🕯️ الظلّ المفقودبقلم Aymen فصل 1

ثلاث طرقات في منتصف الليل 🕯️

7 دقائق قراءة · 1,269 كلمة

الظلّ المفقود

الجزء الأول: الرسالة التي وصلت بعد الموت

النوع: غموض، تشويق، أسرار، دراما نفسية.

مقدمة

يقولون إن الموتى لا يعودون، وإن الماضي مهما حاولنا دفنه سيبقى مجرد ذكريات لا تستطيع إيذاءنا.

لكنهم لم يخبروا أيمن أن بعض الموتى يتركون خلفهم أسرارًا تنتظر الشخص الخطأ كي يكتشفها.

في مدينة لا تنام إلا حين يغطيها الضباب، وبين أزقة تحتفظ بأصوات أشخاص اختفوا منذ سنوات، بدأت حكاية لم يكن من المفترض أن تُروى.

حكاية شاب ظن أنه يعرف عائلته، حتى وصلته رسالة تحمل اسم أبيه وتاريخًا لا ينبغي أن يكون موجودًا.

وكان أسوأ ما في الأمر أن الرسالة لم تأتِ من شخص مجهول فحسب…

بل من شخص مات قبل خمسة عشر عامًا.

---

الفصل الأول: ثلاث طرقات في منتصف الليل

1. الظرف الأصفر

كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة وسبع وأربعين دقيقة ليلًا.

جلس أيمن على طرف سريره، يحدق في شاشة هاتفه دون اهتمام. كان المطر يضرب زجاج النافذة بإيقاع متقطع، والريح تتسلل عبر شقوق النافذة القديمة، مطلقة صفيرًا يشبه همسات أشخاص يتحدثون في غرفة مجاورة.

لم يكن يحب الليل، لكنه اعتاد عليه.

منذ سنوات، أصبح الصمت رفيقه الوحيد. يعمل نهارًا، ويعود إلى شقته الصغيرة في المساء، ثم يقضي ساعات طويلة محاولًا إقناع نفسه بأن حياته عادية، وأن الأسئلة التي تركها الماضي وراءه لا تستحق البحث عن إجاباتها.

كان يعتقد أن أصعب ما في حياته هو غياب أمه.

لم يكن يعرف أن غيابها لم يكن سوى بداية الحكاية.

فجأة، سمع ثلاث طرقات على الباب.

توقف عن تحريك إصبعه فوق الشاشة.

طرقٌ أول، ثم ثانٍ، ثم ثالث.

كانت الطرقات هادئة ومنتظمة، كأن صاحبها يعرف تمامًا أن أيمن موجود في الداخل، وأنه سينتظر حتى يسمعها كلها قبل أن يتحرك.

رفع رأسه ونظر إلى الساعة.

23:47.

نهض ببطء.

— شكون؟

لم يأته جواب.

اقترب من الباب، ثم توقف على بعد خطوة واحدة منه. كان هناك شيء غريب في هذا الصمت؛ لم يسمع خطوات تبتعد، ولا صوت مصعد، ولا حتى حركة خفيفة في الممر.

انحنى قليلًا، فرأى طرف ظرف أصفر قديم تحت الباب.

سحبه نحوه.

كان الظرف جافًا رغم المطر، مغلقًا بشمع أسود يحمل رمز عين صغيرة تتوسطها نقطة حمراء.

وعلى واجهته، كُتب اسمه بخط يعرفه جيدًا، رغم أنه لم يره منذ طفولته.

«إلى أيمن، الذي نسي الليلة التي بدأ فيها كل شيء.»

شعر بأن أصابعه تجمدت.

لم يكن الخط غريبًا عليه.

كان خط أبيه.

2. صورة من الماضي

عاد إلى غرفته وأغلق الباب بالمفتاح، ثم وضع الظرف فوق المكتب. ظل يحدق فيه دقائق كاملة قبل أن يقرر فتحه.

في الداخل، وجد صورة فوتوغرافية قديمة، ومفتاحًا نحاسيًا صغيرًا، وورقة مطوية بعناية.

أمسك بالصورة أولًا.

كانت تُظهر منزلًا حجريًا ضخمًا تحيط به أشجار طويلة، وخلفه غابة كثيفة. وقف أمام المدخل خمسة أشخاص؛ أربعة وجوه لم يعرفها، ووجه خامس جعله يشعر بأن الغرفة أصبحت أضيق.

كان أباه.

لم يكن هناك شك في ذلك. نفس العينين، ونفس الندبة الصغيرة فوق الحاجب الأيسر.

لكن الرجل في الصورة بدا أصغر بكثير من الصورة الوحيدة التي احتفظ بها أيمن له.

قلب الصورة.

وجد تاريخًا مكتوبًا على ظهرها:

17 أكتوبر 1998.

ثم عبارة قصيرة:

«الليلة التي اختير فيها الطفل.»

أعاد قراءة الكلمات.

الطفل؟

أي طفل؟

كان أيمن يعرف أن أباه عاش سنوات طويلة بعيدًا عن عائلته قبل ولادته، لكنه لم يسمع قط عن منزل كهذا، أو عن أشخاص يجتمعون معه في مكان مجهول.

مد يده إلى الورقة المطوية وفتحها.

كانت الرسالة قصيرة، لكن كل سطر فيها بدا كأنه كُتب ليقوده إلى مصيبة.

«أيمن،

إذا كنت تقرأ هذه الكلمات، فهذا يعني أن الباب لم يعد مغلقًا.

لا تثق في مراد، حتى لو أقسم لك أنه يريد حمايتك.

لا تبحث عني في المقبرة.

ولا تفتح الباب السابع، مهما سمعت صوت أمك من خلفه.

لديك ثلاث ليالٍ فقط.

بعدها، ستعرف لماذا كان عليك أن تموت بدلًا مني.»

توقف عند الجملة الأخيرة.

قرأها مرة ثانية، ثم ثالثة.

كان أبوه ميتًا منذ خمسة عشر عامًا.

فكيف يمكن أن تكون هذه الرسالة منه؟

ولماذا يكتب رجل ميت لابنه أنه كان يجب أن يموت بدلًا منه؟

3. المكالمة المجهولة

رن الهاتف فجأة.

ارتجف أيمن، وكاد يسقط الورقة من يده.

ظهر على الشاشة رقم غير مسجل.

تردد لحظة، ثم أجاب.

— ألو؟

لم يسمع سوى تشويش خفيف، يتخلله صوت تنفس بطيء.

— شكون معايا؟

جاءه صوت امرأة خافت:

— أيمن؟

توقف قلبه للحظة.

لم تكن نبرة الصوت مألوفة فحسب، بل كانت تحمل شيئًا من الحنان الذي حاول نسيانه طوال سنوات.

— شكون نتي؟

لم تجب المرأة مباشرة.

سمع صوتًا يشبه احتكاك سلسلة معدنية بالأرض، ثم قالت:

— اسمعني مليح. ما عندكش وقت بزاف.

نهض أيمن من مكانه.

— كيفاش تعرفي اسمي؟ وشكون عطاك رقمي؟

— ما تروحش للدار القديمة.

— أي دار؟!

جاءه صوتها هذه المرة أكثر وضوحًا:

— إذا شفت المفتاح رقم سبعة، ما تقربش للباب. مهما صار، ما تقربش ليه.

نظر أيمن إلى المفتاح النحاسي فوق المكتب.

كان الرقم سبعة محفورًا عليه بوضوح.

شعر بأن الدم انسحب من وجهه.

— شكون نتي؟!

ساد الصمت ثواني.

ثم همست المرأة:

— يمّاك يا أيمن.

توقف كل شيء في داخله.

كانت أمه قد اختفت من حياته عندما كان في السابعة. أخبروه أنها ماتت في حادث، لكن لم يسمحوا له برؤية جثمانها، ولم يأخذوه إلى قبرها.

طوال سنوات، كان يحاول إقناع نفسه بأنه طفل لم يفهم ما حدث.

والآن، كان هناك صوت يدّعي أنه صوتها.

— يمّا؟ وين راكي؟ علاش خليتيني وحدي؟

سمع شهقة مكتومة من الطرف الآخر.

— سامحني يا وليدي… سامحني على كلش.

ثم تغير صوتها فجأة، وكأن شخصًا آخر اقترب منها.

— راهو وصل.

— شكون وصل؟!

جاءه همس أخير:

— مراد… ما تخليهش يدخل.

وانقطع الاتصال.

4. الرجل الذي لم يظهر في المرآة

بقي أيمن واقفًا والهاتف في يده.

حاول الاتصال بالرقم، لكن الشاشة عرضت رسالة غريبة:

«الرقم غير موجود.»

أعاد المحاولة.

النتيجة نفسها.

أخذ نفسًا عميقًا، ثم نظر إلى باب الشقة.

ثلاث طرقات جديدة.

هذه المرة، أعقبها صوت يعرفه جيدًا.

— أيمن، افتح الباب. أنا مراد.

كان مراد صديقه منذ الطفولة. رجلًا يعرف تفاصيل حياته، ويستطيع الدخول إلى شقته دون استئذان في الأيام العادية.

لكن الليلة لم تكن عادية.

تذكر التحذير المكتوب في الرسالة.

«لا تثق في مراد.»

اقترب من الباب، لكنه لم يفتحه.

— واش جابك في هاذ الوقت؟

— افتح برك، لازم نهدر معاك.

— على واش؟

صمت مراد قليلًا.

ثم قال:

— على باك.

شعر أيمن بأن الأرض تميد تحت قدميه.

— واش بيه بابا؟

— افتح ونفهمك.

تراجع أيمن نحو العين السحرية ونظر منها إلى الممر.

لم يكن هناك أحد.

كان الممر فارغًا تمامًا، حتى إن ضوء المصباح المتقطع انعكس على البلاط دون أن يحجبه أي ظل.

لكن صوت مراد استمر:

— أيمن، نعرف بلي راك تشوف فيا.

تجمد مكانه.

كيف عرف أنه ينظر من العين السحرية؟

اقترب من الباب مرة أخرى، ثم سمع صوتًا خافتًا يأتي من خلفه، من جهة المرآة المعلقة في الممر الداخلي للشقة.

صوت مراد نفسه.

— ما تفتحش له الباب.

استدار بسرعة.

كانت المرآة تعكس الممر الفارغ، لكن خلف انعكاسه ظهرت هيئة رجل واقف عند نهاية الظلام.

رجل يشبه مراد تمامًا.

أغمض أيمن عينيه وفتحهما.

اختفى الرجل.

وفي اللحظة نفسها، جاء صوت مراد من خلف الباب:

— أيمن… إذا فتحت، راح تعرف الحقيقة.

ثم همس الصوت القادم من المرآة:

— وإذا فتحت، راح يعرف هو أنك تذكرته.

5. الرسالة الثانية

ابتعد أيمن عن المرآة، ثم أمسك هاتفه واتصل بمراد الحقيقي.

رن الهاتف مرة واحدة.

ثم جاءه صوت صديقه، ناعسًا ومندهشًا:

— ألو؟ أيمن؟ واش كاين؟

لم يستطع الكلام في البداية.

— مراد… وين راك؟

— في داري، علاش؟

نظر أيمن إلى الباب.

ما زال الصوت نفسه يأتي من خلفه.

— راك متأكد؟

ضحك مراد بخفة.

— خويا، واش بيك؟ راني في داري. صرا واش؟

أراد أيمن أن يخبره بكل شيء، لكنه تذكر التحذير.

— والو. غلطت برك.

أنهى المكالمة.

ساد الصمت.

ثم سمع صوت خطوات تبتعد عن الباب، ببطء شديد.

انتظر حتى اختفى الصوت تمامًا، وبعدها اقترب من الباب ونظر عبر العين السحرية مرة أخرى.

الممر فارغ.

فتح الباب بحذر.

لم يجد أحدًا.

لكن على الأرض، أمام عتبة الشقة، كان هناك ظرف ثانٍ.

لم يكن أصفر هذه المرة، بل أسود، وعليه نفس رمز العين.

التقطه وأغلق الباب بسرعة.

فتح الظرف.

وجد داخله ورقة صغيرة وصورة أخرى.

كانت الصورة لأمه، واقفة أمام المنزل الحجري نفسه، تحمل طفلًا بين ذراعيها.

طفلًا يشبه أيمن.

على ظهر الصورة، كُتبت عبارة واحدة:

«هذا ليس ابنك الوحيد يا ليان.»

لم يفهم معنى الجملة.

من هي ليان؟

ولماذا كُتب اسم امرأة مجهولة على صورة أمه؟

قلب الورقة، فوجد سطرًا أخيرًا:

«إذا أردت أن تعرف من كان واقفًا خلف الباب، فاذهب إلى المحطة القديمة غدًا عند منتصف الليل.

تعال وحدك.

وإذا رأيت رجلًا بلا ظل، فلا تسأله عن اسمه.

لأنه يعرف اسمك الحقيقي.»

رفع أيمن عينيه نحو المرآة.

هذه المرة، كان انعكاسه طبيعيًا.

إلا أن الساعة المعلقة على الجدار كانت تشير إلى الحادية عشرة وسبع وأربعين دقيقة.

لم تتحرك منذ بداية الليل.

وعلى سطح الزجاج، ظهرت كتابة لم تكن موجودة قبل لحظات:

«بقيت ليلتان.»

في الخارج، بدأ المطر يتوقف.

وفي مكان بعيد، داخل منزل حجري تحيط به الغابة، فتح رجل مجهول صندوقًا خشبيًا قديمًا.

أخرج منه صورة أيمن، ثم وضع بجانبها صورة طفل آخر.

كان الوجهان متطابقين.

ابتسم الرجل ابتسامة باردة، وأطفأ المصباح.

— لقد وصلت الرسالة أخيرًا.

ثم جاءه صوت من خلف الباب السابع:

— لا… لقد وصلت متأخرة.

نهاية الجزء الأول.

يتبع في الجزء الثاني: المحطة التي لا تظهر على الخرائط.