المحطة التي لا تظهرعلى الخرائط
8 دقائق قراءة · 1,406 كلمة
الجزء الأول: الموعد الذي لا ينبغي أن يحدث
القسم الأول: الساعة التي عادت إلى الحياة ⏳
لم ينم أيمن تلك الليلة.
ظل جالسًا أمام مكتبه، يراقب المفتاح النحاسي والصورتين والرسالتين اللتين قلبتا حياته في ساعات قليلة. كان يحاول إقناع نفسه بأن ما حدث يمكن تفسيره بطريقة منطقية، لكن كل تفسير يخطر بباله كان ينهار أمام سؤال واحد:
كيف اتصلت به امرأة تدّعي أنها أمه، ثم ظهر صوت مراد خلف باب لم يكن يقف عنده أحد؟
عند الرابعة صباحًا، قرر الاتصال بصديقه مرة أخرى.
رن الهاتف طويلًا قبل أن يجيب مراد بصوت متعب.
— واش كاين يا أيمن؟ ما رقدتش؟
تردد أيمن، ثم قال:
— مراد، نحتاج نسقسيك على حاجة، وجاوبني بصراحة.
— قول.
— عمرك سمعت على دار قديمة وسط الغابة؟ دار حجرية، فيها باب رقم سبعة؟
ساد الصمت.
لم يكن صمت شخص يحاول تذكّر مكان، بل صمت شخص سمع اسمًا كان يتمنى ألا يسمعه مجددًا.
— علاش تسقسي؟
— جاوبني برك.
تنهد مراد.
— ما نعرف حتى دار هكذا.
— متأكد؟
— أيمن، اسمعني مليح. إذا كان كاين شيء يخوفك، نجي لعندك ونهدرو وجهًا لوجه. ما تبقاش وحدك وتخمم بزاف.
كانت كلماته تبدو معقولة، لكن أيمن تذكر التحذير المكتوب بخط أبيه.
«لا تثق في مراد.»
أنهى المكالمة بحجة التعب.
وقبل أن يضع الهاتف على الطاولة، لاحظ شيئًا غريبًا.
كانت الساعة القديمة المعلقة فوق مكتبه قد تحركت عقاربها.
لأول مرة منذ سنوات، لم تعد تشير إلى الحادية عشرة وسبع وأربعين دقيقة.
بل أصبحت تشير إلى الرابعة وسبع عشرة دقيقة.
ثم سمع طقطقة خفيفة من داخلها.
انفتح الغطاء الخلفي للساعة من تلقاء نفسه، وسقطت منه ورقة صغيرة مطوية.
فتحها أيمن، فوجد عليها عنوانًا مكتوبًا بخط أبيه:
«المحطة القديمة، الرصيف الثالث. منتصف الليل.»
وتحت العنوان، جملة واحدة:
«إذا وصلت قبل أن يدق الجرس، فربما تستطيع إنقاذها.»
لم يذكر الخط اسم المرأة، لكن أيمن عرف من يقصد.
أمه.
القسم الثاني: الاسم المحذوف من الصورة 📷
مع طلوع الشمس، خرج أيمن إلى وسط المدينة، حاملًا الصورة القديمة داخل جيب معطفه.
كان يريد معرفة هوية الأشخاص الأربعة الذين وقفوا إلى جانب أبيه في الصورة.
بدأ من محل قديم لإصلاح الصور قرب السوق، حيث كان صاحب المحل يحتفظ بأرشيف من الصور العائلية التي يعود بعضها إلى عقود مضت.
وضع الصورة أمام رجل مسن يُدعى الطاهر.
— عمي، نحتاج نعرف وين تصوّرت هذي الصورة، وإذا تعرف الناس اللي فيها.
ارتدى الطاهر نظارته، وأمسك الصورة بكلتا يديه.
في البداية، لم يظهر على وجهه أي تعبير.
ثم وقعت عيناه على الرجل الموجود في المنتصف.
سقطت النظارة من يده.
— منين جبت هذي؟
— كانت عندي من زمان.
— شكون عطاهالك؟
— ما نقدرش نقولك. تعرف هذا السيد؟
لم يجب الطاهر.
قلب الصورة، وقرأ التاريخ المكتوب خلفها. ثم نهض بسرعة، واتجه نحو باب المحل وأغلقه بالمفتاح.
— اسمع يا وليدي، كاين حوايج خير للإنسان ما يعرفهاش.
— أنا واحد من الناس اللي في الصورة؟
نظر إليه الرجل طويلًا.
— لا. أنت السبب اللي خلاهم يتجمعوا كامل في هذيك الليلة.
شعر أيمن بأن الهواء أصبح ثقيلًا.
— واش تقصد؟
عاد الطاهر إلى الطاولة، وأشار إلى وجه المرأة الواقفة قرب أبيه.
— هذي ليان.
— شكون ليان؟
— المرأة اللي اختفت في نفس الليلة اللي اختفت فيها أمك.
فتح أيمن فمه ليسأل، لكن الرجل رفع يده طالبًا منه الصمت.
— ما نقدرش نقول أكثر من هذا.
— علاش؟
اقترب الطاهر منه وهمس:
— لأن واحدًا من الناس اللي في الصورة ما زال حيًا، وهو يعرف أنك بدأت تبحث.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف المحل.
رفع الطاهر السماعة.
لم يتكلم الطرف الآخر.
لكن بعد ثوانٍ، تغير لون وجه الرجل.
أغلق الخط، ثم نظر إلى أيمن وقال:
— لازم تروح من هنا. الآن.
— شكون كان في الهاتف؟
أجابه الطاهر بصوت مرتجف:
— الشخص اللي ما عندوش وجه في الصورة.
القسم الثالث: الرجل الذي بلا وجه 🎭
خرج أيمن من المحل، لكن كلمات الطاهر ظلت تتردد في رأسه.
الشخص الذي لا يملك وجهًا في الصورة؟
أخرج الصورة من جيبه، ووقف تحت ضوء الشمس يتفحصها.
كان هناك خمسة أشخاص فعلًا.
أبوه، وثلاثة رجال، وامرأة.
لكن في أقصى يمين الصورة، خلف شجرة داكنة، ظهر جزء من هيئة شخص سادس. كان واقفًا بعيدًا عن المجموعة، وملامحه غير واضحة.
قرب الصورة من عينيه.
لم يكن وجه ذلك الشخص مشوشًا بفعل الزمن.
بل بدا وكأنه مُحي عمدًا.
أخرج هاتفه والتقط صورة للصورة القديمة، ثم كبّر الجزء الذي يظهر فيه الرجل المجهول.
عندها لاحظ تفصيلًا صغيرًا.
كان الرجل يحمل ساعة جيب في يده اليسرى.
ساعة تشبه تمامًا الساعة التي ورثها عن أبيه.
قلب أيمن الصورة مرة أخرى، وقرأ التاريخ.
17 أكتوبر 1998.
لم يكن هذا التاريخ غريبًا فقط بسبب الرسالة.
بل لأن أمه، وفق الوثائق التي احتفظ بها، اختفت في اليوم نفسه.
وفي تلك اللحظة، وصلته رسالة من رقم مجهول:
«لا تذهب إلى المحطة الليلة.»
تبعها إشعار آخر.
صورة لواجهة محل الطاهر، ملتقطة من الجهة المقابلة للشارع.
ثم ظهرت رسالة ثالثة:
«لقد أخبرك أكثر مما ينبغي.»
رفع أيمن رأسه، وأخذ يتفحص المارة.
عند نهاية الشارع، كان رجل يرتدي معطفًا رماديًا يقف تحت مظلة سوداء.
لم يتحرك عندما نظر إليه أيمن.
ولم يبتعد عندما بدأ أيمن يتقدم نحوه.
لكن عندما وصل إلى المكان، لم يجد سوى مظلة سوداء ملقاة على الأرض.
وتحتها، ورقة صغيرة كتب عليها:
«لا تبحث عن الوجه. ابحث عن الظل.»
القسم الرابع: المحطة المهجورة 🚉
حل المساء، وبدأت المدينة تستعد لليل طويل.
كان أيمن يعرف أنه يستطيع تجاهل الرسالة والعودة إلى شقته، وربما الاتصال بالشرطة وإخبارهم بكل ما حدث.
لكنه كان يعرف أيضًا أن الشرطة لن تصدق قصة رسالة من رجل ميت، وصوت امرأة مجهولة، وصورة محذوفة الوجه.
وقبل منتصف الليل بقليل، وصل إلى المحطة القديمة.
كانت تقع في طرف المدينة، خلف مستودعات مهجورة وطريق لم تعد السيارات تسلكه.
لم تظهر المحطة على الخرائط الحديثة، لكن مبناها كان ما يزال قائمًا، بنوافذ مكسورة وسقف متآكل وساعة كبيرة متوقفة فوق المدخل.
دخل أيمن بحذر.
كان المكان خاليًا تمامًا.
على الجدار، عُلقت لوحة صدئة تحمل أسماء وجهات لم تعد القطارات تصل إليها منذ سنوات.
تقدم نحو الرصيف الثالث.
كانت الساعة في هاتفه تشير إلى الحادية عشرة وتسع وخمسين دقيقة.
ثم سمع صوت الجرس.
دقة واحدة.
اهتزت النوافذ، وانطفأت المصابيح للحظة.
وعندما عاد الضوء، ظهرت على الرصيف المقابل امرأة ترتدي معطفًا أبيض.
كانت تقف وظهرها إليه.
— ليان؟ ناداها.
لم تلتفت.
— هل أنتِ اللي كنتِ في الصورة؟
استدارت المرأة ببطء.
لم يستطع رؤية وجهها بوضوح، لأن ضوء المصباح كان يسقط خلف رأسها.
لكن صوتها كان هادئًا:
— أنت تشبه أباك أكثر مما تتصور.
اقترب منها خطوة.
— من أنتِ؟
— الشخص الذي كان يجب أن يمنعك من الوصول إلى هنا.
— هل تعرفين أمي؟
لم تجب.
أخرج الصورة القديمة من جيبه ورفعها أمامها.
— أنتِ هنا. في هذه الصورة.
تراجعت المرأة خطوة، ثم قالت:
— هذه الصورة لا يجب أن تكون معك.
— لماذا؟
نظرت إلى المفتاح النحاسي في يده.
وفجأة، سمعت خطوات تأتي من داخل نفق مظلم خلفها.
تغير وجهها.
— لقد وصل قبل الموعد.
ثم أمسكت بيد أيمن بقوة وقالت:
— إذا سألك عن اسمك، لا تجبه.
القسم الخامس: القطار الذي لم يكن موجودًا 🚂
خرج من النفق صوت صفير طويل.
كان الصوت بعيدًا في البداية، ثم أخذ يقترب حتى اهتزت الأرض تحت قدمي أيمن.
لكن الغريب أن المحطة لم تكن موصولة بأي خط سكة حديد عامل، ولم يكن هناك قطار مسجل في جداولها منذ سنوات طويلة.
ظهرت أضواء في عمق النفق.
أبيض، ثم أصفر، ثم أحمر.
وأخيرًا، خرج قطار أسود قديم، بواجهات نحاسية ونوافذ مظلمة، وتوقف أمام الرصيف الثالث دون أن يصدر عن عجلاته أي صوت.
انفتح أحد الأبواب.
كان داخل العربة رجل عجوز يجلس وحده، يرتدي بدلة سوداء، ويضع قفازًا أبيض في يده اليمنى.
رفع رأسه ونظر مباشرة إلى أيمن.
ثم ابتسم.
— تأخرت كثيرًا يا بني.
تراجع أيمن.
— من أنت؟
لم يجبه الرجل.
أخرج من جيبه ساعة جيب قديمة، وفتح غطاءها.
كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة وسبع وأربعين دقيقة.
الوقت نفسه الذي توقفت عنده ساعة أيمن.
قال الرجل:
— أعطني المفتاح، وسأخبرك أين توجد أمك.
تردد أيمن.
كانت ليان قد حذرته من الرجل، لكن وعد العثور على أمه كان أقوى من خوفه.
— كيف نعرف بلي راك تقول الحقيقة؟
ابتسم الرجل ابتسامة باردة.
— اسأل نفسك سؤالًا واحدًا. لماذا لم تدفنوا أمك أبدًا؟
تجمد أيمن.
لم يكن هذا سرًا يعرفه إلا أفراد عائلته القريبون، ولم يكن قد أخبر به أحدًا.
تابع الرجل:
— لأنك لم تكن حاضرًا عندما خرجت من المنزل تلك الليلة.
ثم مد يده بالقفاز الأبيض.
— المفتاح، يا أيمن.
نظر أيمن إلى ليان، لكنه لم يجدها بجانبه.
اختفت.
لم يبق منها سوى وشاح أبيض على الأرض.
عاد الرجل إلى الكلام:
— لا تقلق. هي دائمًا تهرب عندما تقترب الحقيقة.
صعد أيمن إلى العربة ببطء، والمفتاح في قبضته.
في الداخل، كانت المقاعد مغطاة بطبقة من الغبار، والجدران تحمل صورًا قديمة لأشخاص لا يعرفهم.
لكن صورة واحدة جعلته يتوقف.
كانت صورة له هو، واقفًا أمام باب خشبي يحمل الرقم سبعة.
بدا في الصورة أكبر بعشر سنوات على الأقل.
وتحتها، كُتب تاريخ لم يأتِ بعد.
17 أكتوبر 2036.
التفت إلى الرجل العجوز.
— كيفاش عندك هذي الصورة؟
أغلق الرجل ساعة جيبه.
— لأنك زرت هذا المكان من قبل.
— مستحيل!
— لا شيء مستحيل عندما تكون ذاكرتك ليست ملكك.
وفجأة، انغلق باب العربة.
انطلقت صافرة القطار، وتحركت العربات نحو النفق المظلم.
صرخ أيمن:
— استنى! وين رايحين؟!
أجابه الرجل بهدوء:
— إلى المكان الذي بدأت فيه حياتك الحقيقية.
ثم انطفأت المصابيح.
وفي الظلام، سمع أيمن صوت أمه يهمس من المقعد المقابل:
— أيمن… ما تصدقوش.
فتح عينيه بسرعة.
كان المقعد فارغًا.
لكن على الزجاج أمامه، ظهرت كلمات مكتوبة من الداخل، كأن إصبعًا غير مرئي يرسمها:
«أنت لست الابن الوحيد.»
ثم انفتح باب صغير في نهاية العربة.
وخلفه، كان هناك ممر يؤدي إلى سبعة أبواب.
على كل باب رقم.
واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة…
أما الباب السابع، فلم يكن عليه رقم.
كان يحمل صورة عين سوداء.
ومن خلفه، جاء صوت طفل يضحك.
ضحكة تشبه ضحكة أيمن تمامًا عندما كان صغيرًا.
ثم قال الطفل:
— أخيرًا رجعت يا أخي.
نهاية الفصل الثاني.
🔎 اللغز التالي
من هو الطفل الذي ينتظر أيمن خلف الباب السابع؟ ولماذا توجد صورة له في مستقبل لم يأتِ بعد؟ وهل ليان تحاول حمايته فعلًا، أم أنها تقوده إلى الفخ الذي صنعه أبوه قبل خمسة عشر عامًا؟