غير قابل للقتلبقلم الكاتبة زهرة one فصل 1

الفصل الأول 🖤🛡🥀

23 دقيقة قراءة · 4,431 كلمة

👀🥀السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

..

٠

أيها القارئ يشرفني دخولك لعالم روايتي البسيطة

.

...

أول رواية كتبتها في حياتي كانت بسيطة قمت بتطوريها وتصحيح الأخطاء، رغم ذالك أحبكم لأنكم ستدخلون هنا لتقرؤوا مايلامس قلوبكم، شكرا لكم هاذا حسابي الأصلي...

🥀🛡 لاتجعل قراءة روايتي تلهيك عن عبادة الله

🛡🖤الفصل الأول 🖤🛡

كانت رياح مملكة الغاب تئن بين أشجار السنديان العملاقة، حاملةً معها صراخ الغربان ودوي طبول القبائل الوثنية البعيدة. وقفت أدالين على جرف صخري يشرف على الحدود الشرقية، تمسك بيدها المرتعشة قطعة قماش ممزقة من عباءة شقيقها التوأم كيران - كل ما تبقى منه بعد أن عبر إلى مملكة النور قبل شهرين ولم يعد.

كانت القطعة ملطخة ببقع بنية غامقة - دماء أم تراب؟ لم تستطع التمييز. كل ما تعرفه أن كيران ذهب بمهمة من عصابة الذئاب لاغتيال الأمير زيدان حاكم مملكة النور، وفشل في العودة.

هبت رياح قارصة، فلفعت عباءتها السوداء حول جسدها النحيل. كانت أدالين في الثانية والعشرين من عمرها، لكن عينيها العسليتين كانتا تحملان نظرة امرأة عاشت ضعف هذا العمر. تيتُّمت في السابعة من عمرها عندما أغارت قبيلة النمر على قريتهم، وربّتها عصابة الذئاب لتكون واحدة من أخطر قاتلاتهم.

سمعت وراءها صوت أوراق تُداس. التفتت بسرعة، يدها تلمس مقبض خنجرها المخفي.

(رجل طويل نحيل، يظهر من بين الأشجار):

النسور تحلق عالياً، لكن فريستها تختفي في الجحور.

كانت الشفرة السرية. أجابت بأداء تلقائي:

(أدالين):

والذئاب تحفر عميقاً لتصل إلى الدم الدافئ.

الرجل اقترب. كان فارس، قائد عصابة الذئاب، يرتدي جلد ذئب على كتفيه كشارة رتبة. عيناه الصغيرتان السوداوان تشعان بذكاء خبيث.

(فارس):

جئتِ مبكراً. حسناً. الوقت ينفد، وأخوك ينتظر.

(أدالين):

انتظر ماذا؟ الموت أم الإنقاذ؟

(فارس):

انتظر القرار. قراركِ أنتِ.

جلس على صخرة مجاورة، أخرج سيجارة ورقة ملفوفة، أشعلها بنار صغيرة من قداحة حجرية.

(فارس):

كيران فشل. وهذا يعني أحد أمرين: إما أنه ميت، وإما أنه انقلب ضدنا. وفي كلتا الحالتين، العار يلحق بالعائلة.

(أدالين):

كيران لا يمكن أن يخون.

(فارس):

الجميع يمكن أن يخونوا تحت الضغط المناسب. مملكة النور تقدم وعوداً براقة: سلام، أمان، جنة في الأرض. بعض النفوس الضعيفة تنخدع.

نظر إلى أدالين بعينيه الثاقبتين.

(فارس):

المعلومات التي وصلتنا تقول أن كيران حي. موجود داخل قصر زيدان. لكننا لا نعرف إذا كان سجيناً... أو ضيفاً.

(أدالين):

كيف يمكنني معرفة الحقيقة؟

ابتسم فارس ابتسامة باردة.

(فارس):

لهذا جئتِ. قصر النور يعلن عن حاجته لحراس جدد. هم يبحثون عن وجوه جديدة.

(أدالين):

تريدني أن أنضم إليهم؟

(فارس):

أريدكِ أن تتسللي إلى قلب العدو. أن تصلي إلى الأمير زيدان نفسه. أن تكتشفي ما حدث لكيران. ثم... أن تقرري.

(أدالين):

أقرر ماذا؟

(فارس):

إذا كان كيران حياً وسجيناً، تنقذيه. إذا كان حياً وخائناً... تطهرين شرف العائلة. وفي كل الحالات، مهمة كيران الأصلية تبقى قائمة. زيدان يجب أن يموت.

سكتت أدالين. النظرية بدت بسيطة: أخوها فشل، عليها إكمال المهمة. لكن شيئاً في داخلها كان يتململ. ربما كان صوت طفولتها البعيدة، قبل أن تصبح قاتلة.

(أدالين):

كيف سأدخل؟

(فارس):

الهوية جاهزة. اسمك سيكون أيهم. شاب من قبائل الصحراء الغربية، يتيم، يبحث عن عمل شريف. مهاراتك في القتال ستكون مبرراً كافياً لقبولك.

أخرج من حقيبته الجلدية ملفاً وثيقاً. أوراق هوية مزورة، ختم قبيلة، حتى رسالة توصية من شيخ مزعوم.

(فارس):

قافلة التجار تعبر الحدود عند فجر الغد. ستكون بينهم كتاجر صغير. كل شيء مرتب.

(أدالين):

وماذا بعد؟

(فارس):

بعد أن تدخلي القصر، سيرتبط بكِ عميلنا الداخلي. علامته أنه سيسألك: "هل رأيت طائر الفينيق في الصحراء؟" وستجيبين: "الفينيق يموت ليولد من رماده."

أعطاها خنجراً صغيراً ذا مقبض من العظم المنحوت.

(فارس):

خذي هذا. مختلف عن خناجركِ المعتادة. لا يمكن تعقبه.

أخذت الخنجر. كان بارداً في يدها، لكن وزنه مألوف. كم خنجر مثل هذا استخدمته لإنهاء حياة؟

(فارس):

قراركِ يجب أن يكون في غضون أسبوعين. إذا لم تعدي، سنعتبركِ خائنة أيضاً.

(أدالين):

وهل ستأتون لقتلي؟

(فارس، وهو ينهض):

الذئاب لا تترك جرحاً ينزف. إما تشفيه، أو تقطع العضو كله.

مشى مبتعداً بين الأشجار، مختفياً كما ظهر. بقيت أدالين وحدها على الجرف، تلمس قطعة قماش كيران بين أصابعها.

(أدالين، تهمس للريح):

ماذا فعلت يا أخي؟ ولماذا تركتني هنا وحدي؟

لم يجبها إلا عويل الذئاب البعيد.

عادت إلى مخبأ عصابة الذئاب - كهف طبيعي مموه خلف شلال متجمد. كان المكان يعج بالنشاط: مقاتلون يشحذون سيوفهم، نساء يعدن وجبة المساء، أطفال يتدربون على الرماية بالسهام. مجتمع كامل مبني على الكراهية والانتقام.

دخلت إلى ركنها الخاص في أعمق نقطة من الكهف. على الحجر المسطح الذي تستخدمه كطاولة، كانت هناك صورة قديمة بالية: طفلان في السابعة من العمر، يدا بيد، أمام كوخ محترق. هي وكيران. آخر ذكرى من حياة قبل العصابة.

جلست، أخذت المقص الحاد الذي تستخدمه لتقص أظافرها بعد العمليات. نظرت إلى انعكاس وجهها في بركة ماء راكدة في زاوية الكهف.

أدالين. القاتلة. أخت كيران. من أنتِ حقاً؟

رفعت المقص إلى شعرها الأسود الطويل الذي كان كيران يمدح لونه دائماً، قائلاً إنه يشبه ليل الغاب بدون نجوم. قطعت الخصلة الأولى. ثم الثانية. الخصل السوداء سقطت على الأرض الرطبة كالحشرات الميتة.

بعد عشر دقائق، نظرت إلى الانعكاس مرة أخرى. رأت فتى شاباً، شعره قصير جداً، عيناه العسليتان تبدوان أكبر وأكثر حدة. أيهم وُلِد.

فتحت صندوقها الخشبي الصغير. أخرجت ملابس بدوية بسيطة: جلباب رمادي فاتح، عباءة من الصوف الخشن، حزام جلدي عريض. ارتدتهم ببطء. الملابس كانت فضفاضة تخفي تقاطيع جسدها الأنثوية.

ثم أخرجت حزمة صغيرة ملفوفة بالجلد. بداخلها: أوراق الهوية المزورة، كيس صغير من العملات الفضية، خاتم نحاسي عليه شعار قبيلة الصحراء الغربية.

في قاع الصندوق، كانت هناك هدية أخيرة من كيران قبل أن يرحل: سوار من الجلد المنسوج بخيوط فضية. كان قد صنعه بنفسه. علقت السوار على معصمها، تحت كم الجلباب.

حزمت حقيبتها الجلدية الصغيرة: ملابس إضافية، أوراق الهوية، القليل من الطعام الجاف، الخنجر الخاص بفارس، وخنجرها الشخصي القديم.

خرجت من الكهف تحت جنح الظلام. لم تلتفت. أدالين ماتت على جرف مملكة الغاب." أيهم "سيعبر إلى النور.

كان فجر اليوم التالي بارداً بشكل لاذع. في نقطة العبور الحدودية، تجمعت قافلة تجارية مختلطة: بغال تحمل بضائع، تجار من مختلف القبائل، حراس مسلحون.

تقدّمت أيهم إلى قائد القافلة، رجل سمين يدعى بصير، يرتدي عمامة ملونة ويحمل عصا مزينة.

(أيهم، بصوت أخفض قليلاً):

السلام عليكم. أبحث عن عمل في القافلة.

(بصير، يدرسه بنظرة خبيرة):

من أي القبائل أنت؟

(أيهم):

من بني حجر، الصحراء الغربية. أبحث عن فرصة في مملكة النور.

(بصير):

مهاراتك؟

(أيهم):

رماية بالسهم، قتال بالسيف، أحمل نفسي وأدافع عن الآخرين.

أخرج بصير سيفاً قصيراً من غمده.

(بصير):

أرني.

تلقفت أيهم السيف ببراعة، أدت حركات قتالية سريعة ودقيقة، ثم ردته إليه.

(بصير، مبتسماً):

حسناً. ستساعد الحراس. أجرتك قطعتان فضيتان في اليوم.

شكرته وانضم إلى الحراس في مؤخرة القافلة. كان هناك أربعة حراس آخرين، نظرت إليها بنظرات تقييم، لكنهم قبلوها بعد أن رأوا مهارتها.

عبرت القافلة بوابة الحدود - قوس حجري كبير منقوش عليه باللغتين: "بسم الله الرحمن الرحيم. السلام لمن دخل بسلام".

كانت أول مرة تدخل مملكة النور.

كل شيء كان مختلفاً.

الهواء كان أنقى، برائحة الزعتر والنعناع البري بدلاً من رائحة الوحول والدم المتعفن في الغاب. الطرق مرصوفة بالحجارة المسطحة، نظيفة. المباني مبنية من الحجر الرملي الدافئ، بنوافذ مقوسة وشرفات مليئة بالأزهار.

الناس في الشوارع كانوا يتحركون بهدوء، يبتسمون لبعضهم، يتبادلون التحيات. النساء يرتدين أغطية رأس ملونة ولكن ليست مخفية للوجوه، والأطفال يلعبون في أزقة نظيفة.

أحسست أيهم بشيء غريب في صدرها. لم تكن تعرف اسمه. كان يشبه الحنين، لكنه إلى مكان لم تزره من قبل. ربما كان الحنين إلى السلام.

بعد ساعات من السير، ظهر في الأفق قصر النور. كان تحفة معمارية تخطف الأنفاس: مبنى رخامي أبيض يتلألأ تحت الشمس، تعلوه سبع قباب زرقاء كالزبرجد، ومآذن دقيقة كالإبر الذهبية تلامس السحاب. حوله، حدائق خضراء مزهرة، وجداول ماء متقاطعة.

(أحد الحراس المسنين، ويده على كتف أيهم):

أول مرة تراه؟

(أيهم):

نعم. إنه... مختلف.

(الحارس):

الأمير زيدان بناه على أنقاض قلعة الظلم القديمة. يقول: "لنبني بيتاً للنور مكان بيت الظلام".

سارت القافلة إلى سوق المدينة الكبير، حيث سيتفرقون. ودع أيهم القافلة، ومشى نحو ساحة التجنيد أمام القصر.

كان هناك العشرات من الشباب يقفون في طوابير منتظمة. رجال في منتصف العمر يدونون الأسماء على لفائف من الورق.

تقدّمت أيهم.

(الكاتب، دون أن يرفع عينيه):

الاسم، السن، القبيلة، المهارات.

(أيهم):

أيهم بن ناصر، اثنان وعشرون ربيعاً، بنو حجر من الصحراء الغربية. رماية، قتال بالسيف، سباحة، فراسة الأثر.

رفع الكاتب عينيه. كان رجلاً نحيلاً بنظارات قرنية.

(الكاتب):

فراسة الأثر؟ هذه مهارة نادرة.

(أيهم):

تعلمتها في الصحراء. آثار الرجال والوحوش.

(الكاتب):

حسناً. غداً تبدأ الاختبارات. الساعة السابعة صباحاً. لا تتأخر.

أعطاه لوحة نحاسية عليها رقم.

أخذ اللوحة، واتجه إلى نزل الحراج المؤقت. غرفة صغيرة بسيطة، لكنها نظيفة، فيها سرير وحيد ونافذة تطل على شارع جانبي.

جلست على حافة السرير. أخرجت السوار الجلدي. مسدته بأصابعها.

(أيهم، تهمس):

كيران، أين أنت؟ وما الذي وجدته هنا؟

ثم سمعت صوتاً غريباً يملأ المدينة.

صوت رجل يغني من مكان عالٍ، صوته عذب وحزين في آن:

"الله أكبر... الله أكبر... أشهد أن لا إله إلا الله..."

كان الأذان. أول مرة تسمعه في حياتها.

قامت، ذهبت إلى النافذة. رأت الناس يتركون أعمالهم ويتجهون إلى مبنى كبير ذي مئذنة - المسجد.

ورأت من بينهم رجلاً يرتزي ثوباً أبيض بسيطاً، يمشي وحده، يرد على تحيات الناس بابتسامة وبساطة. كان وسيماً، هادئاً، ويشع من وجهه نور غريب.

سألت جارها في الغرفة المجاورة عبر النافذة:

(أيهم):

من هذا الرجل؟

(الجار، وهو يسرع ليرتدي حذاءه):

ألا تعرفه؟ هذا الأمير زيدان نفسه. يصلي معنا كل صلاة.

صعقت أيهم. الأمير؟ يمشي وحده بين الناس؟ بلا حراس؟ بلا خوف؟

شاهدته يدخل المسجد. ثم نظرت إلى يدها، إلى الخنجر المخفي في حزامها.

هذا الرجل الذي يمشي بثقة وسلام... هو الهدف. هو الذي يجب أن تموته.

لكن شيئاً في داخلها صرخ: لماذا؟

وبينما كانت تقف مشدوهة عند النافذة، كان زيدان داخل المسجد، يسجد على الأرض الباردة، ويدعو في سجوده:

"اللهم اهد ضالّي أمتي. اهد قلوباً تحمل السيوف ظناً أنها تحمل الحق. اهدهم إليك. وآمنهم من خوفهم."

وفي مكان سري داخل القصر، في غرفة مطلة على الحدائق، كان كيران جالساً يقرأ في كتاب كبير. توقف فجأة، ووضع يده على صدره.

شعر بأن أدالين قريبة.

قام، مشى إلى النافذة. نظر إلى المدينة تحت الغسق.

(كيران، يهمس):

أختي... لقد أتيت. أرجوك، انظري بعينين مفتوحتين هذه المرة. انظري إلى ما لم أنظر إليه أنا إلا بعد فوات الأوان.

ثم أخذ قلماً وورقة، وبدأ يكتب رسالة قد لا تصل أبداً.

وأدالين بقيت واقفة عند النافذة حتى أظلم الليل، والنجوم ظهرت في سماء مملكة النور، متلألئة كدموع من فضة على حاجب الليل.

.... في صباح اليوم التالي... كان صباح مبكراً وبارداً. وقف أيهم مع ثلاثين شاباً آخر في فناء التدريب الأمامي لقصر النور، ينتظرون بدء الاختبارات. الفناء كان رحباً، أرضيته من البلاط الرخامي الأبيض المنقوش بزخارف هندسية متداخلة، تذكرت أدالين فجأة بنمط شباك العنكبوت في كهف الذئاب - لكن هذه الزخارف كانت متناسقة، جميلة، تبعث على الهدوء لا الخوف.

دخل إليهم رجلان. الأول كان الشيخ نور الدين، مدرب الحرس الشخصي للأمير، رجل في الخمسين من عمره، ممشوق القوام، له لحية بيضاء كثة، وعينان رماديتان حادتان تخترقان النفوس. والثاني كان شاباً في العشرينات، وسيماً بشعر أسود مجعد وعينين خضراوين، يرتزي زي الحراس الرسمي.

(نور الدين، بصوته الجهوري الذي يملأ الفناء):

أيها الشباب، من يدخل من هذا الباب يطلب شرف الخدمة، وليس مجرد وظيفة. والشرف ثقيل كالجبال، لكنه أنفس من الذهب.

مشى بين الصفوف، يتفحص الوجوه.

(نور الدين):

هنا لا نعلم القتال فقط. نعلم القلب قبل اليد، والعقل قبل السيف. لأن السيف بلا حكمة كالنار بلا وقود، تحرق صاحبها قبل أعدائه.

بدأ الاختبار الأول: القوة البدنية. رفع الأثقال، الجري حول الفناء، تسلق حبل سميك. أيهم كانت من بين الأوائل في جميع التحديات، لكنها حرصت على ألا تتفوق كثيراً لئلا تلفت الانتباه.

الاختبار الثاني: المهارة القتالية. قُسّم الشباب إلى أزواج للمبارزة بالسيوف الخشبية. خصم أيهم كان شاباً ضخم الجثة من قبائل الجبل، يدعى غسان.

(غسان، وهو يهز سيفه الخشبي):

أتمنى ألا تكسر عظامك يا صغير.

لم ترد أيهم. فقط اتخذت وضعية الاستعداد. عندما أطلق الشيخ الإشارة، هجم غسان كالثور الهائج، لكن أيهم تحركت بخفة الظبي، تجنبت ضرباته الثقيلة، ثم في اللحظة المناسبة، ضربت ساقيه بحركة دائرية أطاحت به أرضاً.

سقط غسان مندهشاً. الجميع صفقوا. حتى نور الدين ابتسم ابتسامة خفيفة.

(نور الدين):

السرعة تغلب القوة، والذكاء يغلب العضلات. حسناً يا أيهم.

الاختبار الثالث كان غير متوقع. جاؤوا بثلاثة أطفال يبكون، وقالوا للمتقدمين: "هؤلاء الأطفال فقدوا أهلهم في السوق، كيف ستتعامل مع الموقف؟"

بعض المتقدمين بدأوا يصرخون على الأطفال ليصمتوا، آخرون حاولوا رشوتهم بحلوى، واحد حاول أن يخيفهم. عندما جاء دور أيهم، جلست على ركبتيها لتكون في مستوى عيني الطفل الأصغر.

(أيهم، بصوت هادئ):

ما اسمك؟

(الطفل، ينتحب):

سالم.

(أيهم):

سالم، أنا أبحث عن والديّ أيضاً. هل تساعدني في البحث بينما نبحث عن أهلك؟

توقف الطفل عن البكاء، نظر إليها بعينين دامعتين كبيرتين، ثم أمسك بيدها. قادت الأطفال في جولة صغيرة حول الفناء، وهم يصفون أهلهم، حتى "وجدتهم" في الزاوية المخصصة - كان الاختبار.

(نور الدين، بعد انتهاء الاختبار):

الرحمة ليست ضعفاً. والقوة الحقيقية هي التي تحمي الضعفاء، لا التي تستعبدهم.

بعد الظهر، أعلنت النتائج. أيهم كان من بين الخمسة عشر المقبولين. وزعوهم على غرف سكنية مشتركة، ثلاثة في كل غرفة. رفاق أيهم كانا: ياسر، شاب هادئ من المدينة، وخالد، شاب مرح من الساحل.

أثناء ترتيب أمتعته في الغرفة، سمع ياسر يتحدث:

(ياسر):

سمعت أن الأمير زيدان سيحضر تدريبات الغد بنفسه.

(خالد):

حقاً؟ لماذا؟

(ياسر):

يحب أن يرى الوجوه الجديدة. يقول: "أريد أن أعرف من سيحميني قبل أن أمنحه سيفاً."

خفق قلب أيهم. فرصة للاقتراب منه مبكراً.

في المساء، بعد صلاة المغرب، ذهبوا إلى قاعة الطعام المشتركة. كان الطعام بسيطاً ولكن وفيراً: خبز طازج، زيت زيتون، زعتر، جبنة بيضاء، وتمر. أثناء الأكل، دخل رجل يرتزي ثوباً أخضر فاتحاً، يحمل كتاباً.

(الرجل):

أنا المعلم موسى. سأعلمكم القراءة والكتابة ثلاث ليالٍ في الأسبوع.

تعجبت أيهم. حارس يتعلم القراءة؟

(خالد، كما لو قرأ فكرتها):

الأمير يقول: "حارس جاهل خطر على نفسه قبل أعدائه. والعلم نور يهدي الطريق."

بعد العشاء، كان هناك وقت حر. خرج أيهم إلى الشرفة المشتركة المطلة على حدائق القصر الداخلية. كانت الحدائق مضاءة بمصابيح زيتية معلقة على الأشجار، تخلق ظلالاً راقصة على الممرات المرصوفة بالحصى.

وفجأة، رأته.

الأمير زيدان كان يمشي في الحديقة وحيداً، يحمل كتاباً صغيراً. كان يرتدي ثوباً أبيض بسيطاً، شعره الأسود الطويل منسدل على كتفيه. توقف تحت شجرة لوز كبيرة، فتح الكتاب، وبدأ يقرأ بصوت خافت يمكن سماعه من الشرفة:

"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً..."

صوته كان هادئاً، عذباً، مليئاً بالطمأنينة. أيهم وقفت مبهورة، تنسى للحظة أنها قاتلة أرسلت لقتله.

ثم حدث ما لم تتوقعه.

رجل يرتزي ملابس الخدم، يحمل سلة فواكه، اقترب من الأمير. عندما رفع الأمير عينيه من الكتاب، سقطت السلة من يد الخادم.

(الخادم، مرتجفاً):

سيدي... أنا...

(زيدان، مبتسماً):

لا بأس يا أخي. الفواكه يمكن جمعها، لكن القلب المرتجف يحتاج إلى طمأنينة. ماذا يزعجك؟

كانت لحظة. أيهم رأت وجه الخادم بوضوح في ضوء المصابيح.

كان كيران.

شقيقها التوأم. حي. هنا. يرتدي ملابس الخدم، ووجهه... وجهه كان مختلفاً. لم يكن وجه المقاتل القاسي الذي تعرفه. كان وجه رجل وجد السلام. وكان يبتسم للأمير باحترام وحب صادقين.

(كيران):

سيدي، أنا فقط... شعرت بالخجل لأنني أخفقت في خدمتك.

(زيدان، يضع يده على كتف كيران):

الإخفاق جزء من التعلم. وقد رأيت كيف تتحسن كل يوم. اذهب واسترح، وغداً يوم جديد.

انحنى كيران وانصرف. وقف زيدان لحظة يتابعه بنظره، ثم عاد إلى قراءته.

أيهم تراجعت إلى الظل. قلبها كان يخفق كأنه سيخرج من صدرها.

كيران حي. وهو هنا. وهو يخدم الأمير بكل رضا. وهو يحترمه... بل يحبه.

كل ما قيل لها عن الخطف، التعذيب، الخيانة... بدا كذبة كبيرة.

لكن لماذا؟ لماذا كذبوا عليها؟

عادت إلى غرفتها، جلست على السرير، رأسها بين يديها. رفاقها في الغرفة كانوا نائمين. أخرجت الخنجر الصغير الذي أعطاها إياه فارس. نظرت إليه في ضوء القمر المتسلل من النافذة.

(أيهم، تهمس):

أيها الخنجر، كنت أظنك ستنهي حياة طاغية. لكن الطاغية الذي رأيته يضع يده على كتف شقيقي بلطف. يطمئن قلب خادم خائف.

سمعت صوت خطوات في الممر الخارجي. ثم صوت همس:

(صوت غريب):

هل رأيت طائر الفينيق في الصحراء؟

كانت الشفرة. عميل العصابة داخل القصر.

خرجت بهدوء إلى الممر. كان رجلاً قصير القامة، يرتزي زي البستاني.

(أيهم، بحذر):

الفينيق يموت ليولد من رماده.

اقترب البستاني.

(البستاني):

الذئاب تنتظر أخبار الفريسة. هل رأيت الهدف؟

(أيهم):

رأيته. لكن... رأيت أيضاً شيئاً آخر.

(البستاني):

ماذا؟

(أيهم):

رأيت أخي. حياً. يخدم الأمير.

تغيرت تعبيرات وجه البستاني.

(البستاني):

إذا كان يخدمه طواعية، فهو خائن. والمهمة تتضمنه الآن أيضاً. قرارك خلال أسبوع.

(أيهم):

وإذا رفضت؟

نظر إليها البستاني بعينين باردتين.

(البستاني):

الذئاب لا تترك جرحاً ينزف. تذكر هذا.

مشى مبتعداً في الممر المظلم.

عادت أيهم إلى الغرفة. لم تنم تلك الليلة. جلست عند النافذة، تحدق في القمر.

صور تتزاحم في رأسها: كيران الطفل يمسك بيدها في الحريق. كيران الشاب يدربها على السيف. كيران وهو يعبرها الحدود للمهمة الأخيرة. وكيران اليوم، مع وجه مطمئن، ينحني للأمير باحترام.

وأخرى: فارس وعيناه الخبيثتان. البستاني وتهديده الخفي. وخنجرها البارد بيدها.

وفي مكان آخر من القصر، في غرفة صغيرة بسيطة، كان كيران جاثياً على سجادته الصغيرة، يصلي بخشوع. بعد أن انتهى، أخرج من تحت فراشه دفتراً صغيراً، وبدأ يكتب:

"اليوم رأيت عيوناً في الشرفة تعرفني. كنت أخشى هذا اليوم، والآن أتمناه. لأن الحقيقة يجب أن تظهر، حتى لو كلفتنا حياتنا. أختي، لو كنت تعلمين كم تغير قلبي هنا. كم تعلمت من الرحمة بعد حياة من القسوة. أرجوك، قبل أن ترفعي السيف، اسألي قلبك: من هو العدو الحقيقي؟ هل هو الرجل الذي يعلم الأطفال القراءة، ويطعم الفقراء، ويصلي في الظلام داعياً لأعدائه؟ أم هم الذين يبيعوننا الوهم باسم الانتقام، ويجعلون منا وحوشاً نقتل بلا سبب؟"

أغلق الدفتر. نظر من النافذة إلى القمر.

(كيران، يهمس):

اللهم اهدها. اهد أختي من الظلمات إلى النور.

وفي الفجر، عندما بدأ المؤذن يصدح بصوته الشجي، كانت أيهم لا تزال جالسة عند النافذة. لكن دموعاً كانت تسيل على خديها لأول مرة منذ أن احترق كوخ طفولتها.

كانت تبكي لأنها أدركت أنها لا تعرف من هي العدو. ولا من هي الصديق.

....

.

.

.

كان صباح اليوم الثالث في قصر النور مشحوناً بتوتر خفي. الشمس كانت تشرق بلون برتقالي ناري، لكن جو الفناء كان بارداً. وقف أيهم مع باقي الحراس الجدد في صف منتظم، ينتظرون حضور الأمير زيدان الذي وعد بحضور تدريبات الصباح.

الشيخ نور الدين وقف أمامهم، عيناه تتجولان في الصفوف، وكأنه يقرأ ما تخفيه كل نفس.

(نور الدين، بصوته الجهوري):

اليوم لن نتدرب على القتال. اليوم سنتعلم فن المراقبة. لأن العين التي لا ترى الحق لا تستحق أن تحرس.

مشى بين الصفوف.

(نور الدين):

كل واحد منكم سيختار شريكاً. ستقفون وجهاً لوجه، تنظرون في عيني بعضكم لدقيقة كاملة دون أن ترمشا. ثم تخبراننا بما رأيتما.

أغمض أيهم عينيه للحظة. هذه كانت لعبة خطيرة. العيون تكشف الأسرار، وهي تعرف أن عينيها تحملان أسراراً لا يجب أن يكتشفها أحد.

اختار شريكاً: ياسر، الشاب الهادئ. وقفا وجهاً لوجه. بدأت العد.

في البداية، حاول أيهم التركيز على تفاصيل وجه ياسر: عيناه البنيتان الواسعتان، أنفه المستقيم، شفتاه الرقيقتان. لكن سرعان ما شعر بأن عيني ياسر تغوصان في أعماقه، تبحثان عن شيء.

(ياسر، بعد انتهاء الدقيقة، بهمس):

رأيت... عواصف.

(نور الدين، الذي كان يقف بالقرب):

عواصف من أي نوع؟

(ياسر):

عواصف ماضية. وآمال مستقبلية. وحرب بين الاثنين.

كان التقييم دقيقاً لدرجة مرعبة. أيهم شعرت بأن قناعها يبدأ بالتآكل.

(نور الدين):

والآن أنت، أيهم. ماذا رأيت؟

نظرت أيهم إلى ياسر. كان يجب أن تكذب، أن تقول شيئاً عادياً. لكن شيء ما في صدرها دفعها للصدق.

(أيهم):

رأيت... سلاماً. سلام رجل وجد مكانه في العالم، ولا يحتاج لإثبات شيء لأحد.

ابتسم ياسر ابتسامة خفيفة. وكانت أول مرة تراه يبتسم.

(نور الدين):

جيد. المراقبة الحقيقية ليست رؤية ما يظهر، بل فهم ما يختفي.

بعد ساعة من التدريبات النفسية الغريبة، دخل الفناء رجل يرتدي ثوباً أزرق فاتحاً، يعلن:

"الأمير زيدان يستقبل الحراس الجدد في قاعة المرايا."

ساروا خلف الرجل عبر ممرات القصر الفسيحة. كانت الممرات مزينة بلوحات جدارية تصور مشاهد من تاريخ المملكة: بناء المدارس، حفر الآبار، توزيع الطعام على الفقراء. لم تكن هناك مشاهد معارك أو انتصارات حربية.

دخلوا قاعة المرايا. كانت القاعة مستديرة، جدرانها مغطاة بمرايا ضخمة تعكس الضوء من النوافذ العالية في السقف، مما يجعل المكان يبدو لا نهائياً. في وسط القاعة، على منصة منخفضة، جلس الأمير زيدان على سجادة خضراء بسيطة، لا كرسي عرش، ولا تاج.

كان يرتزي ثوباً أبيض كالثلج، وعمامة خضراء فاتحة. عندما رفع عينيه، شعر كل من في القاعة بأنه ينظر إليه شخصياً.

(زيدان، بصوته الهادئ الذي يحمل سلطة خفية):

أهلاً بكم في بيت النور. بيتكم الآن، إن قبلتم أن يكون بيتاً لكم.

وقف وتجول بينهم ببطء.

(زيدان):

لقد قبلتم أن تكونوا حراساً. ولكن ما هو الحراسة الحقيقية؟ هل هي حمل السيف؟ أم هي حمل الأمانة؟

توقف أمام أيهم. عيناه البنيتان العميقتان نظرتا إليها مباشرة. شعرت بأن قلبها يتوقف.

(زيدان):

أنت... أيهم من الصحراء الغربية. أرض الجفاف والقسوة. كيف ترى النور هنا؟

كان السؤال اختباراً. كل العيون كانت عليها.

(أيهم، بعد صمت قصير):

النور... يحتاج إليه من عاش في الظلام طويلاً. لكن العيون المعتادة على الظلام تخشى النور في البداية.

ابتسم زيدان، وكانت ابتسامته دافئة كشمس الشتاء.

(زيدان):

الحكمة لا تأتي من الصحراء فقط، بل من القلب الذي يتأمل. شكراً لك.

استمر في تجواله، يتحدث عن القيم التي يؤمن بها: العدل، الرحمة، الصدق، حماية الضعفاء. كان كلامه بسيطاً لكنه عميق، يلامس شيئاً في أعماق كل من يسمعه.

ثم قال شيئاً غير متوقع:

(زيدان):

اليوم بعد صلاة الظهر، ستذهبون معي إلى سوق المدينة. ليس كحراس، بل كطلاب. أريدكم أن ترون كيف يعيش شعبي. لأن الحارس الذي لا يعرف من يحمي، لا يستحق أن يحميهم.

انصرفوا من القاعة. أيهم كانت في حالة ذهول. هذا الرجل كان يهدم كل تصوراتها عن الحكام: لا تكبر، لا عزل، لا خوف من الشعب. بل ثقة، ومشاركة، وتواضع.

في طريقهم إلى السوق، ساروا خلف الأمير الذي كان يمشي وحده في المقدمة، يرد على تحيات الناس، يتوقف ليسأل عن أحوالهم، ويضحك مع الأطفال.

في السوق، توقف عند دكان خياط عجوز.

(زيدان):

كيف حالك يا عم خليل؟ وكيف حال ابنك المريض؟

(الخياط العجوز، وعيناه تدمعان):

تحسّن يا سيدي. الدواء الذي أرسلته أنقذه.

(زيدان):

الحمد لله. وها هي زوجتي أرسلت لك بعض القماش الجديد. تقول: "الخياط الماهر يستحق أجود الأقمشة."

أعطاه طرداً صغيراً. دموع العجوز سالت على وجنتيه المجعدتين.

استمرت الجولة. عند بائع الفواكه، سأل عن أسعار المنتجات. عند مدرسة الأطفال، استمع إلى قراءتهم. عند بئر الماء، شرب مع العطاشى من نفس الكوب.

أيهم كانت تراقب كل شيء بعينين لا تصدقان. رأت حب الناس له. ليس خوفاً، بل حباً صادقاً. رأت كيف يلمس حياتهم بإيجابية. وكيف هو نفسه يبدو سعيداً بينهم.

وفجأة، بينما كانوا يعبرون ساحة السوق الرئيسية، حدث شيء.

طفل صغير كان يلعب بالكرة، فركض خلفها دون أن ينظر، وصدم الأمير بقوة كادت توقعه أرضاً. الحراس تقدموا بسرعة، لكن زيدان أوقفهم بإشارة.

(زيدان، وهو ينهض ويمسح التراب عن ثوبه):

لا بأس. الأطفال طاقة تحتاج إلى من يوجهها، لا يكبحها.

رفع الطفل الذي كان يبكي خوفاً.

(زيدان):

ما اسمك؟

(الطفل، مرتجفاً):

محمود.

(زيدان):

محمود، الكرة تحتاج إلى مساحة واسعة للعب. تعال معي إلى حديقة القصر الغربية، هناك مكان رحب.

نظر الطفل إليه بدهشة، ثم ابتسم. الناس من حولهم ضحكوا، وامتلأت الساحة بفرح غريب.

في تلك اللحظة، نظرت أيهم إلى يده التي كانت تمسك بيد الطفل الصغير. اليد نفسها التي خططت لقطع رقبتها. اليد نفسها التي كانت تريد أن تطعنها بالخنجر.

وفجأة، رأته.

كيران كان واقفاً عند دكان بائع التوابل في الجهة المقابلة، يشاهد المشهد. وعندما التقت عيناه بعينيها، لم يبد خائفاً أو مذعوراً. فقط أومأ برأسه برفق، كما لو كان يقول: "انظري. فقط انظري."

ثم أدار ظهره واختفى في الزحام.

أرادت أن تركض وراءه، لكن قدميها كانتا كالحجر.

بعد العودة إلى القصر، كان وقت صلاة العصر. ذهب أيهم مع الباقين إلى المسجد الصغير داخل القصر. وقفت في الصف الأخير، تحاول تقليد الحركات.

عندما سجدت للمرة الأولى، وجدت وجهها على السجادة الباردة. شيئ ما في داخلها انكسر. دموع ساخنة سالت من عينيها مختلطة بعرق جبينها.

بعد الصلاة، بقي جالساً في مكانه، بينما خرج الآخرون. فقط هو والأمير زيدان بقيا في المسجد.

(زيدان، من مكانه في الصف الأول، دون أن يلتفت):

أحياناً، السجود يغسل القلب كما يغسل الماء الوجه.

لم ترد. لم تستطع.

(زيدان):

القلوب الثقيلة تجد راحتها هنا. والأسئلة الكبيرة تجد إجاباتها في الصمت.

نهض، مشى نحو الباب، ثم توقف.

(زيدان):

إذا احتجت إلى الحديث... أبوابي مفتوحة دائماً. حتى في منتصف الليل.

خرج، تاركاً إياها وحيدة في المسجد الشبه مظلم.

جلست هناك طويلاً. الشمس بدأت في الغروب، وأشعتها الذهبية الأخيرة تتسلل من النوافذ الملونة، ترسم ألوان قوس قزح على الأرض الرخامية.

وفجأة، سمعت صوت خطوات خفيفة خلفها. التفتت.

كيران كان واقفاً عند باب المسجد، يرتدي نفس ملابس الخدم البسيطة.

(كيران، بصوت خافت حنون):

أدالين.

لم تنكر. لم تعد تستطيع.

(أدالين، بصوت مكسور):

كيران... لماذا؟

دخل، جلس بجانبها على السجادة.

(كيران):

لم أخنك. لم أخن أمنا التي احترقت. بل وجدت ما كانت تبحث عنه: السلام.

(أدالين):

لكنهم قالوا...

(كيران):

هم يكذبون. دائماً كانوا يكذبون. نحن لم ننتقم لموت أمنا، بل جعلونا أدوات لجرائمهم. هم من أحرقوا قرى أخرى كما أحرقوا قريتنا. هم من يبيعون أطفالاً آخرين كما باعونا.

أخذ يدها. كانت يده دافئة، قوية، كما كانت دائماً.

(كيران):

عندما أتيت لقتله، وجدته يصلي في هذه الغرفة نفسها. سجدت ورفعت الخنجر... لكني سمعته يدعو: "اللهم اهد قاتلي إلى طريقك. واغفر له كما أريد أن تغفر لي."

توقف، عيناه تلمعان بالدموع.

(كيران):

من يدعو لقاتله؟ من يطلب له الهداية وهو يرفع السيف فوق رقبته؟ في تلك اللحظة، سقط الخنجر من يدي. وسقطت معه كل كراهيتي.

(أدالين):

وما وجدت بدلاً منها؟

(كيران):

وجدت نفسي. لأول مرة منذ احترق كوخنا، عرفت من أكون. لست قاتلاً. لست منتقماً. أنا إنسان، أريد أن أعيش بسلام، وأساعد الآخرين على العيش بسلام.

صمتت أدالين. كلمات أخيها كانت تزيل طبقات من الأكاذيب بنيت على قلبها طوال خمسة عشر عاماً.

(كيران):

هم سيعطونك أسبوعاً. ثم سيجبرونك على القتل. ولكن لديك خياراً آخر.

(أدالين):

ما هو؟

(كيران):

البقاء هنا. معي. التعلم. الرؤية بنفسك. ثم القرار.

سمعت صوت خطوات تقترب. نهض كيران بسرعة.

(كيران):

يجب أن أذهب. فكر فيما قلته. وتذكري: أمنا لم تمت لتجعل منا وحوشاً. ماتت وهي تحضننا، وتتمنى لنا حياة أفضل.

اختفى كما ظهر. وبعد لحظات، دخل الشيخ نور الدين المسجد.

(نور الدين):

أيهم؟ ما زلت هنا؟

(أيهم):

نعم. كنت... أفكر.

(نور الدين):

التفكير جيد. لكن الحقيقة تحتاج إلى أكثر من تفكير. تحتاج إلى شجاعة لقبولها.

نظر إليها بعينيه الحادتين.

(نور الدين):

أحياناً، الوجه الذي نراه في المرآة ليس وجهاً حقيقياً. وأحياناً، الاسم الذي نحمله ليس اسماً حقيقياً. المهم هو: من نختار أن نكون، لا من جعلونا نكون.

خرج، تاركاً لها هذه الكلمات الغامضة التي بدت وكأنها تعرف كل شيء.

عادت أدالين إلى غرفتها. رفاقها كانوا نائمين. جلست على سريرها، أخرجت الخنجرين: خنجر فارس، وخنجرها القديم الذي أعطاها إياه كيران.

نظرت إليهما في ضوء القمر. ثم نظرت إلى وجهها في المرآة الصغيرة على الحائط.

من هي؟ أدالين؟ أيهم؟ قاتلة؟ حارسة؟ أخت؟ خائنة؟ منقذة؟

لا تعرف الإجابة. لكنها عرفت شيئاً واحداً: أنها لم تعد تستطيع أن تقتل الرجل الذي رأته اليوم يحمل طفلاً باكياً ويعدده بابتسامة. الرجل الذي يدعو لقاتله. الرجل الذي جعل شقيقها يجد السلام بعد سنوات من العاصفة.

وضعت الخناجر تحت وسادتها. ثم جلست على حافة السرير، وأخذت الكتاب الذي أعطاها إياه زيدان - كتاب الرحمة في الإسلام - وبدأت تقرأ بصعوبة، مستعينة بضوء القمر.

وفي مكان آخر من القصر، في غرفته البسيطة، كان زيدان جالساً يصلي صلاة الليل. وبعد أن انتهى، رفع يديه:

(زيدان، يدعو بصوت خافت):

اللهم اهدها. اهد القلب الذي يحمل سيفاً ضد نفسه. اهد العين التي ترى ولكنها لا تبصر. واجعل من هذا القصر ملجأً لها، لا فخاً.

وخارج القصر، في ظل شجرة سرو عتيقة عند سور الحدود، كان البستاني - عميل العصابة - يكتب رسالة سرية على ورقة رقيقة:

"الذئبة دخلت القصر. شاهدت الهدف. والتقت بالخائن. قرارها لم يتخذ بعد. الاستعداد للخطة البديلة إذا فشلت في الأسبوع."

طوى الرسالة، وربطها بساق حمامة زاجلة أطلقها في الظلام. الحمامة حلقت نحو الغرب، نحو مملكة الغاب، حيث الذئاب تنتظر.

والليل أرخى سدوله على مملكة النور، حاملاً معه أسراراً توشك أن تخرج إلى النور، وقرارات ستغير مصير كل من في القصر. وأدالين في غرفتها، بين خنجرين وكتاب، بدأت رحلة صراعها الأصعب: صراعها مع نفسها.

👀 نهاية الفصل الأول 🥀كيف كان؟ أريد تعليق عنه!

للعلم الرواية منتهية لو رأيت دعم سأكمل 🛡🌼