بين الصداع المزمن وفقر الدم كبرت مبكرًابقلم الكاتبه صــمــتـ تحت الظلال فصل 1

بداية الألم في الطفولة

دقيقتان قراءة · 373 كلمة

في بداية حياتي، لم أكن أفهم معنى الألم كما أفهمه اليوم. كنت طفلة صغيرة، أعيش أيامي ببساطة، أركض وألعب وأضحك، وأظن أن التعب الذي أشعر به أحيانًا هو شيء طبيعي يمر كما تمرّ الأيام. لكن كان هناك شيء مختلف يظهر بين وقتٍ وآخر، شيء يبدأ كنبض خفيف في رأسي، ثم يتحول تدريجيًا إلى صداع يثقلني ويُربكني، يجعلني أهدأ فجأة، وأجلس دون قدرة على اللعب أو الكلام أو حتى التركيز.

في تلك اللحظات الأولى، لم أكن أستوعب أن هذا الألم قد يكون بداية لشيء أطول مما أتخيل. كنت أظنه صداعًا عاديًا، كما يقول الكبار: “ربما برد، ربما حرارة، ربما تعب وسيزول.” وكانت أمي دائمًا تواسيني بكلمات بسيطة تحمل طمأنينة كبيرة، تقول لي إن الأمر مؤقت، وإنه سيذهب بعد قليل، وإن كل الأطفال يمرّون بهذه الأعراض أحيانًا. كنت أصدقها، وأحاول أن أعيش على هذا الأمل الصغير بأن الألم مجرد ضيف عابر.

لكن مع مرور الوقت، بدأت ألاحظ أن هذا “الضيف” يعود كثيرًا. لا يطرق الباب، بل يدخل فجأة دون استئذان. يأتي في المدرسة أحيانًا، وأحيانًا في البيت، وأحيانًا وأنا أستعد ليوم جميل. لا وقت محدد له، ولا سبب واضح، فقط يظهر ويأخذ مني قدرتي على التحمل. كان الصداع يبدأ تدريجيًا، ثم يشتد حتى أشعر أن رأسي أصبح ثقيلاً على جسدي، وكأنني أحمل شيئًا لا أستطيع التخلص منه.

كنت صغيرة جدًا على فهم ما يحدث، لكنني كنت كبيرة بما يكفي لأشعر أن هناك شيئًا غير طبيعي. ومع ذلك، لم أكن أجرؤ على الشكوى كثيرًا، لأنني كنت أسمع دائمًا أنه “أمر بسيط” وأنه “سيزول”. فكنت أتعلم الصبر بطريقة مبكرة، وأتعلم كيف أبتسم رغم التعب، وكيف أكمل يومي رغم الألم.

مرت السنوات الأولى وأنا أعيش بين لحظات من النشاط، ولحظات من الانكسار المفاجئ بسبب الصداع. ومع كل مرة يعود فيها الألم، كنت أظن أنه سيكون آخر مرة، لكنه كان يعود مرة أخرى، أقوى أحيانًا، وأطول أحيانًا أخرى. شيئًا فشيئًا، بدأ هذا الألم يصبح جزءًا من حياتي، جزءًا لا أختاره لكنه يرافقني.

لم أكن أعلم حينها أن هذا الصداع الذي بدأ في طفولتي لن يكون مجرد مرحلة، بل بداية رحلة طويلة سترافقني لسنوات، من السابعة حتى سنوات المراهقة، رحلة سأتعلم فيها معنى التعب الحقيقي، ومعنى الصبر، ومعنى أن تعيش وأنت لا تعرف متى سيبدأ الألم ومتى سينتهي.

وفي كل مرة كان الألم يأتي، كان داخلي يسأل سؤالًا صغيرًا لكنه يكبر معي: هل هذا طبيعي؟ هل سينتهي فعلًا؟ أم أنني سأكبر وأنا أحمله معي أينما ذهبت؟