بين الصداع المزمن وفقر الدم كبرت مبكرًابقلم الكاتبه صــمــتـ تحت الظلال فصل 2

بين التطمين والواقع

3 دقائق قراءة · 462 كلمة

كبرتُ قليلًا، لكن الصداع لم يكبر معي فقط، بل أصبح أوضح وأكثر حضورًا في حياتي. كنت في كل مرة أشعر بالألم أحاول أن أتمسك بالكلمات التي اعتدت سماعها منذ طفولتي: “سيذهب بعد قليل”، “إنه مجرد تعب”، “ربما بسبب السهر أو الحرارة.” كنت أريد أن أصدق أن الأمر بسيط، لأن فكرة أن يعيش الإنسان مع ألمٍ دائم كانت أكبر من عمري ومن قدرتي على الفهم.

كانت والدتي تخاف عليّ وتحاول دائمًا أن تخفف عني، وهذا ما جعلني أقاوم خوفي بالصمت أحيانًا. كنت أرى القلق في عينيها رغم محاولتها إخفاءه، وأشعر بحنانها وهي تحاول أن تجعلني أطمئن، فأقنع نفسي بأنني بخير حتى عندما لم أكن كذلك. كنت أقول لنفسي إن الجميع يتعب أحيانًا، وإن ما أمرّ به ليس مختلفًا، لكن داخلي كان يشعر بشيء آخر لا أستطيع وصفه.

في المدرسة، كان الصداع يزورني فجأة دون أي مقدمة. أحيانًا كنت أجلس في الفصل أحاول التركيز على شرح المعلمة، وفجأة يبدأ الألم بالتسلل إلى رأسي ببطء، حتى تصبح الأصوات حولي ثقيلة، والكلمات غير واضحة، والنور مزعجًا لعيني. كنت أحاول أن أبدو طبيعية أمام الجميع، أخفي تعبي وأكمل يومي بصمت، لكن داخلي كان ينهار من شدة الإرهاق.

أحيانًا كنت أعود إلى المنزل وكأنني خرجت من معركة طويلة لا يراها أحد. أضع رأسي بصمت، وأنتظر أن يخف الألم، لكن الساعات تمرّ ببطء شديد، وكأن الوقت نفسه يتعب معي. كنت أراقب الأطفال من حولي وهم يعيشون أيامهم بخفة، بينما كنت أشعر أنني أحمل شيئًا أثقل من عمري الحقيقي.

ومع مرور السنوات، بدأت ألاحظ أن الصداع لا يأتي وحده دائمًا، بل يرافقه تعب غريب يسكن جسدي بالكامل. شعور دائم بالإرهاق، وبرودة في أطرافي أحيانًا، وضعف يجعل أبسط الأشياء تحتاج مني مجهودًا كبيرًا. لم أكن أفهم تمامًا معنى فقر الدم حينها، لكنني كنت أشعر بآثاره في كل تفصيلة من يومي، وكأن جسدي يطلب الراحة باستمرار مهما حاولت المقاومة.

كنت أحيانًا أقف أمام المرآة وأسأل نفسي: لماذا أشعر بكل هذا التعب وأنا ما زلت صغيرة؟ لماذا يبدو جسدي مرهقًا دائمًا؟ ولماذا يأتي هذا الصداع فجأة وكأنه يعرف الطريق إليّ مهما حاولت الهروب منه؟

ورغم كل ذلك، كنت أتمسك بالأمل في داخلي. كنت أقول ربما غدًا سيكون أفضل، ربما سأستيقظ يومًا دون ألم، ربما سأعيش يومًا كاملًا دون أن أخاف من بداية صداع جديد. لكن الحقيقة التي بدأت أواجهها تدريجيًا هي أن الألم لم يعد مجرد حالة مؤقتة، بل أصبح جزءًا من تفاصيل حياتي اليومية.

تعلمت في تلك السنوات أن أخفي الكثير خلف ابتسامتي، وأن أقول “أنا بخير” رغم أنني لم أكن كذلك دائمًا. تعلمت كيف أعيش بين لحظات الراحة القصيرة، وبين انتظار ألم قد يأتي في أي وقت دون إنذار. وكان أصعب ما في الأمر ليس الصداع نفسه فقط، بل ذلك الشعور الداخلي بأنني متعبة طوال الوقت، وكأن روحي أيضًا أصبحت تحمل جزءًا من هذا الإرهاق.

ومع كل ليلة كنت أضع رأسي على وسادتي، كان سؤال واحد يعود إليّ بصمت: هل سيأتي يوم أعيش فيه حياة طبيعية بلا خوف من الألم؟ أم أن هذا التعب سيبقى يرافقني كلما كبرت أكثر؟