها محمرتان، لكن قلبها كان أخف مما كان عليه منذ سنوات.
استيقظت أدالين مع أذان الفجر، وكأن صوت المؤذن أصبح منذ تلك الليلة نداء شخصياً لها. صدرها كان أخف، لكن عقلاً كان أثقل. القرار الذي اتخذته في الليل كان كحجر ألقي في بحيرة ساكنة - سيكون له تموجات قد تغير كل شيء.
التحقت بالحراس الجدد في التدريبات الصباحية كالمعتاد، لكن عينيها كانتا تبحثان في كل زاوية، تترقبان علامة من كيران، أو تهديداً من البستاني العميل.
في منتصف التدريب، جاء خادم إلى الشيخ نور الدين وهمس في أذنه. نظر نور الدين إلى أدالين وأشار لها.
(نور الدين):
أيهم، الأمير يطلبك في المكتبة.
سارعت خلف الخادم عبر الممرات التي أصبحت مألوفة الآن. لكن هذه المرة، لم تؤدِ إلى مكتب الأمير، بل إلى جناح مختلف في القصر - مكتبة النور الكبرى.
كانت المكتبة تحفة معمارية تخطف الأنفاس. رفوف خشبية عالية تصل إلى السقف المقبب، تحمل آلاف المجلدات بخطوط ذهبية وعربية على أغلفتها الجلدية. النوافذ الزجاجية الملونة تلقي أضواء قوس قزح على الأرض الرخامية البيضاء. في وسط القاعة، على منصة مرتفعة قليلاً، كان الأمير زيدان جالساً على سجادة حمراء، وحوله كيران والشيخ نور الدين.
توقفت عند المدخل. كان أول لقاء رسمي لها مع أخيها في حضور الآخرين. عينا كيران التقتا بعينيها، وفيها لمعة من الفخر والقلق معاً.
(زيدان):
تعال، أدالين. أو ما زلت تفضلين أن نناديك أيهم؟
مشت نحوهم، جاثية على ركبتيها على السجادة بجانب كيران. يداهما التقتا تحت طيات الملابس، ضغطة سريعة، تأكيد صامت على التحالف.
(زيدان):
لقد أخبرني كيران بكل شيء. وأخبرتني أنتِ بما تستطيعين. الآن حان وقت الحقيقة الكاملة.
أخرج من بين طيات ثوبه رسالة صغيرة. كانت رسالتها إلى فارس التي ألقتها من النافذة ليلاً.
(زيدان):
البستاني أحضرها إليّ قبل ساعة. كان يظن أنه يخونكِ، لكنه في الحقيقة كان يختبر ولاءكِ لي.
تجمدت أدالين. كانت الخيانة مزدوجة.
(نور الدين):
البستاني كان عميلاً مزدوجاً لصالحنا منذ أشهر. وقد أكد لنا صدق نواياكِ عندما قررت رمي خنجرهم والاحتفاظ بخنجر أخيكِ.
شعرت بالدوار. كل خطوة خططت لها، كل حركة، كانت مراقبة. لكن لم يكن هناك غضب في عيونهم، فقط فهم عميق.
(كيران، يضع يده على كتفها):
أنا أيضاً مررت بهذا. الشعور بأن كل شيء تعرفه كان كذباً. لكن هذه المرة، الكذبة هي لصالحكِ.
(زيدان):
عصابة الذئاب ليست مجرد مجموعة لصوص. هم جزء من شبكة أكبر تريد تدمير مملكة النور لأننا نرفض تجارة السلاح والرقيق التي تجلب لهم الثروة. وقتلي ليس انتقاماً شخصياً، بل خطوة لتسهيل غزوهم للمملكة.
لأول مرة، رأت الصورة الكاملة. لم تكن حرباً دينية، بل حرب مصالح. وكانت هي وكيران مجرد أدوات فيها.
(أدالين):
ماذا سنفعل؟
(زيدان):
لدينا أسبوع كما طلبتِ في رسالتكِ. في هذا الأسبوع، يجب أن نخطط ليس للدفاع فحسب، بل للهجوم. لكن ليس هجوماً بالسيوف.
أشار إلى الكتب حولهم.
(زيدان):
سلاحنا هنا. في المعرفة. في الحكمة. في فهم عدوك أكثر مما يفهم نفسه.
بدأوا الخطة. كانت معقدة، وخطيرة، وتعتمد على أداء أدالين المثالي.
(نور الدين):
عليكِ أن تستمري في لعب دور الجاسوسة. ستوصلين لهم معلومات نعدها نحن. معلومات صحيحة لكن غير كاملة. سنجعلهم يأتون إلى حيث نريدهم.
(كيران):
وستكون أنت الطعم. لأنهم يريدونكِ أنتِ بالذات لتنفيذ الاغتيال.
نظرت أدالين إلى زيدان.
(أدالين):
وستعرض نفسك كهدف؟ هذا جنون.
(زيدان، يبتسم):
أحياناً، الجنون المدروس هو أعظم أنواع الحكمة. وعيسى ابن مريم - عليه السلام - قال: "كن ذكياً كالأفعى وحميداً كالحمامة".
بعد ساعتين من التخطيط، غادرت المكتبة وعادت إلى التدريبات، لكن العالم كان يبدو مختلفاً. كل حركة، كل نظرة، كل همسة - كان لها معنى جديد.
في فترة ما بعد الظهر، بينما كانت تساعد في تنظيف أسلحة الحرس، جاءها البستاني.
(البستاني، وهو يبدو وكأنه يقطف أعشاباً قريبة):
التقرير؟
(أدالين، بنبرة باردة):
قل لفارس: الأمير سيزور معبد الشمس القديم في الطرف الشمالي من المملكة بعد ثلاثة أيام. الحراسة ستكون خفيفة لأنه يريد أن يكون متواضعاً أمام أتباع الديانات الأخرى.
كانت هذه المعلومة الأولى من سلسلة معلومات زائفة أعدوها.
(البستاني):
جيدة. سيتم التحضير. كن مستعدة ليوم الحسم.
مشى بعيداً. أدالين نظرت إلى يدها وهي تمسك بالسيف الذي كانت تنظفه. كانت هذه المرة الأولى التي تشعر فيها بأن السيف قد يكون أداة للحماية الحقيقية، لا للقتل الأعمى.
في المساء، بعد صلاة العشاء، جاءتها دعوة غير متوقعة. خادمة صغيرة قالت إن سيدة القصر تريد رؤيتها.
تبعتها إلى جناح النساء في القصر - منطقة لم تكن قد دخلتها من قبل. كانت هادئة، مليئة بالنباتات الداخلية، ورائحة البخور الخفيفة.
في غرفة الجلوس، جلس امرأة في منتصف العمر، ترتزي حجاباً أخضر فاتحاً، وعيناها تشبهان عيني زيدان.
(المرأة):
أنا عائشة، أخت الأمير زيدان. أهلاً بكِ، أدالين.
(أدالين، منحنية برأسها):
سيدتي.
(عائشة):
لا حاجة للتكلف. اجلسي. أخي أخبرني عنكِ. وعن شقيقكِ.
جلست أدالين على الوسادة المقابلة. عائشة كانت تدرسها بنظرة حادة ولكن طيبة.
(عائشة):
عندما كان زيدان صغيراً، حاولوا قتله أيضاً. كان في العاشرة من عمره. لأن أباه رفض الانضمام إلى تحالف تجارة الرقيق. أتذكر كيف جاء إليّ ليلاً، يرتجف، لكن عينيه كانتا تقولان: "سأقاتلهم بالعدل، لا بالسيف".
سكوت. ثم:
(عائشة):
ما أريد قوله هو: أنتِ لستِ الوحيدة التي عانت. وعدوك ليس عدوكِ وحدكِ. هو عدو لكل من يؤمن بالكرامة الإنسانية.
مدت يدها، وضعتها على يد أدالين.
(عائشة):
أخي يثق بكِ. وأنا أثق بحكمه. ولكن الأهم: أنا أرى في عينيكِ ما رأيته في عينيه عندما كان صغيراً: إرادة للخير، مهما حاول الظلام إخمادها.
غادرت أدالين جناح النساء وهي تحمل هدية من عائشة: قلادة فضية بيد صغيرة منحوتة - رمز الرحمة في ثقافة المملكة.
وفي طريق عودتها إلى غرفتها، في ممر مظلم، شعرت بحضور. التفتت بسرعة.
كيران كان واقفاً في الظل.
(كيران):
يجب أن نتحدث. سراً.
أخذها إلى مخبئه - غرفة صغيرة تحت المكتبة، مدخلها سري خلف رف كتب متحرك. كانت الغرفة بسيطة: سرير، منضدة، سجادة صلاة، وصورة صغيرة لهم في الطفولة.
(كيران):
هذا مكاني عندما أريد أن أكون وحيداً. وهذا... هذا لكِ إذا احتجتِ إليه.
جلستا على الأرض.
(كيران):
أتدري لماذا اخترت البقاء هنا؟
(أدالين):
لأنكِ وجدتِ السلام.
(كيران):
لا. لأني وجدت الحقيقة. والحقيقة هي أننا كنا عبيداً للكراهية. كانوا يطعموننا غضباً كل يوم، ويقولون لنا: "هذا قوتكم". لكنه كان سماً بطيئاً يقتل أرواحنا.
أخذ نفساً عميقاً.
(كيران):
أول يوم لي هنا، بعد أن سقط خنجري ورأيت الأمير يصلي، أخذني إلى غرفة صغيرة. فيها رجل عجوز أعمى. قال لي زيدان: "هذا الشيخ محمد. فقد بصره في هجوم لعصابة الذئاب قبل عشر سنوات. عندما أمسكوا به ليعذبوه، كان يدعو لهم بالهداية."
(أدالين):
ويدعو لعدوه؟
(كيران):
نعم. وسألته: "لماذا تدعو لمن أعماك؟" فأجاب: "لأني أرى الآن بعين القلب ما لم أكن أراه بعين الجسد. وأنا أشفق عليهم لأنهم عمي القلوب، وهذا أشد عمىً."
سكتت أدالين. كانت الحكمة هنا أعمق من أي شيء سمعته في حياتها.
(كيران):
في تلك اللحظة، انكسر شيء داخلي. وانكسر معه السجن الذي عشت فيه طوال عمري. سجن الكراهية.
أخرج من تحت وسادته كتاباً صغيراً.
(كيران):
هذا أول كتاب قرأته. "الرحمة في الإسلام". اقرئيه. ليس لأني أريدكِ أن تصبحي مسلمة. بل لأني أريدكِ أن تعرفي لماذا أختار البقاء هنا.
أخذت الكتاب. كان دافئاً من ملامسته له.
(أدالين):
أخي... هل تخاف؟
ابتسم كيران ابتسامة حزينة.
(كيران):
أخاف عليكِ. لأنهم سيكونون قاسين معكِ إذا اكتشفوا خيانتكِ. لكني لا أخاف عليّ. لأني وجدت ما يجعل الموت سهلاً: حياة تستحق أن تعاش.
احتضنتا بعضهما. وكان حضناً طويلاً، صامتاً، يحمل كل السنوات الضائعة، وكل الألم، وكل الأمل الجديد.
خرجت أدالين من المخبأ السري ومعها الكتاب. وفي غرفتها، تحت ضوء الشمعة، بدأت تقرأ. الكلمات كانت صعبة، لكن كيران كان قد وضع تفسيرات بسيطة على الهوامش.
قرأت عن الرحمة، عن العدل، عن العفو عند المقدرة. وكل كلمة كانت تزيل طبقة من الجليد عن قلبها.
وفي منتصف الليل، سمعت صوتاً خارج نافذتها. نظرت لترى الحمامة الزاجلة تحلق بعيداً - رسالة البستاني إلى فارس قد أرسلت.
كانت الخطة قد بدأت.
والثلاثة أيام القادمة ستكون الأكثر خطورة في حياتها. لأنها ستلعب دوراً مزدوجاً: جاسوسة لعصابة الذئاب، وجاسوسة مزدوجة لصالح مملكة النور.
والأصعب: أنها ستشاهد الرجل الذي تعلمت أن تحترمه يعرض نفسه للخطر بسبب ثقته بها.
لكنها لم تعد تخاف كما كانت. لأنها وجدت شيئاً أخيراً يستحق أن تموت من أجله: الحقيقة. والرحمة. وأخاً وجدت طريقها إليه بعد ضياع طويل.
وأخيراً، ربما وجدت نفسها.
وكان القمر في تلك الليلة بدراً مكتملاً، يغسل سماء مملكة النور بضوء فضي، كأنه يبارك القرارات الشجاعة التي تتخذ في الظلام، استعداداً للفجر القادم الذي قد يحمل معه معركة تكون نهاية لظلام طويل،
اليوم السادس في قصر النور بدأ بتوتر يلمسه الجميع. كانت أدالين تجلس مع بقية الحراس الجدد في قاعة الطعام، تتناول فطوراً لم تتذوق منه شيئاً. المعدة كانت عقدة، واليدان ترتعشان قليلاً كلما تذكرت ما سيحدث بعد ساعتين.
كانت خطة الهجوم على معبد الشمس القديم قد دُبرت بعناية. ستكون هي المرافقة الشخصية للأمير في تلك الرحلة، مع فريق صغير مختار من الحراس. العصابة ستُنصب لهم كميناً في المضيق الصخري المؤدي إلى المعبد، لكن ما لا تعلمه العصابة أن كمينهم المضاد كان قد رتب له مسبقاً.
(خالد، جارها في الطاولة وهو يمضغ التمر):
أنت هادئ اليوم بشكل غريب، أيهم.
(أدالين، تحاول الابتسام):
ليلة لم أنم فيها جيداً.
(ياسر، ينظر إليها بعينيه الثاقبتين):
أحياناً، الليالي التي لا ننام فيها هي التي تحدد من نكون.
كانت نظرة ياسر تخترق أقنعتها. هل كان يعرف شيئاً؟ لكنه لم يقل أكثر من ذلك.
بعد الفطور، استدعاهم الشيخ نور الدين إلى فناء التدريب للحصول على التعليمات النهائية.
(نور الدين، واقفاً بصلابة كالجبل):
اليوم، ستذهب مجموعة منكم في رحلة تدريبية خارج القصر. الهدف: اختبار مهاراتكم في التضاريس الصعبة. المكان: مضيق الحجارة السوداء.
كانت التسمية المموهة للمعبد. نظرت أدالين إلى الوجوه حولها. عشرة حراس جدد تم اختيارهم، بما فيهم هي وياسر وخالد. الأكثر خبرة بينهم سيكون قائدهم: فارس، رجل في الأربعينات من عمره، هادئ لكن عينيه لا تفوتان شيئاً.
(فارس القائد):
التجهيز في نصف ساعة. خذوا ما تحتاجونه لرحلة يوم واحد. تذكروا: الطبيعة لا ترحم المهملين.
عادت أدالين إلى غرفتها. حزمت حقيبتها الصغيرة: ماء، طعام جاف، حبل، وأخيراً، الخنجر. نظرت إليه طويلاً قبل أن تضعه في مكان مخفي في جلبابها.
في طريق عودتها إلى الفناء، صادفت كيران في ممر جانبي. كان يحمل سلة ملابس نظيفة، لكن عينيه قالتا أكثر من ألف كلمة.
(كيران، بصوت خافت لا يسمعه سواها):
كن حذرة. فارس ليس ما يبدو عليه.
(أدالين):
ماذا تقصد؟
(كيران):
لقد لاحظت أنه يتجسس على الأمير منذ أسابيع. أخبرت الشيخ نور الدين، لكننا نريد التأكد.
قلبها انقبض. هل كان هناك عميل آخر داخل القصر؟
(كيران):
اليوم سنعرف. إذا حاول تحويل مسار الرحلة، أو فعل شيئاً مريباً، فسيكون هو الخائن.
مشى مبتعداً، تاركاً أدالين أكثر قلقاً مما كانت.
في الفناء، كان الفريق قد تجمع. الأمير زيدان جاء لوداعهم، يرتزي ملابس بسيطة كعادته.
(زيدان، وهو يتفقد الفريق):
تذكروا: المهارة الحقيقية ليست في القوة، بل في الحكمة. وفي معرفة متى تتراجع.
عندما وصل إليها، توقفت عيناه على عينيها للحظة أطول قليلاً. كانت فيها رسالة صامتة: "أنا أثق بك".
ثم، فجأة، قال شيئاً غريباً:
(زيدان):
وإذا صادفتم أي صعوبات، تذكروا الآية: "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ".
لم يفهم الآخرون معنى الكلمات العربية، لكن أدالين فهمت المغزى: العدل، وليس الانتقام. الرحمة، وليس القسوة.
انطلقوا. كان الجو صافياً، والشمس بدأت ترتفع. ساروا عبر المدينة ثم إلى الريف المحيط بها. الحقول الخضراء امتدت حولهم، والعمال يحرثون الأرض، والأطفال يلعبون على جانبي الطريق.
بعد ساعتين من السير، بدأت التضاريس تتغير. الحقول الخضراء تحولت إلى تلال صخرية، ثم إلى جبال منخفضة. الطريق أصبح ضيقاً، يتعرج بين صخور سوداء لامعة - ومن هنا جاء اسم "مضيق الحجارة السوداء".
كان المكان مروع الجمال، لكنه خطير. الصخور العالية على الجانبين كانت توفر أماكن مثالية للكمائن.
(فارس القائد، وهو يوقف الفريق):
استراحة قصيرة. تحققوا من معداتكم.
جلسوا تحت ظل صخرة كبيرة. أدالين كانت تراقب فارس عن بعد. رأته يبتعد قليلاً، يخرج شيئاً صغيراً من جيبه - مرآة صغيرة - ويحركها بطريقة معينة نحو قمة الجبل.
كانت إشارة.
نهضت بهدوء، تظاهرت أنها تريد شرب الماء. اقتربت من ياسر.
(أدالين، بهمس):
فارس يعطي إشارة.
(ياسر، دون أن يرفع عينيه):
أعرف. راقبه.
بعد دقائق، استأنفوا السير. لكن بدلاً من الاستمرار في الطريق الرئيسي، انحرف فارس ب suddenly نحو ممر جانبي ضيق.
(خالد):
سيدي، هذا ليس الطريق إلى المعبد.
(فارس):
هناك طريق مختصر أعرفه. سيوفر علينا ساعة.
كانت الخطة الحقيقية. سيأخذهم إلى حيث يريد العدو.
ساروا في الممر الضيق الذي كان يضيق أكثر فأكثر. الجدران الصخرية كانت عالية جداً، ولا تسمح إلا بمرور شخص واحد في كل مرة.
ثم، فجأة، سمعوا صوت صفير حاد.
كانت الإشارة.
من أعلى الجدران الصخرية، بدأت الحجارة تتساقط. ثم ظهر رجال من كل اتجاه، مسلحين بأقواس وسيوف. كانوا يرتدون أزياء بدوية، لكن عيونهم كانت قاسية كالصخر الذي يختبئون فيه.
زعيمهم، رجل طويل مع وجه محروق بالشمس وندبة طويلة على خده، قفز أمامهم.
(الزعيم):
توقفوا! من أنتم، ولماذا تدخلون أرضنا؟
كان تمثيلية. كانوا يريدون أن يبدو الأمر كهجوم قبيلة معادية، لا كعملية اغتيال.
(فارس القائد، متظاهراً بالخوف):
نحن حراس من قصر النور. في رحلة تدريبية. نرجوكم، دعونا نمر بسلام.
(الزعيم):
السلام؟ مملكة النور سرقت أراضينا، واستعبدت شعبنا! اليوم سنأخذ بأرواحكم ثمناً لذلك!
كانت لحظة الحقيقة. أدالين نظرت إلى ياسر، الذي أومأ برأسه قليلاً.
كانت الخطة: العصابة ستهاجم، وفارس سيبدو كمن يقاوم، لكنه في الحقيقة سيحاول توجيه الهجوم نحو أي شخص يحاول حماية الأمير. أما هم، فكانوا يعرفون أن كمينهم الخاص سيدخل في اللحظة المناسبة.
بدأ القتال. كان وحشياً، سريعاً. السيوف تصطدم، الأسهم تطير. أدالين دافعت عن نفسها بمهارة، لكنها حرصت ألا تقتل أحداً، فقط تدفعهم بعيداً.
ثم رأته: فارس كان يتحرك ببطء نحو خلفية الفريق، حيث كان الأمير زيدان (في الخطة، كان ممثلاً يرتزي ملابسه) يقف محمياً بثلاثة حراس.
كانت اللحظة.
فارس رفع سيفه، وكأنه سيهاجم أحد المهاجمين، لكن في اللحظة الأخيرة، استدار وطعن أحد الحراس الثلاثة في ظهره.
الصرخة قطعت ضجيج المعركة.
(الحراس الآخران):
خائن!
لكن قبل أن يتحركوا، ظهر رجال آخرون من بين الصخور - هؤلاء كانوا حراساً حقيقيين من قصر النور، كانوا ينتظرون هذه اللحظة. كانوا يرتدون أزياء مشابهة للمهاجمين، لخلق الارتباك.
المعركة أصبحت ثلاثية: العصابة، الحراس الحقيقيين، والخونة.
أدالين رأت ياسر يقتل اثنين من المهاجمين بسرعة مذهلة، ثم يتحرك نحو فارس.
(ياسر، صائحاً):
فارس! لقد كشفناك!
لكن فارس كان أسرع. أمسك بـ "الأمير الممثل" ووضع السيف على رقبته.
(فارس):
توقفوا جميعاً! أو أقتله!
توقف القتال فجأة. الجميع تجمدوا.
ثم، من بين الصخور، خرج شخص لم يكن متوقعاً.
خرج الأمير زيدان الحقيقي، يرتزي نفس ملابس الممثل، لكن هيبته كانت مختلفة تماماً. كان يمشي ببطء، بلا خوف.
(زيدان):
ضع السيف، يا فارس. فقد انتهت لعبتك.
صدم فارس. نظر إلى "الأمير" الذي كان يمسك به، ثم إلى زيدان الحقيقي.
(فارس):
كيف...؟
(زيدان):
لقد عرفنا أنك عميلهم منذ شهر. وجعلناك تظن أن هذه هي الفرصة. لكن الفرصة الحقيقية كانت لنا لنعرف كل عملائكم.
فجأة، من خلف الصخور، خرج رجال آخرون يقودون أفراد العصابة مقيدين. كان من بينهم البستاني، الذي كان مقيد اليدين أيضاً، لكنه كان يبتسم.
(البستاني):
آسف يا فارس. لكن ولائي كان دائماً للأمير.
كانت الصفعة الأخيرة. فارس كان قد خُدع من كل الجوانب.
أسقط سيفه. سقط على ركبتيه.
(فارس، بصوت مكسور):
قتلتموني عندما جعلتموني أثق بكم.
(زيدان):
لم نقتلك. بل أنقذناك من نفسك. الخيار الآن لك: إما أن تدفع ثمن خيانتك، وإما أن تساعدنا في إنهاء هذه الحرب إلى الأبد.
كانت اللحظة الحاسمة. أدالين شاهدت المشهد وهي تلهث. كل شيء سار كما خططوا، لكن رؤية الخيانة عن قرب كانت مؤلمة.
فارس نظر حوله. رجاله كانوا مقيدين. الهزيمة كانت كاملة.
(فارس):
وماذا تريدون؟
(زيدان):
أسماء كل عملائكم في المملكة. وتفاصيل خططكم القادمة.
صمت طويل. ثم:
(فارس):
سأعطيكم ما تريدون. بشرط واحد: أن تحموا عائلتي. هم ليسوا جزءاً من هذا.
(زيدان):
عائلتك تحت حمايتنا منذ أن اكتشفنا خيانتك. لأننا نؤمن أن الأطفال لا يتحملون ذنوب آبائهم.
كانت الضربة الأخيرة. فارس انهار تماماً. بدأ يبكي.
(فارس):
كل هذه السنوات... وأنا أحارب من أجل أعداء الرحمة.
أخذوه بعيداً مع بقية الأسرى. بقيت أدالين واقفة، ترتجف. ياسر جاء وأمسك بذراعها.
(ياسر):
أنتِ بخير؟
(أدالين):
نعم. فقط... لم أتوقع أن يكون بهذا السوء.
(ياسر):
الحرب القذرة دائماً أسوأ مما نتخيل. لكن اليوم، كسبنا معركة كبيرة.
عادوا إلى القصر مع الغروب. المدينة كانت هادئة، لا تعرف أن معركة قد دارت على بعد ساعات منها.
في قصر النور، كان في انتظارهم الشيخ نور الدين وكيران.
(نور الدين، وهو يفحص أدالين بعينيه الحادتين):
أديتِ دوركِ بشكل ممتاز. الأمير يريد رؤيتكِ.
ذهبت إلى مكتب زيدان. كان جالساً عند النافذة، ينظر إلى المدينة التي بدأت أضواءها تتشعل.
(زيدان، دون أن يلتفت):
ما رأيك في أول معركة تخوضينها من الجانب الصحيح؟
(أدالين):
أشعر... بأنني أنقيتُ شيئاً قذراً في داخلي.
التفت إليها. عيناه كانتا دافئتين.
(زيدان):
التوبة لا تحتاج إلى دموع فقط، بل تحتاج إلى أفعال. وأنتِ فعلتِ اليوم ما يعادل سنوات من التوبة.
(أدالين):
لكن المعركة لم تنتهِ.
(زيدان):
لا. لكننا قطعنا ذراعهم الأيمن. وفارس سيعطينا ما نحتاجه لقطع الذراع الأخرى.
سكتت لحظة. ثم سألت السؤال الذي كان يؤلمها:
(أدالين):
وماذا عني؟ أنا أيضاً جئت لأقتلك.
ابتسم.
(زيدان):
أنتِ جئتِ باحثة عن أخيكِ. ووجدتِ أخاكِ ونفسكِ. الفرق بينكِ وبين فارس هو أنكِ توقفتِ عند الحافة ونظرتِ إلى الهاوية، ثم تراجعتِ. وهو قفز.
دخل كيران المكتب.
(كيران):
أدالين، هناك شيء يجب أن ترينه.
أخذها إلى غرفة خاصة. فيها، على طاولة، كانت هناك خريطة كبيرة لمملكة الغاب، عليها علامات حمراء عند نقاط مختلفة.
(كيران):
هذه معاقل عصابة الذئاب. وفارس أعطانا مواقعها كلها.
نظرت أدالين إلى الخريطة. رأت المكان الذي ترعرعت فيه - كهف الذئاب الرئيسي. ورأت أماكن أخرى عرفتها: معسكرات التدريب، سجون الأسرى، مخازن الأسلحة.
(أدالين):
ماذا سنفعل بها؟
(كيران):
الأمير يريد أن ينهي هذا بلا سفك دماء إذا أمكن. سنرسل تحذيراً لقادة العصابة: استسلموا، وسنضمن لكم محاكمة عادلة. قاوموا، وسنضطر لاستخدام القوة.
(أدالين):
لن يستسلموا. الكبرياء لا يسمح لهم بذلك.
(كيران):
ربما. لكننا يجب أن نحاول. لأن الحرب يجب أن تكون الخيار الأخير دائماً.
عادت أدالين إلى غرفتها في وقت متأخر من الليل. كانت متعبة جداً، لكنها لم تستطع النوم. صور المعركة تتكرر في ذهنها: صراخ الرجال، صوت السيوف، نظرة الخيانة في عيني فارس.
ثم تذكرت شيئاً آخر: نظرة الثقة في عيني زيدان. وتصميم كيران. وإصرار ياسر على حمايتها أثناء المعركة.
كانت قد وجدت شيئاً لم تكن تبحث عنه: عائلة. ومكاناً تنتمي إليه. وقضية تستحق القتال من أجلها.
أخرجت الكتاب الذي أعطاها إياه كيران. فتحته على صفحة عشوائية. عينها وقعت على كلمات: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ".
فهمت المعنى: العدل يجب أن يطال الجميع، حتى لو كان ضد النفس أو الأهل.
وكانت تلك هي الليلة التي قررت فيها نهائياً: لن تعود إلى ماضيها أبداً. لأن المستقبل كان هنا، في مملكة النور، مع أخيها، مع هؤلاء الناس الذين قبلوها كما هي، وأعطوها فرصة لتبدأ من جديد.
وكان الغد يحمل تحدياً جديداً: مواجهة ماضيها، ليس بالسيف هذه المرة، بل بالحقيقة. لأن الحرب الحقيقية كانت لم تبدأ بعد. وكان عليها أن تستعد للمعركة الأكبر: معركة إقناع آخرين مثلها بأن هناك طريقاً آخر غير طريق الكراهية.
وكانت تعرف أن الطريق سيكون صعباً. لكنها لأول مرة في حياتها، كانت تعرف إلى أين تتجه.
انتهى الفصل 🖤🛡🥀